قال أبو الفرج و روى ابن المعتز في قصة سديف مثل ما ذكرناه من قبل إلا أنه قال فيها فلما أنشده ذلك التفت إليه أبو الغمر سليمان بن هشام فقال يا ماص بظر أمه أ تجبهنا بمثل هذا و نحن سروات الناس فغضب أبو العباس و كان سليمان بن هشام صديقه قديما و حديثا يقضي حوائجه في أيامهم و يبره فلم يلتفت إلى ذلك و صاح بالخراسانية خذوهم فقتلوهم جميعا إلا سليمان بن هشام فأقبل عليه أبو العباس فقال يا أبا الغمر ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا قال لا و الله قال فاقتلوه و كان إلى جنبه فقتل و صلبوا في بستانه حتى تأذى جلساؤه بريحهم فكلموه في ذلك فقال و الله إن ريحهم عندي لألذ و أطيب من ريح المسك و العنبر غيظا عليهم و حنقا. قال أبو الفرج و كان أبو سعيد مولى فائد من مواليهم يعد في موالي عثمان بن عفان و اسم أبي سعيد إبراهيم و هو من شعرائهم الذين رثوهم و بكوا على دولتهم و أيامهم فمن شعره بعد زوال أمرهم شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 14بكيت و ما ذا يرد البكاء و قل البكاء لقتلى كداءأصيبوا معا فتولوا معا كذلك كانوا معا في رخاءبكت لهم الأرض من بعدهم و ناحت عليهم نجوم السماءو كانوا ضياء فلما انقضى الزمان بقومي تولى الضياء
و من شعره فيهم
أثر الدهر في رجالي فقلوا بعد جمع فراح عظمي مهيضاما تذكرتهم فتملك عيني فيض دمع و حق لي أن تفيضا
و من شعره فيهم
أولئك قومي بعد عز و ثروة تداعوا فإلا تذرف العين أكمدكأنهم لأناس للموت غيرهم و إن كان فيهم منصفا غير معتد
و قال أبو الفرج ركب المأمون بدمشق يتصيد حتى بلغ جبل الثلج فوقف في بعض الطريق على بركة عظيمة في جوانبها أربع سروات لم ير أحسن منها فنزل هناك و جعل ينظر إلى آثار بني أمية و يعجب منها و يذكرهم ثم دعا بطبق عليه طعام فأكل و أمر علوية فغنى
أولئك قومي بعد عز و منعة تفانوا فإلا تذرف العين أكمد(8/128)
و كان علوية من موالي بني أمية فغضب المأمون و قال يا ابن الفاعلة أ لم يكن لك وقت تبكي فيه على قومك إلا هذا الوقت قال كيف لا أبكي عليهم و مولاكم زرياب كان في أيام دولتهم يركب معهم في مائة غلام و أنا مولاهم معكم أموت جوعا فقام المأمون شرح نهج البلاغة ج : 7 : 146فركب و انصرف الناس و غضب على علوية عشرين يوما و كلم فيه فرضي عنه و وصله بعشرين ألف درهم. لما ضرب عبد الله بن علي أعناق بني أمية قال له قائل من أصحابه هذا و الله جهد البلاء فقال عبد الله كلا ما هذا و شرطة حجام إلا سواء إنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع. خطب سليمان بن علي لما قتل بني أمية بالبصرة فقال وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ قضاء فصل و قول مبرم فالحمد لله الذي صدق عبده و أنجز وعده و بعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا و الدين هزوا و الفي ء إرثا و القرآن عضين لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون و كأين ترى لهم من بئر معطلة و قصر مشيد ذلك بما قدمت أيديهم و ما ربك بظلام للعبيد أمهلهم حتى اضطهدوا العترة و نبذوا السنة و استفتحوا و خاب كل جبار عنيد ثم أخذهم فهل تحس منهم منأحد أو تسمع لهم ركزا. ضرب الوليد بن عبد الملك علي بن عبد الله بن العباس بالسياط و شهره بين الناس يدار به على بعير و وجهه مما يلي ذنب البعير و صائح يصيح أمامه هذا علي بن عبد الله الكذاب فقال له قائل و هو على تلك الحال ما الذي نسبوك إليه من الكذب يا أبا محمد قال بلغهم قولي إن هذا الأمر سيكون في ولدي و الله ليكونن فيهم شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 147حتى يملكه عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه الذين كان وجوههم المجان المطرقة. و روي أن علي بن عبد الله دخل على هشام و معه ابنا ابنه الخليفتان أبو العباس و أبو جعفركلمه فيما أراد ثم ولى فقال هشام إن هذا الشيخ قد خرف و أهتر يقول إن(8/129)
هذا الأمر سينتقل إلى ولده فسمع علي بن عبد الله كلامه فالتفت إليه و قال إي و الله ليكونن ذلك و ليملكن هذان. و قد روى أبو العباس المبرد في كتاب الكامل هذا الحديث فقال دخل علي بن عبد الله بن العباس على سليمان بن عبد الملك فيما رواه محمد بن شجاع البلخي و معه ابنا ابنه الخليفتان بعد أبو العباس و أبو جعفر فأوسع له على سريره و بره و سأله عن حاجته فقال ثلاثون ألف درهم علي دين فأمر بقضائها قال و استوص بابني هذين خيرا ففعل فشكره علي بن عبد الله و قال وصلتك رحم فلما ولى قال سليمان لأصحابه إن هذا الشيخ قد اختل و أسن و خلط و صار يقول إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده فسمع ذلك علي بن عبد الله فالتفت إليه و قال إي و الله ليكونن ذلك و ليملكن هذان. قال أبو العباس المبرد و في هذه الرواية غلط لأن الخليفة في ذلك الوقت لم يكن سليمان و إنما ينبغي أن يكون دخل على هشام لأن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كان يحاول التزويج في بني الحارث بن كعب و لم يكن سليمان بن عبد الملك يأذن له فلما قام عمر بن عبد العزيز جاء فقال إني أردت أن أتزوج ابنة خالي من بني الحارث شرح نهج البلة ج : 7 ص : 148بن كعب فتأذن لي فقال عمر بن عبد العزيز تزوج يرحمك الله من أحببت فتزوجها فأولدها أبا العباس السفاح و عمر بن عبد العزيز بعد سليمان و أبو العباس ينبغي ألا يكون تهيأ لمثله أن يدخل على خليفة حتى يترعرع و لا يتم مثل هذا إلا في أيام هشام بن عبد الملك.(8/130)
قال أبو العباس المبرد و قد جاءت الرواية أن أمير المؤمنين عليا ع لما ولد لعبد الله بن العباس مولود فقده وقت صلاة الظهر فقال ما بال ابن العباس لم يحضر قالوا ولد له ولد ذكر يا أمير المؤمنين قال فامضوا بنا إليه فأتاه فقال له شكرت الواهب و بورك لك في الموهوب ما سميته فقال يا أمير المؤمنين أ و يجوز لي أن أسميه حتى تسميه فقال أخرجه إلي فأخرجه فأخذه فحنكه و دعا له ثم رده إليه و قال خذ إليك أبا الأملاك قد سميته عليا و كنيته أبا الحسن
قال فلما قدم معاوية خليفة قال لعبد الله بن العباس لا أجمع لك بين الاسم و الكنية قد كنيته أبا محمد فجرت عليه. قلت سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى فقلت له من أي طريق عرف بنو أمية أن الأمر سينتقل عنهم و أنه سيليه بنو هاشم و أول من يلي منهم يكون اسمه عبد الله و لم منعوهم عن مناكحة بني الحارث بن كعب لعلمهم أن أول من يلي الأمر من بني هاشم تكون أمه حارثية و بأي طريق عرف بنو هاشم أن الأمر سيصير إليهم و يملكه عبيد أولادهم حتى عرفوا صاحب الأمر بعينه كما قد جاء في هذا الخبر شرح نهج البلا ج : 7 ص : 149فقال أصل هذا كله محمد بن الحنفية ثم ابنه عبد الله المكنى أبا هاشم. قلت له أ فكان محمد بن الحنفية مخصوصا من أمير المؤمنين ع بعلم يستأثر به على أخويه حسن و حسين ع قال لا و لكنهما كتما و أذاع ثم قال قد صحت الرواية عندنا عن أسلافنا و عن غيرهم من أرباب الحديث أن عليا ع لما قبض أتى محمد ابنه أخويه حسنا و حسينا ع فقال لهما أعطياني ميراثي من أبي فقالا له قد علمت أن أباك لم يترك صفراء و لا بيضاء فقال قد علمت ذلك و ليس ميراث المال أطلب إنما أطلب ميراث العلم.
قال أبو جعفر رحمه الله تعالى فروى أبان بن عثمان عمن يروي له ذلك عن جعفر بن محمد ع قال فدفعا إليه صحيفة لو أطلعاه على أكثر منها لهلك فيها ذكر دولة بني العباس(8/131)
قال أبو جعفر و قد روى أبو الحسن علي بن محمد النوفلي قال حدثني عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس قال لما أردنا الهرب من مروان بن محمد لما قبض على إبراهيم الإمام جعلنا نسخة الصحيفة التي دفعها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و هي التي كان آباؤنا يسمونها صحيفة الدولة في صندوق من نحاس صغير ثم دفناه تحت زيتونات بالشراة لم يكن بالشراة من الزيتون غيرهن فلما أفضى السلطان إلينا و ملكنا الأمر أرسلنا إلى ذلك الموضع فبحث و حفر فلم يوجد فيه شي ء فأمرنا بحفر جريب من الأرض في ذلك الموضع حى بلغ الحفر الماء و لم نجد شيئا. قال أبو جعفر و قد كان محمد بن الحنفية صرح بالأمر لعبد الله بن العباس و عرفه تفصيله و لم يكن أمير المؤمنين ع قد فصل لعبد الله بن العباس الأمر و إنما أخبره به شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 150مجملا كقوله في هذا الخبر خذ إليك أبا الأملاك و نحو ذلك مما كان يعرض له به و لكن الذي كشف القناع و أبرز المستور عليه هو محمد بن الحنفية. و كذلك أيضا ما وصل إلى بني أمية من علم هذا الأمر فإنه وصل من جهة محمد بن الحنفية و أطلعهملى السر الذي علمه و لكن لم يكشف لهم كشفه لبني العباس فإن كشفه الأمر لبني العباس كان أكمل. قال أبو جعفر فأما أبو هاشم فإنه قد كان أفضى بالأمر إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و أطلعه عليه و أوضحه له فلما حضرته الوفاة عقيب انصرافه من عند الوليد بن عبد الملك مر بالشراة و هو مريض و محمد بن علي بها فدفع إليه كتبه و جعله وصيه و أمر الشيعة بالاختلاف إليه. قال أبو جعفر و حضر وفاة أبي هاشم ثلاثة نفر من بني هاشم محمد بن علي هذا و معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فلما مات خرج محمد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر من عنده و كل واحد منهما يدعي وصايته فأما عبد الله بن الحارث فلم يقل شيئا.(8/132)