شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 155يا أهل الكوفة إنه لم يخطب على منبركم هذا خليفة حق إلا علي بن أبي طالب و أمير المؤمنين هذا فأحمد الله الذي رد إليكم أموركم ثم نزل. و قد روي حديث خطبة داود بن علي برواية أخرى و هي الأشهر قالوا لما صعد أبو العباس منبر الكوفة حصفلم يتكلم فقام داود بن علي و كان تحت منبره حتى قام بين يديه تحته بمرقاة فاستقبل الناس و قال أيها الناس إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فعله و لأثر الفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال و حسبكم كتاب الله تمثلا فيكم و ابن عم رسول الله ص خليفة عليكم أقسم بالله قسما برا ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله ص أحق به من علي بن أبي طالب و أمير المؤمنين هذا فليهمس هامسكم و لينطق ناطقكم ثم نزل. و من خطب داود التي خطب بها بعد قتل مروان شكرا شكرا أ ظن عدو الله أن لن يظفر به أرخي له في زمامه حتى عثر في فضل خطامه فالآن عاد الحق إلى نصابه و طلعت الشمس من مطلعها و أخذ القوس باريها و صار الأمر إلى النزعة و رجع الحق إلى مستقره أهل بيت نبيكم أهل الرأفة و الرحمة. و خطب عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس لما قتل مروان فقال الحمد لله الذي لا يفوته من طلب و لا يعجزه من هرب خدعت و الله الأشقر نفسه إذ ظن أن الله ممهله و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون فحتى متى و إلى متى شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 156أما و الله لقد كرهتهم العيدان التي افترعوها و أمسكت السماء درها و الأرض ريعها و قحل الضرع و جفز الفنيق و أسمل جلباب الدين و طلت الحدود و أهدرت الدماء و كان ربك بالمرصاد فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها و لا يخاف عقباها و ملكنا الله أمركم عباد الله لينظر كيف تعملون فالشكر الشكر فإنه من دواعي المزيد أعاذنا الله و إياكم من مضلات الأهواء و بغتات الفتن فإنما نحن به و له. لما أمعن داود بن علي في قتل بني أمية بالحجاز قال له عبد الله بن الحسن ع يا ابن(8/138)
عمي إذا أفرطت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك و ما يكفيك منهم أن يروك غاديا و رائحا فيما يسرك و يسوءهم كان داود بن علي يمثل ببني أمية يسمل العيون و يبقر البطون و يجدع الأنوف و يصطلم الآذان كان عبد الله بن علي بنهر أبي فطرس يصلبهم منكسين و يسقيهم النورة و الصبر و الرماد و الخل و يقطع الأيدي و الأرجل و كان سليمان بن علي بالبصرة يضرب الأعناق. خطب السفاح في الجمعة الثانية بالكوفة فقال
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 157يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود و الله لا أعدكم شيئا و لا أتوعدكم إلا وفيت بالوعد و الوعيد و لأعملن اللين حتى لا تنفع إلا الشدة و لأغمدن السيف إلا في إقامة حد أو بلوغ حق و لأعطينكم حتى أرى العطية ضياعا إن أهل بيت اللعنة و شجرة الملعونة في القرآن كانوا لكم أعداء لا يرجعون معكم من حالة إلا إلى ما هو أشد منها و لا يلي عليكم منهم وال إلا تمنيتم من كان قبله و إن كان لا خير في جميعهم منعوكم الصلاة في أوقاتها و طالبوكم بأدائها في غير وقتها و أخذوا المدبر بالمقبل و الجار بالجار و سلطوا شراركم على خياركم فقد محق الله جورهم و أزهق باطلهم بأهل بيت نبيكم فما نؤخر لكم عطاء و لا نضيع لأحد منكم حقا و لا نجهزكم في بعث و لا نخاطر بكم في قتال و لا نبذلكم دون أنفسنا و الله على ما نقول وكيل بالوفاء و الاجتهاد و عليكم بالسمع و الطاعة. ثم نزل. كان يقال لو ذهبت دولة بني أمية على يد غير مروان بن محمد لقيل لو كان لها مروان لما ذهبت. كان يقال إن دولة بني أمية آخرها خليفة أمه أمة فلذلك كانوا لا يعهدون إلى بني الإماء منهم و لو عهدوا إلى ابن أمة لكان مسلمة بن عبد الملك أولاهم بها و كان انقراض أمرهم على يد مروان و أمه أمة كانت لمصعب بن الزبير وهبها من إبراهيم بن الأشتر فأصابها محمد بن مروان يوم قتل ابن الأشتر فأخذها من ثقله فقيل إنها كانت حاملا بمروان فولدته على فراش محمد بن مروان و لذلك كان(8/139)
أهل خراسان ينادونه في الحرب يا ابن الأشتر. قيل أيضا إنها كانت حاملا به من مصعب بن الزبير و إنه لم تطل مدتها عند شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 158إبراهيم بن الأشتر حتى قتل فوضعت حملها على فراش محمد بن مروان و لذلك كانت المسودة تصيح به في الحرب يا ابن مصعب ثم يقولون يا ابن الأشتر فيقول ما أبالي أي الفحلين غلب علي لما بويع أ العباس جاءه ابن عياش المنتوف فقبل يده و بايعه و قال الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة و ابن أمة النخع ابن عم رسول الله ص و ابن عبد المطلب. لما صعد السفاح منبر الكوفة يوم بيعته و خطب الناس قام إليه السيد الحميري فأنشده
دونكموها يا بني هاشم فجددوا من آيها الطامسادونكموها لا علا كعب من أمسى عليكم ملكها نافسادونكموها فالبسوا تاجها لا تعدموا منكم له لابساخلافة الله و سلطانه و عنصر كان لكم دارساقد ساسها من قبلكم ساسة لم يتركوا رطبا و لا يابسالو خير المنبر فرسانه ما اختار إلا منكم فارساو الملك لو شوور في سائس لما ارتضى غيركم سائسالم يبق عبد الله بالشام من آل أبي العاص امرأ عاطسافلست من أن تملكوها إلى هبوط عيسى منكم آيسا(8/140)
قال داود بن علي لإسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص بعد قتله من قتل من بني شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 159أمية هل علمت ما فعلت بأصحابك قال نعم كانوا يدا فقطعتها و عضدا ففتت فيها و مرة فنقضتها و جناحا فحصصتها قال إني لخليق أن ألحقك فيهم قال إني إذا لسعيد. لماستوثق الأمر لأبي العباس السفاح وفد إليه عشرة من أمراء الشام فحلفوا له بالله و بطلاق نسائهم و بأيمان البيعة بأنهم لا يعلمون إلى أن قتل مروان أن لرسول الله ص أهلا و لا قرابة إلا بني أمية. و روى أبو الحسن المدائني قال حدثني رجل قال كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحدا يسمي أحدا أو يناديه يا علي أو يا حسن أو يا حسين و إنما أسمع معاوية و الوليد و يزيد حتى مررت برجل فاستسقيته ماء فجعل ينادي يا علي يا حسن يا حسين فقلت يا هذا إن أهل الشام لا يسمون بهذه الأسماء قال صدقت إنهم يسمون أبناءهم بأسماء الخلفاء فإذا لعن أحدهم ولده أو شتمه فقد لعن اسم بعد الخلفاء و أنا سميت أولادي بأسماء أعداء الله فإذا شتمت أحدهم أو لعنته فإنما ألعن أعداء الله. كانت أم إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أموية من ولد عثمان بن عفان. قال إبراهيم فدخلت على جدي عيسى بن موسى مع أبي موسى فقال لي جدي أ تحب بني أمية فقال له موسى أبي نعم إنهم أخواله فقال و الله لو رأيت جدك شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 160علي بن عبد الله بن العباس يضرب بالسياط ما أحببتهم و لو رأيت إبراهيم بن محمد يكره على إدخال رأسه في جراب النورة لما أحببتهم وأحدثك حديثا إن شاء الله أن ينفعك به نفعك لما وجه سليمان بن عبد الملك ابنه أيوب بن سليمان إلى الطائف وجه معه جماعة فكنت أنا و محمد بن علي بن عبد الله جدي معهم و أنا حينئذ حديث السن و كان مع أيوب مؤدب له يؤدبه فدخلنا عليه يوما أنا و جدي و ذلك المؤدب يضربه فلما رآنا الغلام أقبل على مؤدبه فضربه فنظر بعضنا إلى بعض و قلنا ما له(8/141)
قاتله الله حين رآنا كره أن نشمت به ثم التفت أيوب إلينا فقال أ لا أخبركم يا بني هاشم بأعقلكم و أعقلنا أعقلنا من نشأ منا يبغضكم و أعقلكم من نشأ منكم يبغضنا و علامة ذلك أنكم لم تسموا بمروان و لا الوليد و لا عبد الملك و لم نسم نحن بعلي و لا بحسن و لا بحسين. لما انتهى عامر بن إسماعيل و كان صالح بن علي قد أنفذه لطلب مروان إلى بوصير مصر هرب مروان بين يديه في نفر يسير من أهله و أصحابه و لم يكن قد تخلف معه كثير عدد فانتهوا في غبش الصبح إلى قنطرة هناك على نهر عميق ليس للخيل عبور إلا على تلك القنطرة و عامر بن إسماعيل من ورائهم فصادف مروان على تلك القنطرة بغالا قد استقبلته تعبر القنطرة و عليها زقاق عسل فحبسته عن العبور حتى أدركه عامر بن إسماعيل و رهقه فلوى مروان دابته إليهم و حارب فقتل فلما بلغ صالح بن علي ذلك قال إن لله جنودا من عسل. لما نقف رأس مروان و نفض مخه قطع لسانه و ألقى مع لحم عنقه فجاء كلب فأخذ اللسان فقال قائل(8/142)