و كان يقال من عرف قدره استراح. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 109و في الحديث المرفوع ما رفع امرؤ نفسه في الدنيا درجة إلا حطه الله تعالى في الآخرة درجات
و كان يقال من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه ثم ذكر ع أن من أبغض البشر إلى الله عبدا وكله الله إلى نفسه أي لم يمده بمعونته و ألطافه لعلمه أنه لا ينجع ذلك فيه و أنه لا ينجذب إلى الخير و الطاعة و لا يؤثر شي ء ما في تحريك دواعيه إليها فيكله الله حينئذ إلى نفس. و الجائر العادل عن السمت و لما كان هذا الشقي خابطا فيما يعتقده و يذهب إليه مستندا إلى الجهل و فساد النظر جعله كالسائر بغير دليل. و الحرث هاهنا كل ما يفعل ليثمر فائدة فحرث الدنيا كالتجارة و الزراعة و حرث الآخرة فعل الطاعات و اجتناب المقبحات و المعاصي و سمي حرثا على جهة المجاز تشبيها بحرث الأرض و هو من الألفاظ القرآنية. و كسل الرجل بكسر السين يكسل أي يتثاقل عن الأمور فهو كسلان و قوم كسالى و كسالى بالفتح و الضم. قال ع حتى كان ما عمله من أمور الدنيا هو الواجب عليه لحرصه و جده فيه و كان ما ونى عنه أي فتر فيه من أمور الآخرة ساقط عنه و غير واجب عليه لإهماله و تقصيره فيه(8/98)
وَ مِنْهَا وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لَا يَنْجُو فِيهِ إِلَّا كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَ إِنْ غَابَ شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 110لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَ أَعْلَامُ السُّرَى لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَ لَا الْمَذَِيعِ الْبُذُرِ أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَ يَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ أَيُّهَا النَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الْإِسْلَامُ كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ بِمَا فِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَ لَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ وَ قَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
قال الرضي رحمه الله تعالى أما قوله ع كل مؤمن نومة فإنما أراد به الخامل الذكر القليل الشر و المساييح جمع مسياح و هو الذي يسيح بين الناس بالفساد و النمائم و المذاييع جمع مذياع و هو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها و نوه بها و البذر جمع بذور و هو الذي يكثر سفهه و يلغو منطقه
شهد حضر و كفأت الإناء أي قلبته و كببته و قال ابن الأعرابي يجوز أكفأته أيضا و البذر جمع بذور مثل صبور و صبر و هو الذي يذيع الأسرار و ليس كما قال الرضي رحمه الله تعالى فقد يكون الإنسان بذورا و إن لم يكثر سفهه و لم يلغ منطقه بأن يكون علنة مذياعا من غير سفه و لا لغو و الضراء الشدة و مثلها البأساء و هما اسمان مؤنثان من غير تذكير و أجاز الفراء أن يجمع على آضر و أبؤس كما يجمع النعماء على أنعم. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 111و اعلم أنه قد جاء في التواضع و هضم النفس شي ء كثير و من ذل الحديث المرفوع من تواضع لله رفعه الله و من تكبر على الله وضعه
و يقال إن الله تعالى قال لموسى إنما كلمتك لأن في أخلاقك خلقا أحبه الله و هو التواضع(8/99)
و رأى محمد بن واسع ابنه يمشي الخيلاء فناداه فقال ويلك أ تمشي هذه المشية و أبوك أبوك و أمك أمك أما أمك فأمة ابتعتها بمائتي درهم و أما أبوك فلا كثر الله في الناس مثله. و مثل
قوله ع كل مؤمن نومة إن شهد لم يعرف و إن غاب لم يفتقد
قول رسول الله ص رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبر قسمه
و قال عمر لابنه عبد الله التمس الرفعة بالتواضع و الشرف بالدين و العفو من الله بالعفو عن الناس و إياك و الخيلاء فتضع من نفسك و لا تحقرن أحدا فإنك لا تدري لعل من تزدريه عيناك أقرب إلى الله وسيلة منك. و قال الأحنف عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين من فرجين كيف يتكبر و قد جاء في كلام رسول الله ص ما يناسب كلام أمير المؤمنين ع هذا
إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا و إذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة
و أما إفشاء السر و أذاعته فقد ورد فيه أيضا ما يكثر و لو لم يرد فيه إلا قوله سبحانه وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ لكفى. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 112و في الحديث المرفوع من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله مثلها من نار جهنم(8/100)
قيل في تفسيره هو أن يسعى بأخيه و يجر نفعا بسعايته. الجنيد ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت. عبد الرحمن بن عوف من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها. قال رجل لعمرو بن عبيد إن عليا الأسواري لم يزل منذ اليوم يذكرك بسوء و يقول الضال فقال عمرو يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حين نقلت إلينا حديثه و لا وفيتني حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه اعلم أن الموت يعمنا و البعث يحشرنا و القيامة تجمعنا و الله يحكم بيننا. و كان يقال من نم إليك نم عليك. و قالوا في السعاة يكفيك أن الصدق محمود إلا منهم و إن أصدقهم أخبثهم. وشي واش برجل إلى الإسكندر فقال له أ تحب أن أقبل منك ما قلت فيه على أن أقبل منه ما قال فيك قال لا قال فكف عن الشر يكف عنك. قال رجل لفيلسوف عابك فلان بكذا قال لقيتني لقحتك بما لم يلقني به لحيائه. عاب مصعب بن الزبير الأحنف عن شي ء بلغه عنه فأنكره فقال أخبرني بذلكالثقة فقال كلا أيها الأمير إن الثقة لا ينم. عرض بعض عمال الفضل بن سهل عليه رقعة ساع في طي كتاب كتبه إليه فوقع الفضل قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة و القبول إجازة و ليس من دل على قبيح كمن أجازه و عمل به فاطرد هذا الساعي عن عملك و أقصه عن بابك فإنه لو لم يكن في سعايته كاذبا لكان في صدقه لئيما إذ لم يرع الحرمة و لم يستر العورة و السلام. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 113صالح بن عبد القدوسمن يخبرك بشتم عن أخ فهو الشاتم لا من شتمك ذاك شي ء لم يواجهك به إنما اللوم على من أعلمك كيف لم ينصرك إن كان أخا ذا حفاظ عند من قد ظلطريح بن إسماعيل الثقفي
إن يعلموا الخير يخفوه و إن علموا شرا أذاعوا و إن لم يعلموا كذبوا(8/101)
و معنى قوله ع و إن غاب لم يفتقد أي لا يقال ما صنع فلان و لا أين هو أي هو خامل لا يعرف. و قوله أولئك يفتح الله بهم أبواب الرحمة و يكشف بهم ضراء النقمة و روي أولئك يفتح الله بهم أبواب رحمته و يكشف بهم ضراء نقمته أي ببركاتهم يكون الخير و يندفع الشر. ثم ذكر ع أنه سيأتي على الناس زمان تنقلب فيه الأمور الدينية إلى أضدادها و نقائضها و قد شهدنا ذلك عيانا. ثم أخبر ع أن الله لا يجور على العباد لأنه تعالى عادل و لا يظلم و لكنه يبتلي عباده أي يختبرهم ثم تلا قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ و المراد أنه تعالى إذا فسد الناس لا يلجئهم إلى الصلاح لكن يتركهم و اختيارهم امتحانا لهم فمن أحسن أثيب و من أساء عوقب
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 103114- و من خطبة له عأَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً ص وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لَا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَ لَا وَحْياً فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ وَ يُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ يَحْسِرُ الْحَسِيرُ وَ يَقِفُ الْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ إِلَّا هَالِكاً لَا خَيْرَ فِيهِ حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ وَ اسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا وَ اسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا مَا ضَعُفْتُ وَ لَا جَبُنْتُ وَ لَا خُنْتُ وَ لَا وَهَنْتُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ(8/102)