قطع الليل جمع قطع و هو الظلمة قال تعالى فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ. قوله لا تقوم لها قائمة أي لا تنهض بحربها فئة ناهضة أو لا تقوم لتلك الفتن قائمة من قوائم الخيل يعني لا سبيل إلى قتال أهلها و لا يقوم لها قلعة قائمة أو بنية قائمة بل تنهدم. قوله و لا يرد لها راية أي لا تنهزم و لا تفر لأنها إذا فرت فقد ردت على أعقابها. قوله مزمومة مرحولة أي تامة الأدوات كاملة الآلات كالناقة التي عليها رحلها و زمامها قد استعدت لأن تركب. يحفزها يدفعها و يجهدها يحمل عليها في السير فوق طاقتها جهدت دابتي بالفتح و يجوز أجهدت و المراد أن أرباب تلك الفتن يجتهدون و يجدون في إضرام نارها رجلا و فرسانا فالرجل كنى عنهم بالقائد و الفرسان كنى عنهم بالراكب. و الكلب الشدة من البرد و غيره و مثله الكلبة و قد كلب الشتاء و كلب القحط و كلب العدو و الكلب أيضا الشر دفعت عنك كلب فلان أي شره و أذاه. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 104و قوله قليل سلبهم أي همهم القتل لا السلب كما قال أبو تمامإن الأسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب(8/93)
ثم ذكر ع أن هؤلاء أرباب الفتن يجاهدهم قوم أذلة كما قال الله تعالى أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ و ذلك من صفات المؤمنين. ثم قال هم مجهولون عند أهل الأرض لخمولهم قبل هذا الجهاد و لكنهم معروفون عند أهل السماء و هذا إنذار بملحمة تجري في آخر الزمان و قد أخبر النبي ص بنحو ذلك و قد فسر هذا الفصل قوم و قالوا إنه أشار به إلى الملائكة لأنهم مجهولون في الأرض معروفون في السماء و اعتذروا عن لفظة قوم فقالوا يجوز أن يقال في الملائكة قوم كما قيل في الجن قوم قال سبحانه فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ إلا أن لفظ أذلة عند المتكبرين يبعد هذا التفسير. ثم أخبر بهلاك البصرة بجيش من نقم الله لا رهج له و لا حس الرهج الغبار و كنى بهذا الجيش عن جدب و طاعون يصيب أهلها حتى يبيدهم و الموت الأحمر كناية عن الوباء و الجوع. الأغبر كناية عن المحل و سمي الموت الأحمر لشدته و منه
الحديث كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله
و وصف الجوع بأنه أغبر لأن الجائع يرى الآفاق كأن عليها غبرة و ظلاما و فسر قوم هذا الكلام بوقعة صاحب الزنج و هو بعيد لأن جيشه كان ذا حس و رهج و لأنه أنذر البصرة بهذا الجيش عند حدوث تلك الفتن أ لا تراه قال فويل لك يا بصرة عند ذلك و لم يكن قبل خروج صاحب الزنج فتن شديدة على الصفات التي ذكرها أمير المؤمنين ع(8/94)
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 102105- و من خطبة له عانْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا الصَّادِفِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا وَ اللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ وَ تَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ لَا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ وَ لَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرُ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وَ جَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَ الْوَهْنِ فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ وَ اعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ وَ كَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآْخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ وَ كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ
الصادفين عنها أي المعرضين و امرأة صدوف التي تعرض وجهها عليك ثم تصدف عنك. و عما قليل عن قليل و ما زائدة. و الثاوي المقيم ثوى يثوي ثواء و ثويا مثل مضى يمضي مضاء و مضيا و يجوز ثويت بالبصرة و ثويت البصرة و جاء أثويت بالمكان لغة في ثويت قال الأعشى شرح نهج البغة ج : 7 ص : 106
أثوى و قصر ليله ليزودا فمضت و أخلف من قتيلة موعدا
و المترف الذي قد أترفته النعمة أي أطغته يقول ع لا يعود على الناس ما أدبر و تولى عنهم من أحوالهم الماضية كالشباب و القوة و لا يعلم حال المستقبل من صحة أو مرض أو حياة أو موت لينتظر و ينظر إلى هذا المعنى قول الشاعر
و أضيع العمر لا الماضي انتفعت به و لا حصلت على علم من الباقي
و مشوب مخلوط شبته أشوبه فهو مشوب و جاء مشيب في قول الشاعر
و ماء قدور في القصاع مشيب(8/95)
فبناه على شيب لم يسم فاعله و في المثل هو يشوب و يروب يضرب لمن يخلط في القول أو العمل. و الجلد الصلابة و القوة و الوهن الضعف نفسه و إنما عطف للتأكيد كقوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً و قوله لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ. ثم نهى عن الاغترار بكثرة العجب من الدنيا و علل حسن هذا النهي و قبح الاغترار بما نشاهده عيانا من قلة ما يصحب مفارقيها منها و قال الشاعر
فما تزود مما كان يجمعه إلا حنوطا غداة البين في خرق و غير نفحة أعواد شببن له و قل ذلك من زاد لمنطلقثم جعل التفكر علة الاعتبار و جعل الاعتبار علة الأبصار و هذا حق لأن الفكر يوجب الاتعاظ و الاتعاظ يوجب الكشف و المشاهدة بالبصيرة التي نورها الاتعاظ. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 107ثم ذكر أن ما هو كائن و موجود من الدنيا سيصير عن قليل أي بعد زمان قصير معدوما ولزمان القصير هاهنا انقضاء الأجل و حضور الموت. ثم قال إن الذي هو كائن و موجود من الآخرة سيصير عن قليل أي بعد زمان قصير أيضا كأنه لم يزل و الزمان القصير هاهنا هو حضور القيامة و هي و إن كانت تأتي بعد زمان طويل إلا أن الميت لا يحس بطوله و لا فرق بين ألف ألف سنة عنده إذا عاد حيا و بين يوم واحد لأن الشعور بالبطء في الزمان مشروط بالعلم بالحركة و يدل على ذلك حال النائم ثم قال كل معدود منقض و هذا تنبيه بطريق الاستدلال النظري على أن الدنيا زائلة و منصرفة و قد استدل المتكلمون بهذا على أن حركات الفلك يستحيل ألا يكون لها أول فقالوا لأنها داخلة تحت العدد و كل معدود يستحيل أن يكون غير متناه و الكلام في هذا مذكور في كتبنا العقلية.
ثم ذكر أن كل ما يتوقع لا بد أن يأتي و كل ما سيأتي فهو قريب و كأنه قد أتى(8/96)
و هذا مثل قول قس بن ساعدة الإيادي ما لي أرى الناس يذهبون ثم لا يرجعون أ رضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا أقسم قس قسما إن في السماء لخبرا و إن في الأرض لعبرا سقف مرفوع و مهاد موضوع و نجوم تمور و بحار لا تغور اسمعوا أيها الناس و عوا من عاش مات و من مات فات و كل ما هو آت آت
وَ مِنْهَا الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ سَائِراً بِغَيْرِ شرح نهج بلاغة ج : 7 ص : 108دَلِيلٍ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ وَ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآْخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَ كَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطٌ عَنْهُ
قوله ع العالم من عرف قدره من الأمثال المشهورة عنه ع و قد قال الناس بعده في ذلك فأكثروا نحو قولهم إذا جهلت قدر نفسك فأنت لقدر غيرك أجهل و نحو قولهم من لم يعرف قدر نفسه فالناس أعذر منه إذا لم يعرفوه و نحو قول الشاعر أبي الطيب
و من جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى
ثم عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى فصارت مثلا أيضا و هي قوله كفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره و من الكلام
المروي عن أبي عبد الله الصادق ع مرفوعا ما هلك امرؤ عرف قدره
رواه أبو العباس المبرد عنه في الكامل
قال ثم قال أبو عبد الله ع و ما إخال رجلا يرفع نفسه فوق قدرها إلا من خلل في عقله
و روى صاحب الكامل أيضا عن أبي جعفر الباقر ع قال لما حضرت الوفاة علي بن الحسين ع أبي ضمني إلى صدره ثم قال يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي يوم قتل و بما ذكر لي أن أباه عليا ع أوصاه به يا بني عليك ببذل نفسك فإنه لا يسر أباك بذل نفسه حمر النعم(8/97)