الطائفة الموالية لعثمان إلى أنه أراد أن الله أماته و سيميتني كما أماته و تذهب الطائفة الأخرى إلى أنه أراد أنه قتل عثمان مع قتل الله له أيضا و كذلك قوله تارة أخرى ما أمرت به و لا نهيت عنه و قوله لو أمرت به لكنت قاتلا و لو نهيت عنه لكنت ناصرا و أشياء من هذا الجنس مذكورة مروية عنه فلم يزل على هذه الوتيرة حتى قبض ع و كل من الطائفتين موالية له معتقدة أن رأيه في عثمان كرأيها فلو لم يكن له من السياسة إلا هذا القدر مع كثرة خوض الناس حينئذ في أمر عثمان و الحاجة إلى ذكره في كل مقام لكفاه في الدلالة على أنه أعرف الناس بها و أحذقهم فيها و أعلمهم بوجوه مخارج الكلام و تدبير أحوال الرجال. ثم نعود إلى الشرح قوله ع و نصحت لكم هو الأفصح و عليه ورد لفظ القرآن و قول العامة نصحتك ليس بالأفصح. قوله و عبيد كأرباب يصفهم بالكبر و التيه. فإن قلت كيف قال عنهم إنهم عبيد و كانوا عربا صلبية قلت يريد أن أخلاقهم كأخلاق العبيد من الغدر و الخلاف و دناءة الأنفس و فيهم مع ذلك كبر السادات و الأرباب و تيههم فقد جمعوا خصال السوء كلها. و أيادي سبأ مثل يضرب للمتفرقين و أصله قوله تعالى عن أهل سبإ وَ مَزَّقْناهُمْ شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 75كُلَّ مُمَزَّقٍو سبأ مهموز و هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان و يقال ذهبوا أيدي سبأ و أيادي سبأ الياء ساكنة و كذلك الألف و هكذا نقل المثل أي ذهبوا متفرقين و هما اسمان جعلا واحدا مثل معديكرب. قوله تتخادعون عن مواعظكم أن تمسكون عن الاتعاظ و الانزجار و تقلعون عن ذلك من قولهم كان فلان يعطي ثم خدع أي أمسك و أقلع و يجوز أن يريد تتلونون و تختلفون في قبول الموعظة من قولهم خلق فلان خلق خادع أي متلون و سوق خادعة أي مختلفة متلونة و لا يجوز أن يريد باللفظة المعنى المشهور منها لأنه إنما يقال فلان يتخادع لفلان إذا كان يريه أنه منخدع له و ليس بمنخدع في الحقيقة و هذا لا يطابق معنى الكلام. و(8/68)


الحنية القوس و قوله كظهر الحنية يريد اعوجاجهم كما أن ظهر القوس معوج و أعظل المقوم أي أعضل داؤه أي أعيا و يروى أيها الشاهدة أبدانهم بحذف الموصوف. ثم أقسم أنه يود أن معاوية صارفه بهم فأعطاه من أهل الشام واحدا و أخذ منه عشرة صرف الدينار بالدراهم أخذ هذا اللفظ عبد الله بن الزبير لما وفد إليه أهل البصرة و فيهم الأحنف فتكلم منهم أبو حاضر الأسدي و كان خطيبا جميلا فقال له عبد الله بن الزبير اسكت فو الله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام صرف الدينار بالدراهم فقال يا أمير المؤمنين إن لنا و لك مثلا أ فتأذن في ذكره قال نعم قال مثلنا و مثلك و مثل أهل الشام قول الأعشى
علقتها عرضا و علقت رجلا غيري و علق أخرى غيرها الرجل(8/69)


شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 76أحبك أهل العراق و أحببت أهل الشام و أحب أهل الشام عبد الملك فما تصنع ثم ذكر ع أنه مني أي بلي منهم بثلاث و اثنتين إنما لم يقل بخمس لأن الثلاث إيجابية و الاثنتين سلبية فأحب أن يفرق بين الإثبات و النفي. و يروى لا أحرار صدق عند اقاء جمع صادق و لا إخوان ثقة عند البلاء أي موثوق بهم. تربت أيديكم كلمة يدعى على الإنسان بها أي لا أصبتم خيرا و أصل ترب أصابه التراب فكأنه يدعو عليه بأن يفتقر حتى يلتصق بالتراب. قوله فما إخالكم أي فما أظنكم و الأفصح كسر الألف و هو السماع و بنو أسد يفتحونها و هو القياس. قوله ألو أصله أن لو ثم أدغمت النون في الألف فصارت كلمة واحدة. و حمس الوغى بكسر الميم اشتد و عظم فهو حمس و أحمس بين الحمس و الحماسة. و الوغى في الأصل الأصوات و الجلبة و سميت الحرب نفسها وغى لما فيها من ذلك. و قوله انفراج المرأة عن قبلها أي وقت الولادة. قوله ألقطه لقطا يريد أن الضلال غالب على الهدى فأنا ألتقط طريق الهدى من بين طريق الضلال لقطا من هاهنا و هاهنا كما يسلك الإنسان طريقا دقيقة قد اكتنفها الشوك و العوسج من جانبيهما كليهما فهو يلتقط النهج التقاطا(8/70)


انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ وَ اتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَ إِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا وَ لَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 77لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ص فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً وَ قَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِمْ وَ يَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ وَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَ رَجَاءً لِلثَّوَابِ
السمت الطريق و لبد الشي ء بالأرض يلبد بالضم لبودا التصق بها و يصبحون شعثا غبرا من قشف العبادة و قيام الليل و صوم النهار و هجر الملاذ فيراوحون بين جباههم و خدودهم تارة يسجدون على الجباه و تارة يضعون خدودهم على الأرض بعد الصلاة تذللا و خضوعا و المراوحة بين لعمل أن يعمل هذا مرة و هذا مرة و يراوح بين رجليه إذا قام على هذه تارة و على هذه أخرى. و يقال معزى لهذا الجنس من الغنم و معز و معيز و أمعوز و معز بالتسكين و واحد المعز ماعز كصحب و صاحب و الأنثى ماعزة و الجمع مواعز. و هملت أعينهم سالت تهمل و تهمل. و يروى حتى تبل جباههم أي يبل موضع السجود فتبتل الجبهة بملاقاته و مادوا تحركوا و اضطربوا إما خوفا من العقاب كما يتحرك الرجل و يضطرب أو رجاء للثواب كما يتحرك النشوان من الطرب و كما يتحرك الجذل المسرور من الفرح(8/71)


شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 9778- و من كلام له عوَ اللَّهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ وَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رِعَتِهِمْ وَ حَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا غَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا وَ إِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(8/72)

65 / 149
ع
En
A+
A-