كون البارئ سابقا عليه علمنا أن البارئ لا أول له و بآخرية الآخر الذي فرضنا أن البارئ متأخر عنه علمنا أن البارئ لا آخر له و إنما علمنا ذلك لأنه لو كان سبحانه أولا لأول الموجودات و له مع ذلك أول لزم التسلسل و إثبات محدثين و محدثين إلى غير نهاية و هذا محال. و لو كان سبحانه آخرا لآخر الموجودات و له مع ذلك آخر لزم التسلسل و إثبات أضداد تعدم و يعدمها غيرها إلى غير نهاية و هذا أيضا محال
وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلَانَ وَ الْقَلْبُ اللِّسَانَ شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 98أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي وَ لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي وَ لَا تَتَرَامَوْا بِالْبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ص وَ اللَّهِ مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ وَ لَا جَهِلَ السَّامِعُ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ اشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا وَ مَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وَ بَدَا مِنَ الْأَيَّامِ كُلُوحُهَا وَ مِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ وَ قَامَ عَلَى يَنْعِهِ وَ هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ وَ بَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ وَ أَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَ الْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ هَذَا وَ كَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ وَ يَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ وَ عَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ وَ يُحْصَدُ الْقَائِمُ وَ يُحْطَمُ الْمَحْصُودُ(8/88)


في الكلام محذوف و تقديره لا يجرمنكم شقاقي على أن تكذبوني و المفعول فضلة و حذفه كثير نحو قوله تعالى اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ فحذف العائد إلى الموصول و منها قوله سبحانه لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ أي من رحمه و لا بد من تقدير العائد إلى الموصول و قد قرئ قوله وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ و ما عملت أيديهم بحذف المفعول. لا يجرمنكم لا يحملنكم و قيل لا يكسبنكم و هو من الألفاظ القرآنية. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 99و لا يستهوينكم أي لا يستهيمنكم يجعلكم هائم. و لا تتراموا بالأبصار أي لا يلحظ بعضكم بعضا فعل المنكر المكذب. ثم أقسم بالذي فلق الحبة و برأ النسمة فلق الحبة من البر أي شقها و أخرج منها الورق الأخضر قال تعالى إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى. و برأ النسمة أي خلق الإنسان و هذا القسم لا يزال أمير المؤمنين يقسم به و هو من مبتكراته و مبتدعاته. و المبلغ و السامع هو نفسه ع يقول
ما كذبت على الرسول تعمدا و لا جهلت ما قاله فأنقل عنه غلطا(8/89)


و الضليل الكثير الضلال كالشريب و الفسيق و نحوهما. و هذا كناية عن عبد الملك بن مروان لأن هذه الصفات و الأمارات فيه أتم منها في غيره لأنه قام بالشام حين دعا إلى نفسه و هو معنى نعيقه و فحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق و قتل مصعبا و تارة لما استخلف الأمراء على الكوفة كبشر بن مروان أخيه و غيره حتى انتهى الأمر إلى الحجاج و هو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك و ثقل وطأته و حينئذ صعب الأمر جدا و تفاقمت الفتن مع الخوارج و عبد الرحمن بن الأشعث فلما كمل أمر عبد الملك و هو معنى أينع زرعه هلك و عقدت رايات الفتن المعضلة من بعده كحروب أولاده مع بني المهلب و كحروبهم مع زيد بن علي ع و كالفتن الكائنة بالكوفة أيام يوسف بن عمر و خالد القسري و عمر بن هبيرة و غيرهم و ما جرى فيها من الظلم و استئصال الأموال و ذهاب النفوس. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 100و قد قيل إنه كنى معاوية و ما حدث في أيامه من الفتن و ما حدث بعده من فتنة يزيد و عبيد الله بن زياد و واقعة الحسين ع و الأول أرجح لأن معاوية في أيام أمير المؤمنين ع كان قد نعق بالشام و دعاهم إلى نفسه و الكلام يدل على إنسان ينعق فيما بعد أ لا تراه يقول لكأني أنظر إلى ضليل قد نعق بالشام ثم نعود إلى تفسير الألفاظ و الغريب. النعيق صوت الراعي بغنمه و فحص براياته من قولهم ما له مفحص قطاة أي مجثمها كأنهم جعلوا ضواحي الكوفة مفحصا و مجثما لراياتهم. و كوفان اسم الكوفة و الكوفة في الأصل اسم الرملة الحمراء و بها سميت الكوفة و ضواحيها نواحيها القريبة منها البارزة عنها يريد رستاقها. و فغرت فاغرته فتح فاه و هذا من باب الاستعارة أي إذا فتك فتح فاه و قتل كما يفتح الأسد فاه عند الافتراس و التأنيف للفتنة. و الشكيمة في الأصل حديدة معترضة في اللجام في فم الدابة ثم قالوا فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد المراس شديد النفس عسر الانقياد. و ثقلت وطأته عظم جوره و ظلمه(8/90)


و كلوح الأيام عبوسها و الكدوح الآثار من الجراحات. و القروح الواحد الكدح أي الخدش. و المراد من قوله من الأيام ثم قال و من الليالي أن هذه الفتنة مستمرة الزمان كله لأن الزمان ليس إلا النهار و الليل. و أينع الزرع أدرك و نضج و هو الينع و الينع بالفتح و الضم مثل النضج و النضج
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 101و يجوز ينع الزرع بغير همز ينع ينوعا و لم تسقط الياء في المضارع لأنها تقوت بأختها و زرع ينيع و يانع مثل نضيج و ناضج و قد روي أيضا هذا الموضع بحذف الهمز. و قوله ع و قام على ينعه الأحسن أن يكون ينع هاهنا جمع يانع كصاحب و صحب ذكذلك ابن كيسان و يجوز أن يكون أراد المصدر أي و قام على صفة و حالة هي نضجه و إدراكه. و هدرت شقاشقه قد مر تفسيره في الشقشقية و برقت بوارقه سيوفه و رماحه و المعضلة العسرة العلاج داء معضل. و يخرق الكوفة يقطعها و القاصف الريح القوية تكسر كل ما تمر عليه و تقصفه. ثم وعد ع بظهور دولة أخرى فقال و عن قليل تلتف القرون بالقرون و هذا كناية عن الدولة العباسية التي ظهرت على دولة بني أمية و القرون الأجيال من الناس واحدها قرن بالفتح. و يحصد القائم و يحطم المحصود كناية عن قتل الأمراء من بني أمية في الحرب ثم قتل المأسورين منهم صبرا فحصد القائم قتل المحاربة و حطم الحصيد القتل صبرا و هكذا وقعت الحال مع عبد الله بن علي و أبي العباس السفاح
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 101102- و من خطبة له ع تجري هذا المجرىوَ ذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَ الآْخِرِينَ لِنِقَاشِ الْحِسَابِ وَ جَزَاءِ الْأَعْمَالِ خُضُوعاً قِيَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ وَ رَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ فَأَحْسَنُهُمُ حَالًا مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَ لِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً
هذا شرح حال يوم القيامة و النقاش مصدر ناقش أي استقصى في الحساب
و في الحديث من نوقش الحساب عذب(8/91)


و ألجمهم العرق سال منهم حتى بلغ إلى موضع اللجام من الدابة و هو الفم. و رجفت بهم تحركت و اضطربت رجف يرجف بالضم و الرجفة الزلزلة و الرجاف من أسماء البحر سمي بذلك لاضطرابه. ثم وصف الزحام الشديد الذي يكون هناك فقال أحسن الناس حالا هناك من وجد لقدميه موضعا و من وجد مكانا يسعه
وَ مِنْهَا فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ وَ لَا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا وَ يَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ شرح نهج البلاغة ج : ص : 103سَلَبُهُمْ يُجَاهِدُهُمْ فِي اللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الْأَرْضِ مَجْهُولُونَ وَ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ لَا رَهَجَ لَهُ وَ لَا حِسَّ وَ سَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الْأَحْمَرِ وَ الْجُوعِ الْأَغْبَرِ(8/92)

69 / 149
ع
En
A+
A-