أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس بالصدور المقدمين قديما و البحور القماقم الرؤاس يا إمام المطهرين من الذم و يا رأس منتهى كل رأس أنت مهدي هاشم و فتاها كم أناس رجوك بعد أناس لا تقيلن عبد شمس عثارا و اقطعن كل رقلة و غ شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 126أنزلوها بحيث أنزلها الله بدار الهوان و الإنعاس خوفها أظهر التودد منها و بها منكم كحز المواسي أقصهم أيها الخليفة و احسم عنك بالسيف شأفة الأرجاس و اذكرن مصرع الحسين و زيد و قتيلا بجانب المهراس و القتيل الذي بحران أمسى ثاويغربة و تناس فلقد ساءني و ساء سوائي قربهم من نمارق و كراسي نعم كلب الهراش مولاك شبل لو نجا من حبائل الإفلاقال فتغير لون أبي العباس و أخذه زمع و رعدة فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى آخر فيهم كان إلى جانبه فقال قتلنا و الله العبد فأقبل أبو العباس عليهم فقال يا بني الزواني لا أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا و أنتم أحياء تتلذذون في الدنيا خذوهم فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات فأهمدوا إلا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه استجار بداود بن علي و قال إن أبي لم يكن كآبائهم شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 127و قد علمت صنيعته إليكم فأجاره و استوهبه من السفاح و قال له قد علمت صنيع أبيه إلينا فوهبه له و قال لا يني وجهه و ليكن بحيث نأمنه و كتب إلى عماله في الآفاق بقتل بني أمية. فأما أبو العباس المبرد فإنه روى في الكامل هذا الشعر على غير هذا الوجه و لم ينسبه إلى سديف بل إلى شبل مولى بني هاشم. قال أبو العباس دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي و قد أجلس ثمانين من بني أمية على سمط الطعام فأنشده(8/113)
أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس طلبوا وتر هاشم و شفوها بعد ميل من الزمان و يأس لا تقيلن عبد شمس عثارا و اقطعن كل رقلة و أواسي ذلها أظهر التودد منها و بها منكم كحز المواسي و لقد غاظني و غاظ سوائي قربها من نمارق و كراسي أنزلوها بحيث أنزلهه بدار الهوان و الإنعاس و اذكرا مصرع الحسين و زيد و قتلا بجانب المهراس و القتيل الذي بحران أضحى ثاويا بين غربة و تناس نعم شبل الهراش مولاك شبل لو نجا من حبائل الإفلفأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد و بسطت البسط عليهم و جلس عليها و دعا شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 128بالطعام و إنه ليسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا و قال لشبل لو لا أنك خلطت شعرك بالمسألة لأغنمتك أموالهم و لعقدت لك على جميع موالي بني هاشم. قال أبو العباس اللة النخلة الطويلة و الأواسي جمع آسية و هي أصل البناء كالأساس و قتيل المهراس حمزة ع و المهراس ماء بأحد و قتيل حران إبراهيم الإمام. قال أبو العباس فأما سديف فإنه لم يقم هذا المقام و إنما قام مقاما آخر دخل على أبي العباس السفاح و عنده سليمان بن هشام بن عبد الملك و قد أعطاه يده فقبلها و أدناه فأقبل على السفاح و قال له
لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داء دويافضع السيف و ارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا
فقال سليمان ما لي و لك أيها الشيخ قتلتني قتلك الله فقام أبو العباس فدخل و إذا المنديل قد ألقي في عنق سليمان ثم جر فقتل. فأما سليمان بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فقتل بالبلقاء و حمل رأسه إلى عبد الله بن علي
أخبار متفرقة في انتقال الملك من بني أمية إلى بني العباس(8/114)
و ذكر صاحب مروج الذهب أنه أرسل عبد الله أخاه صالح بن علي و معه عامر بن إسماعيل أحد الشيعة الخراسانية إلى مصر فلحقوا مروان ببوصير فقتلوه و قتلوا كل من كان معه من أهله و بطانته و هجموا على الكنيسة التي فيها بناته و نساؤه فوجدوا خادما بيده سيف مشهور يسابقهم على الدخول فأخذوه و سألوه عن أمره فقال إن شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 129أمير المؤمنين أمرني إن هو قتل أن أقتل بناته و نساءه كلهن قبل أن تصلوا إليهن فأرادوا قتله فقال لا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني فقدتم ميراث رسول الله ص فقالوا و ما هو فأخرجهم من القرية إلى بان من الرمل فقال اكشفوا هاهنا فإذا البردة و القضيب و قعب مخضب قد دفنها مروان ضنا بها أن تصير إلى بني هاشم فوجه به عامر بن إسماعيل إلى صالح بن علي فوجه به صالح إلى أخيه عبد الله فوجه به عبد الله إلى أبي العباس و تداوله خلفاء بني العباس من بعد. و أدخل بنات مروان و حرمه و نساؤه على صالح بن علي فتكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت يا عم أمير المؤمنين حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه و أسعدك في أحوالك كلها و عمك بخواص نعمه و شملك بالعافية في الدنيا و الآخرة نحن بناتك و بنات أخيك و ابن عمك فليسعنا من عدلكم ما وسعنا من جوركم قال إذا لا نستبقي منكم أحدا لأنكم قد قتلتم إبراهيم الإمام و زيد بن علي و يحيى بن زيد و مسلم بن عقيل و قتلتم خير أهل الأرض حسينا و إخوته و بنيه و أهل بيته و سقتم نساءه سبايا كما يساق ذراري الروم على الأقتاب إلى الشام فقال يا عم أمير المؤمنين فليسعنا عفوكم إذا قال أما هذا فنعم و إن أحببت زوجتك من ابني الفضل بن صالح قالت يا عم أمير المؤمنين و أي ساعة عرس ترى بل تلحقنا بحران فحملهن إلى حران. كان عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة الفهري عامل إفريقية لمروان فلما حدثت الحادثة هرب عبد الله و العاص ابنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك إليه فاعتصما به فخاف شرح نهج البلاغة ج : 7 ص :(8/115)
130على نفسه منهما و رأى ميل الناس إليهما فقتلهما و كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك يريد أن يقصده و يلتجئ إليه فلما علم ما جرى لابني الوليد بن يزيد خاف منه فقطع المجاز بين إفريقيو الأندلس و ركب البحر حتى حصل بالأندلس فالأمراء الذين ولوها كانوا من ولده. ثم زال أمرهم و دولتهم على أيدي بني هاشم أيضا و هم بنو حمود الحسنيون من ولد إدريس بن الحسن ع. لما قتل عامر بن إسماعيل مروان ببوصير و احتوى على عسكره دخل إلى الكنيسة التي كان فيها فقعد على فراشه و أكل من طعامه فقالت له ابنة مروان الكبرى و تعرف بأم مروان يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه حتى أقعدك عليها تأكل من طعامه ليلة قتله محتويا على أمره حاكما في ملكه و حرمه و أهله لقادر أن يغير ذلك فأنهي هذا الكلام إلى أبي العباس السفاح فاستهجن ما فعله عامر بن إسماعيل و كتب إليه أ ما كان لك في أدب الله ما يزجرك أن تقعد في مثل تلك الساعة على مهاد مروان و تأكل من طعامه أما و الله لو لا أن أمير المؤمنين أنزل ما فعلته على غير اعتقاد منك لذلك و لا نهم على طعام لمسك من غضبه و أليم أدبه ما يكون لك زاجرا و لغيرك واعظا فإذا أتاك كتاب أمير المؤمنين فتقرب إلى الله بصدقة تطفئ بها غضبه و صلاة تظهر فيها الخشوع و الاستكانة له و صم ثلاثة أيام و تب إلى الله من جميع ما يسخطه و يغضبه و مر جميع أصحابك أن يصوموا مثل صيامك. و لما أتي أبو العباس برأس مروان سجد فأطال ثم رفع رأسه و قال الحمد لله الذي شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 131لم يبق ثأرنا قبلك و قبل رهطك الحمد لله الذي أظفرنا بك و أظهرنا عليك ما أبالي متى طرقني الموت و قد قتلت بالحسين ع ألفا من بني أمية و أحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي كما أحرقوا شلوه و تمثللو يشربون دمي لم يرو شاربهم و لا دماؤهم جمعا ترويني
ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد ثانية ثم جلس فتمثل(8/116)
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت قواطع في أيماننا تقطر الدماإذا خالطت هام الرجال تركتها كبيض نعام في الثرى قد تحطما
ثم قال أما مروان فقتلناه بأخي إبراهيم و قتلنا سائر بني أمية بحسين و من قتل معه و بعده من بني عمنا أبي طالب. و روى المسعودي في كتاب مروج الذهب عن الهيثم بن عدي قال حدثني عمرو بن هانئ الطائي قال خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني أمية في أيام أبي العباس السفاح فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحا ما فقدنا منه إلا عرنين أنفه فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطا ثم أحرقه و استخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئا إلا صلبه و رأسه و أضلاعه فأحرقناه و فعلنا مثل ذلك بغيرهما من بني أمية و كانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلا و لا كثيرا و احتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شئون رأسه ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فلم نجد منه إلا عظما واحدا و وجدنا شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 132من مع نحره إلى قدمه خطا واحدا أسود كأنما خط بالرماد في طول لحده و تتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم. قلت قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي بن عبد الله في سنة خمس و ستمائة و قلت له أما إحراق هشام بإحراق زيد فمفهوم فما معنى جلده ثمانين سوطا فقال رحمه الله تعالى أظن عبد الله بن علي ذهب في ذلك إلى حد القذف لأنه يقال إنه قال لزيد يا ابن الزانية لما سب أخاه محمدا الباقر ع فسبه زيد و قال له سماه رسول الله ص الباقر و تسميه أنت البقرة لشد ما اختلفتما و لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة و ترد النار. و هذا استنباط لطيف. قال مروان لكاتبه عبد الحميد بن يحيى حين أيقن بزوال ملكه قد احتجت إلى أن تصير مع عدوي و تظهر الغدر بي فإن إعجابهم ببلاغتك و حاجتهم إلى كتابتك تدعوهم(8/117)