قال الرضي رحمه الله تعالى و قد تقدم مختار هذه الخطبة إلا أنني وجدتها في هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة و نقصان فأوجبت الحال إثباتها ثانية
لقائل أن يقول أ لم يكن في العرب نبي قبل محمد و هو خالد بن سنان العبسي و أيضا فقد كان فيها هود و صالح و شعيب. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 115و نجيب هذا القائل بأن مراده ع أنه لم يكن في زمان محمد ص و ما قاربه من ادعى النبوة فأما هود و صالح و شعيب فكانوا في د قديم جدا و أما خالد بن سنان فلم يقرأ كتابا و لا يدعي شريعة و إنما كانت نبوة مشابهة لنبوة جماعة من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يكن لهم كتب و لا شرائع و إنما ينهون عن الشرك و يأمرون بالتوحيد. و منجاتهم نجاتهم نجوت من كذا نجاء ممدود و نجا مقصور و منجاة على مفعله و منه قولهم الصدق منجاة. قوله ع و يبادر بهم الساعة كأنه كان يخاف أن تسبقه القيامة فهو يبادرها بهدايتهم و إرشادهم قبل أن تقوم و هم على ضلالهم. و الحسير المعيا حسر البعير بالفتح يحسر بالكسر حسورا و استحسر مثله و حسرته أنا يتعدى و لا يتعدى حسرا فهو حسير و يجوز أحسرته بالهمزة و الجمع حسرى مثل قتيل و قتلى و منه حسر البصر أي كل يحسر قال تعالى يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ و هذا الكلام من باب الاستعارة و المجاز يقول ع كان النبي ص لحرصه على الإسلام و إشفاقه على المسلمين و رأفته بهم يلاحظ حال من تزلزل اعتقاده أو عرضت له شبهة أو حدث عنده ريب و لا يزال يوضح له و يرشده حتى يزيل ما خامر سره من وساوس الشيطان و يلحقه بالمخلصين من المؤمنين و لم يكن ليقصر في مراعاة أحد من المكلفين في هذا المعنى إلا من كان يعلم أنه لا خير فيه أصلا لعناده و إصراره على الباطل و مكابرته للحق. و معنى قوله حتى يلحقه غايته حتى يوصله إلى الغاية التي هي الغرض بالتكليف يعني اعتقاد الحق و سكون النفس إلى الإسلام و هو أيضا معنى قوله و بوأهم(8/103)
محلتهم.
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 116و معنى قوله فاستدارت رحاهم انتظم أمرهم لأن الرحى إنما تدور إذا تكاملت أدواتها و آلاتها كلها و هو أيضا معنى قوله و استقامت قناتهم و كل هذا من باب الاستعارة. ثم أقسم أنه ع كان من ساقتها الساقة جمع سائق كقادة جمع قائد و حاكة جمحائك و هذا الضمير المؤنث يرجع إلى غير مذكور لفظا و المراد الجاهلية كأنه جعلها مثل كتيبة مصادمة لكتيبة الإسلام و جعل نفسه من الحاملين عليها بسيفه حتى فرت و أدبرت و أتبعها يسوقها سوقا و هي مولية بين يديه. حتى أدبرت بحذافيرها أي كلها عن آخرها. ثم أتى بضمير آخر إلى غير مذكور لفظا و هو قوله و استوسقت في قيادها يعني الملة الإسلامية أو الدعوة أو ما يجري هذا المجرى و استوسقت اجتمعت يقول لما ولت تلك الدعوة الجاهلية استوسقت هذه في قيادها كما تستوسق الإبل المقودة إلى أعطانها و يجوز أن يعود هذا الضمير الثاني إلى المذكور الأول و هو الجاهلية أي ولت بحذافيرها و اجتمعت كلها تحت ذل المقادة. ثم أقسم أنه ما ضعف يومئذ و لا وهن و لا جبن و لا خان و ليبقرن الباطل الآن حتى يخرج الحق من خاصرته كأنه جعل الباطل كالشي ء المشتمل على الحق غالبا عليه و محيطا به فإذا بقر ظهر الحق الكامن فه و قد تقدم منا شرح ذلك(8/104)
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 104117- و من خطبة له عحَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً ص شَهِيداً وَ بَشِيراً وَ نَذِيراً خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلًا وَ أَنْجَبَهَا كَهْلًا وَ أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً وَ أَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا وَ لَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلَافِهَا إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ صَادَفْتُمُوهَا جَائِلًا خِطَامُهَا قَلِقاً وَضِينُهَا قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ وَ حَلَالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وَ صَادَفْتُمُوهَا وَ اللَّهِ ظِلًّا مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وَ أَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ وَ أَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ وَ سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ أَلَا وَ إِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَ إِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَ لَا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَ فِي دَارِ عَدُوِّكُمْ
معنى كون النبي ص شهيدا أنه يشهد على الأمة بما فعلته من طاعة و عصيان أنجبها أكرمها و رجل نجيب أي كريم بين النجابة و النجبة مثل الهمزة. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 118و يقال هو نجبة القوم أي النجيب منهم و أنجب الرجل أي ولد ولدا نجيبا و امرأة منجبة و منجاب تلالنجباء و نسوة مناجيب. و الشيمة الخلق و الديمة مطر يدوم و المستمطرون المستجدون و المستماحون و احلولت حلت و قد عداه حميد بن ثور في قوله
فلما أتى عامان بعد انفصاله عن الضرع و احلولى دماثا يرودها(8/105)
و لم يجئ افعوعل متعديا إلا هذا الحرف و حرف آخر و هو اعروريت الفرس و هو الرضاع بفتح الراء رضع الصبي أمه بكسر الضاد يرضعها رضاعا مثل سمع يسمع سماعا و أهل نجد يقولون رضع بالفتح يرضع بالكسر مثل ضرب يضرب ضربا و قال الأصمعي أخبرني عيسى بن عمر أنه سمع العرب تنشد هذا البيت
و ذموا لنا الدنيا و هم يرضعونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعل
بكسر الضاد و الأخلاف للناقة بمنزلة الأطباء للكلبة واحدها خلف بالكسر و هو حلمة الضرع و الخطام زمام الناقة خطمت البعير زممته و ناقة مخطومة و نوق مخطمة. و الوضين للهودج بمنزلة البطان للقتب و التصدير للرحل و الحزام للسرج و هو سيور تنسج مضاعفة بعضها على بعض يشد بها الهودج منه إلى بطن البعير و الجمع وضن. و المخضود الذي خضد شوكة أي قطع. و شاغرة خالية شغر المكان أي خلا و بلدة شاغرة إذا لم تمتنع من غارة أحد و الثائر طالب الثأر لا يبقى على شي ء حتى يدرك ثأره. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 119يقول ع مخاطبا لمن في عصره بقايا الصحابة و لغيرهم من التابعين الذين لم يدركوا عصر رسول الله ص إن الله بعث محمدا و هو أكرم الناس شيمة و أنداهم يدا و خيرهم طفلا و أنجبهم كهلا فصانه الله تعالى في أيام حياته عن أن يفتح عليه الدنيا و أكرمه عن ذلك فلم تفتح عليكم البلاد و لا درت عليكم الأموال و لا أقبلت الدنيا نحوكم و ما دالت الدولة لكم إلا بعده فتمكنتم من أكلها و التمتع بها كما يتمكن الحالب من احتلاب الناقة فيحلبها و حلت لذاتها لكم و استطبتم العيشة و وجدتموها حلوة خضرة. ثم ذكر أنهم صادفوها يعني الدنيا و قد صعبت على من يليها ولاية حق كما تستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام ليس زمامها بممكن راكبها من نفسه قلقة الوضين لا يثبت هودجها تحت الراكب حرامها سهل التناول على من يريده كالسدر الذي خضد عنه شوكه فصار ناعما أملس و حلالها غير موجود لغلبة الحرام عليه و كونه صار مغمورا مستهلكا(8/106)
بالنسبة إليه و هذا إشارة إلى ما كان يقوله دائما من استبداد الخلفاء قبله دونه بالأمر و أنه كان الأولى و الأحق. فإن قلت إذا كانت الدنيا قلقة الوضين جائلة الخطام فهي صعبة الركوب و هذا ضد قوله حرامها بمنزلة السدر المخضود لأنه من الأمثال المضروبة للسهولة قلت فحوى كلامه أن الدنيا جمحت به ع فألقته عن ظهرها بعد أن كان راكبا لها أو كالراكب لها لاستحقاقه ركوبها و أنها صارت بعده كالناقة التي خلعت زمامها أو أجالته فلا يتمكن راكبها من قبضه و استرخى وضينها لشدة ما كان صدر عنها من النفار و التقحم حتى أذرت راكبها فصارت على حال لا يركبها إلا من هو موصوف بركوب غير طبيعي لأنه ركب ما لا ينبغي أن يركب فالذين ولوا أمرها ولوه شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 120على غير الوجه كما أن راكب هذه الناقة يركبها على غير الوجه و لهذا لم يقل فصار حرامها بمنزلة السدر المخضود بل قال عند أقوام فخصص. و ه الكلام كله محمول عند أصحابنا على التألم من كون المتقدمين تركوا الأفضل كما قدمناه في أول الكتاب. ثم ذكر ع أن الدنيا فانية و أنها ظل ممدود إلى أجل معدود ثم ذكر أن الأرض بهؤلاء السكان فيها صورة خالية من معنى كما قال الشاعر
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم الله يعلم أني لم أقل فنداإني لأفتح عيني ثم أغمضها على كثير و لكن لا أرى أحدا(8/107)