إلى اصطناعك و تقريبك فإن استطعت أن تسعى لتنفعني في حياتي و إلا فلن تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي فقال عبد الحميد إن الذي أشرت به هو أنفع الأمرين لي و أقبحهما بي و ما عندي إلا الصبر معك حتى يفتح الله لك أو أقتل بين يديك ثم أنشد
أسر وفاء ثم أظهر غدرة فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
فثبت على حاله و لم يصر إلى بني هاشم حتى قتل مروان ثم قتل هو بعده صبرا. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 133و قال إسماعيل بن عبد الله القسري دعاني مروان و قد انتهت به الهزيمة إلى حران فقال يا أبا هاشم و ما كان يكنيني قبلها قد ترى ما جاء من الأمر و أنت الموثوق به لا عطر بعد عروس ما الرأي عندك فقلت يا أمير المؤمنين علام أجمعت قال ارتحل بموالي و من تبعني حتى آتي الدرب و أميل إلى بعض مدن الروم فأنزلها و أكاتب ملك الروم و أستوثق منه فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الأعاجم و ليس هذا عارا على الملوك فلا يزال يأتيني من الأصحاب الخائف و الهارب و الطامع فيكثر من معي و لا أزال على ذلك حتى يكشف الله أمري و ينصرني على عدوي فلما رأيت ما أجمع عليه من ذلك و كان الرأي و رأيت آثاره في قومه من نزار و عصبيته على قومي من قحطان غششته فقلت أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأي أن تحكم أهل الشرك في بناتك و حرمك و هم الروم لا وفاء لهم و لا يدرى ما تأتي به الأيام و إن حدث عليك حدث من أرض النصرانية و لا يحدثن الله عليك إلا خيرا ضاع من بعدك و لكن اقطع الفرات و استنفر الشام جندا جندا فإنك في كنف و عدة و لك في كل جند صنائع و أصحاب إلى أن تأتي مصر فهي أكثر أرض الله مالا و خيلا و رجالا و الشام أمامك و إفريقية خلفك فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام و إن كانت الأخرى مضيت إلى إفريقية فقال صدقت و أستخير الله فقطع الفرات و الله ما قطعه معه من قيس إلا رجلان ابن حديد السلمي و كان أخاه من الرضاعة و الكوثر بن الأسود الغنوي و غدر به سائر النزارية مع(8/118)


تعصبه لهم فلما اجتاز ببلاد قنسرين و خناصرة أوقعوا بساقته و وثب به أهل حمص و صار إلى دمشق فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشي ثم العقيلي ثم أتى الأردن فوثب به هاشم بن عمرو التميمي ثم مر بفلسطين فوثب به أهلها و علم مروان أن إسماعيل بن عبد الله قد غشه في الرأي و لم يمحضه النصيحة و أنه فرط في مشورته إياه شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 134إذ شاور رجلا من قحطان موتورا شانئا له و إن الرأي كان أول الذي هم به من قطع الدرب و النزول ببعض مدن الروم و مكاتبته ملكها و لله أمر هو بالغ لما نزل مروان بالزاب جرد من رجاله ممن اختاره من أهل الشام و الجزيرة و غيرها مائة ألف فارس على مائة ألف قارح ثم نظر إليهم و قال إنها لعدة و لا تنفع العدة إذا انقضت المدة. لما أشرف عبد الله بن علي يوم الزاب في المسودة و في أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت و قد جعل لها بدلا من القنا خشب الصفصاف و الغرب قال مروان لمن قرب منه أ ما ترون رماحهم كأنها النخل غلظا أ ما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع الغمام السود فبينما هو ينظرها و يعجب إذ طارت قطعة عظيمة من الغربان السود فنزلت على أول عسكر عبد الله بن علي و اتصل سوادها بسواد تلك الرايات و البنود و مروان ينظر فازداد تعجبه و قال أ ما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد حتى صار الكل كالسحب السود المتكاثفة ثم أقبل على رجل إلى جنبه فقال أ لا تعرفني من صاحب جيشهم فقال عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب قال ويحك أ من ولد العباس هو قال نعم قال و الله لوددت أن علي بن أبي طالب ع مكانه في هذا الصف قال يا أمير المؤمنين أ تقول هذا لعلي مع شجاعته التي ملأ الدنيا ذكرها قال ويحك إن عليا مع شجاعته صاحب دين و إن الدين غير الملك و إنا نروي عن قديمنا أنه لا شي ء لعلي و لا لولده في هذا ثم قال من هو من ولد العباس شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 135فإني لا أثبت(8/119)


شخصه قال هو الرجل الذي كان يخاصم بين يديك عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فقال أذكرني صورته و حليته قال هو الرجل الأقنى الحديد العضل المعروق الوجه الخفيف اللحية الفصيح اللسان الذي قلت لما سمعت كلامه يومئذرزق الله البيان من يشاء فقال و إنه لهو قال نعم فقال إنا لله و إنا إليه راجعون أ تعلم لم صيرت الأمر بعدي لولدي عبد الله و ابني محمد أكبر سنا منه قال لا قال إن آباءنا أخبرونا أن الأمر صائر بعدي إلى رجل اسمه عبد الله فوليته دونه. ثم بعث مروان بعد أن حدث صاحبه بهذا الحديث إلى عبد الله بن علي سرا فقال يا ابن عم إن هذا الأمر صائر إليك فاتق الله و احفظني في حرمي فبعث إليه عبد الله أن الحق لنا في دمك و أن الحق علينا في حرمك. قلت إن مروان ظن أن الخلافة تكون لعبد الله بن علي لأن اسمه عبد الله و لم يعلم أنها تكون لآخر اسمه عبد الله و هو أبو العباس السفاح. كان العلاء بن رافع سبط ذي الكلاع الحميري مؤنسا لسليمان بن هشام بن عبد الملك لا يكاد يفارقه و كان أمر المسودة بخراسان قد ظهر و دنوا من العراق و اشتد إرجاف الناس و نطق العدو بما أحب في بني أمية و أوليائهم. قال العلاء فإني لمع سليمان و هو يشرب تجاه رصافة أبيه و ذلك في آخر أيام يزيد الناقص و عنده الحكم الوادي و هو يغنيه بشعر العرجي
إن الحبيب تروحت أجماله أصلا فدمعك دائم إسباله فاقن الحياء فقد بكيت بعولة لو كان ينفع باكيا إعواله شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 136يا حبذا تلك الحمول و حبذا شخص هناك و حبذا أمثالفأجاد ما شاء و شرب سليمان بن هشام بالرطل و شربنا معه حتى توسدنا أيدينا فلم أنتبه إلا بتحريك سليمان إياي فقمت مسرعا و قلت ما شأن الأمير فقال على رسلك رأيت كأني في مسجد دمشق و كأن رجلا على يده حجر و على رأسه تاج أرى بصيص ما فيه من الجوهر و هو رافع صوته بهذا الشعر(8/120)


أ بني أمية قد دنا تشتيتكم و ذهاب ملككم و ليس براجع و ينال صفوته عدو ظالم كأسا لكم بسمام موت ناقعفقلت أعيذ الأمير بالله وساوس الشيطان الرجيم هذا من أضغاث الأحلام و مما يقتضيه و يجلبه الفكر و سماع الأراجيف فقال الأمر كما قلت لك ثم وجم ساعة و قال يا حميري بعيد ما يأتي به الزمان قريب قال العلاء فو الله ما اجتمعنا على شراب بعد ذلك اليوم. سئل بعض شيوخ بني أمية عقيب زوال الملك عنهم ما كان سبب زوال ملككم فقال جار عمالنا على رعيتنا فتمنوا الراحة منا و تحومل على أهل خراجنا فجلوا عنا و خربت ضياعنا فخلت بيوت أموالنا و وثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا و أمضوا أمورا دوننا أخفوا علمها عنا و تأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا و استدعاهم عدونا فظافروه على حربنا و طلبنا أعداءنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا و كان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا. كان سعيد بن عمر بن جعدة بن هبيرة المخزومي أحد وزراء مروان و سماره فلما ظهر شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 137أمر أبالعباس السفاح انحاز إلى بني هاشم و مت إليهم بأم هانئ بنت أبي طالب و كانت تحت هبيرة بن أبي وهب فأتت منه بجعدة فصار من خواص السفاح و بطانته فجلس السفاح يوما و أمر بإحضار رأس مروان و هو بالحيرة يومئذ ثم قال للحاضرين أيكم يعرف هذا فقال سعيد أنا أعرفه هذا رأس أبي عبد الملك مروان بن محمد بن مروان خليفتنا بالأمس رحمه الله تعالى قال سعيد فحدقت إلي الشيعة و رمتني بأبصارها فقال لي أبو العباس في أي سنة كان مولده قلت سنة ست و سبعين فقام و قد تغير لونه غضبا علي و تفرق الناس من المجلس و تحدثوا به فقلت زلة و الله لا تستقال و لا ينساها القوم أبدا فأتيت منزلي فلم أزل باقي يومي أعهد و أوصي فلما كان الليل اغتسلت و تهيأت للصلاة و كان أبو العباس إذا هم بأمر بعث فيه ليلا فلم أزل ساهرا حتى أصبحت و ركبت بغلتي و أفكرت فيمن أقصد في أمري فلم أجد أحدا(8/121)


أولى من سليمان بن مجالد مولى بني زهرة و كانت له من أبي العباس منزلة عظيمة و كان من شيعة القوم فأتيته فقلت له أ ذكرني أمير المؤمنين البارحة قال نعم جرى ذكرك فقال هو ابن أختنا وفي لصاحبه و نحن لو أوليناه خيرا لكان لنا أشكر فشكرت لسليمان بن مجالد ما أخبرني به و جزيته خيرا و انصرفت فلم أزل من أبي العباس على ما كنت عليه لا أرى منه إلا خيرا. و إنما ذلك المجلس إلى عبد الله بن علي و إلى أبي جعفر المنصور فأما عبد الله بن علي فكتب إلى أبي العباس يغريه بي و يعاتبه على الإمساك عني و يقول له إنه ليس مثل هذا مما يحتمل و كتب إليه أبو جعفر يعذر لي و ضرب الدهر ضربه فأتى ذات يوم عند أبي العباس فنهض و نهضت فقال لي على رسلك يا ابن هبيرة فجلست فرفع الستر و دخل و ثبت في مجلسه قليلا ثم خرج في ثوبي وشي و رداء و جبة فما رأيت و الله أحسن منه و لا مما عليه قط فقال لي يا ابن هبيرة إني ذاكر لك أمرا فلا(8/122)

75 / 149
ع
En
A+
A-