قال أبو جعفر رحمه الله تعالى و صدق محمد بن علي أنه إليه أوصى أبو هاشم و إليه دفع كتاب الدولة و كذب معاوية بن عبد الله بن جعفر لكنه قرأ الكتاب فوجد لهم فيه ذكرا يسيرا فادعى الوصية بذلك فمات و خرج ابنه عبد الله بن معاوية يدعي وصاية أبيه و يدعي لأبيه وصاية أبي هاشم و يظهر الإنكار على بني أمية و كان له في ذلك شيعة يقولون بإمامته سرا حتى قتل. دخلت إحدى نساء بني أمية على سليمان بن علي و هو يقتل بني أمية بالبصرة شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 151فقالت أيها الأمير إن العدل ليمل من الإكثار منه و الإسراف فيه فكيف لا تمل أنت من الجور و قطيعة الرحم فأطرق ثم قال لهاسننتم علينا القتل لا تنكرونه فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر
ثم قال يا أمة الله
و أول راض سنة من يسيرها(8/133)
أ لم تحاربوا عليا و تدفعوا حقه أ لم تسموا حسنا و تنقضوا شرطه أ لم تقتلوا حسينا و تسيروا رأسه أ لم تقتلوا زيدا و تصلبوا جسده أ لم تقتلوا يحيى و تمثلوا به أ لم تلعنوا عليا على منابركم أ لم تضربوا أبانا علي بن عبد الله بسياطكم أ لم تخنقوا الإمام بجراب النورة في حبسكم ثم قال أ لك حاجة قالت قبض عمالك أموالي فأمر برد أموالها عليها. لما سار مروان إلى الزاب حفر خندقا فسار إليه أبو عون عبد الله بن يزيد الأزدي و كان قحطبة بن شبيب قد وجهه و أمد أبو سلمة الخلال بأمداد كثيرة فكان بإزاء مروان ثم إن أبا العباس السفاح قال لأهله و هو بالكوفة حينئذ من يسير إلى مروان من أهل بيتي و له ولاية العهد إن قتله فقال عبد الله عمه أنا قال سر على بركة الله فسار فقدم على أبي عون فتحول له أبو عون عن سرادقه و خلاه له بما فيه ثم سأل عبد الله عن مخاضة في الزاب فدل عليها فأمر قائدا من قواده فعبرها في خمسة آلاف فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا و تحاجزوا و رجع القائد بأصحابه فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله بن علي و أصبح مروان فعقد جسرا و عبر بالجيش كله إلى شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 152عبد الله بن علي فكان ابنه عبد الله بن مروان في مقدمته على الميمنة الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان و على الميسرة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان و عبأ عبد الله بن علي جيشه و تراءى الجمعان فقال مروان لعبد العزيز بن عمر انظر فإن زالت الشمس اليوم و لم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم و إن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله و إنا إليه راجعون ثم أرسل إلى عبد الله بن علي يسأله الكف عن القتال نهار ذلك اليوم فقال عبد الله كذب ابن زربي إنما يريد المدافعة إلى الزوال لا و الله لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله ثم حرك أصحابه للقتال فنادى مروان في أهل الشام لا تبدءوهم بالحرب فلم يسمع الوليد بن معاوية منه و(8/134)
حمل على ميسرة عبد الله بن علي فغضب مروان و شتمه فلم يسمع له و اضطرمت الحرب فأمر عبد الله الرماة أن ينزلوا و نادى الأرض الأرض فنزل الناس و رمت الرماة و أشرعت الرماح و جثوا على الركب فاشتد القتال فقال مروان لقضاعة انزلوا قالوا حتى تنزل كندة فقال لكندة انزلوا فقالوا حتى تنزل السكاسك فقال لبني سليم انزلوا فقالوا حتى تنزل عامر فقال لتميم احملوا فقالوا حتى تحمل بنو أسد فقال لهوازن احملوا قالوا حتى تحمل غطفان فقال لصاحب شرطته احمل ويلك قال ما كنت لأجعل نفسي غرضا قال أما و الله لأسوأنك قال وددت أن أمير المؤمنين يقدر على ذلك فانهزم عسكر مروان و انهزم مروان معهم و قطع الجسر فكان من هلك غرقا أكثر ممن هلك تحت السيف و احتوى عبد الله بن علي على عسكر مروان بما فيه و كتب إلى أبي العباس يخبره الواقعة. كان مروان سديد الرأي ميمون النقيبة حازما فلما ظهرت المسودة و لقيهم كان(8/135)
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 153ما يدبر أمرا إلا كان فيه خلل و لقد وقف يوم الزاب و أمر بالأموال فأخرجت و قال للناس اصبروا و قاتلوا و هذه الأموال لكم فجعل ناس يصيبون من ذلك المال و يشتغلون به عن الحرب فقال لابنه عبد الله سر في أصحابك فامنع من يتعرض لأخذ الم فمال عبد الله برايته و معه أصحابه فتنادي الناس الهزيمة الهزيمة فانهزموا و ركب أصحاب عبد الله بن علي أكتافهم. لما قتل مروان ببوصير قال الحسن بن قحطبة أخرجوا إلى إحدى بنات مروان فأخرجوها إليه و هي ترعد قال لا بأس عليك قالت و أي بأس أعظم من إخراجك إياي حاسرة و لم أر رجلا قبلك قط فأجلسها و وضع رأس مروان في حجرها فصرخت و اضطربت فقيل له ما أردت بهذا قال فعلت بهم فعلهم بزيد بن علي لما قتلوه جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي بن الحسين ع. دخلت زوجة مروان بن محمد و هي عجوز كبيرة على الخيزران في خلافة المهدي و عندها زينب بنت سليمان بن علي فقالت لها زينب الحمد لله الذي أزال نعمتك و صيرك عبرة أ تذكرين يا عدوة الله حين أتاك نساؤنا يسألنك أن تكلمي صاحبك في أمر إبراهيم بن محمد فلقيتهن ذلك اللقاء و أخرجتهن ذلك الإخراج فضحكت و قالت أي بنت عمي و أي شي ء أعجبك من حسن صنيع الله ب عقيب ذلك حتى أردت أن تتأسى بي فيه ثم ولت خارجة. بويع أبو العباس السفاح بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلون من شهر ربيع شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 154الأول سنة اثنتين و ثلاثين و مائة فصعد المنبر بالكوفة فخطب فقال الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه و مه و شرفه و عظمه و اختاره لنا و أيده بنا و جعلنا أهله و كهفه و حصنه و القوام به و الذابين عنه و الناصرين له و خصنا برحم رسول الله ص و أنبتنا من شجرته و اشتقنا من نبعته و أنزل بذلك كتابا يتلى فقال سبحانه قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فلما قبض رسول الله ص قام بالأمر أصحابه وَ(8/136)
أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ فعدلوا و خرجوا خماصا ثم وثب بنو حرب و بنو مروان فابتزوها و تداولوها و استأثروا بها و ظلموا أهلها فأملى الله لهم حينا فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا و رد علينا حقنا فأنا السفاح المبيح و الثائر المبير. و كان موعوكا فاشتدت عليه الوعكة فجلس على المنبر و لم يستطع الكلام فقام عمه داود بن علي و كان بين يديه فقال يا أهل العراق إنا و الله ما خرجنا لنحفر نهرا و لا لنكنز لجينا و لا عقيانا و إنما أخرجتنا الأنفة من ابتزاز الظالمين حقنا و لقد كانت أموركم تتصل بنا فترمضنا و نحن على فرشنا لكم ذمة الله و ذمة رسوله و ذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله و نعمل فيكم بكتاب الله و نسير فيكم بسنة رسول الله ص و اعلموا أن هذا الأمر ليس بخارج عنا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم.(8/137)