تناسختهم أي تناقلتهم و التناسخ في الميراث أن يموت ورثة بعد ورثة و أصل الميراث شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 63قائم لم يقسم كأن ذلك تناقل من واحد إلى آخر و منه نسخت الكتاب و انتسخته و استنسخته أي نقلت ما فيه و يروى تناسلتهم. و السلف المتقدمون و الخلف الباقون يقال خلف صدق بالتحريك و خلف سوء بالتسكين. و أفضت كرامة الله إلى محمد ص أي انتهت و الأرومات جمع أرومة و هي الأصل و يقال أروم بغير هاء و صدع شق و انتجب اصطفى و الأسرة رهط الرجل. و قوله نبتت في حرم يجوز أن يعني به مكة و يجوز أن يعني به المنعة و العز. و بسقت طالت و معنى قوله و ثمر لا ينال ليس على أن يريد به أن ثمرها لا ينتفع به لأن ذلك ليس بمدح بل يريد به أن ثمرها لا ينال قهرا و لا يجنى غصبا و يجوز أن يريد بثمرها نفسه ع و من يجري مجراه من أهل البيت ع لأنهم ثمرة تلك الشجرة. و لا ينال أي لا ينال مساعيهم و مآثرهم و لا يباريهم أحد و قد روي في الحديث عن النبي ص في فضل قريش و بني هاشم الكثير المستفيض نحو
قوله ع قدموا قريشا و لا تقدموها
و قوله الأئمة من قريش
و قوله إن الله اصطفى من العرب معدا و اصطفى من معد بني النضر بن كنانة و اصطفى هاشما من بني النضر و اصطفاني من بني هاشم
و قوله إن جبرائيل ع قال لي يا محمد قد طفت الأرض شرقا و غربا فلم أجد فيها أكرم منك و لا بيتا أكرم من بني هاشم
و قوله نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية
و قوله ع إن الله تعالى لم يمسسني بسفاح في أرومتي منذ إسماعيل بن إبراهيم إلى عبد الله شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 64بن عبد المطلبو قوله ص سادة أهل محشر سادة أهل الدنيا أنا و علي و حسن و حسين و حمزة و جعفر
و قوله و قد سمع رجلا ينشد
يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد الدار
أ هكذا قال يا أبا بكر منكرا لما سمع فقال أبو بكر لا يا رسول الله إنه لم يقل هكذا و لكنه قال(8/58)
يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف عمرو العلا هشم الثريد لقومه و رجال مكة مسنتون عجاففسر ص بذلك و قوله أذل الله من أذل قريشا قالها ثلاثا
و كقوله
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
و كقوله الناس تبع لقريش برهم لبرهم و فاجرهم لفاجرهم
و كقوله أنا ابن الأكرمين
و قوله لبني هاشم و الله لا يبغضكم أحد إلا أكبه الله على منخريه في النار
و قوله ما بال رجال يزعمون أن قرابتي غير نافعة بلى إنها لنافعة و إنه لا يبغض أحد أهلي إلا حرمه الله الجنة
و الأخبار الواردة في فضائل قريش و بني هاشم و شرفهم كثيرة جدا و لا نرى الإطالة هاهنا باستقصائها. و سطع الصبح يسطع سطوعا أي ارتفع و السطيع الصبح و الزند العود تقدح به النار و هو الأعلى و الزندة السفلى فيها ثقب و هي الأنثى فإذا اجتمعا قيل زندان و لم يقل زندتان تغليبا للتذكير و الجمع زناد و أزند و أزناد. و القصد الاعتدال و كلامه الفصل أي الفاصل و الفارق بين الحق و الباطل و هو مصدر بمعنى الفاعل كقولك رجل عدل أي عادل. و الهفوة الزلة هفا يهفو و الغباوة الجهل و قلة الفطنة يقال غبيت عن الشي ء و غبيت شرح نهج البلاج : 7 ص : 65الشي ء أيضا أغبى غباوة إذا لم يفطن له و غبي علي الشي ء كذلك إذا لم تعرفه و فلان غبي على فعيل أي قليل الفطنةاعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْلَامٍ بَيِّنَةٍ فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَ أَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَ فَرَاغٍ وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ الْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ وَ الْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ وَ التَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ وَ الْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ(8/59)
الطريق يذكر و يؤنث يقال هذا الطريق الأعظم و هذه الطريق العظمى و الجمع أطرقة و طرق. و أعلام بينة أي منار واضح و نهج أي واضح و دار السلام الجنة و يروى و الطريق نهج بالواو واو الحال. و أنتم في دار مستعتب أي في دار يمكنكم فيها استرضاء الخالق سبحانه و استعتابه. ثم شرح ذلك فقال أنتم ممهلون متفرغون و صحف أعمالكم لم تطو بعد و أقلام الحفظة عليكم لم تجف بعد و أبدانكم صحيحة و ألسنتكم ما اعتقلت كما تعتقل ألسنة المحتضرين عند الموت و توبتكم مسموعة و أعمالكم مقبولة لأنكم في دار التكليف لم تخرجوا منها
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 9466- و من خطبة له عبَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةٍ وَ حَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُ وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ وَ اسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلَاءُ حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ وَ بَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ فَبَالَغَ ص فِي النَّصِيحَةِ وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ وَ دَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
حاطبون في فتنة جمع حاطب و هو الذي يجمع الحطب و يقال لمن يجمع بين الصواب و الخطإ أو يتكلم بالغث و السمين حاطب ليل لأنه لا يبصر ما يجمع في حبله. و يروى خابطون. و استهوتهم الأهواء دعتهم إلى نفسها. و استزلتهم الكبرياء جعلتهم ذوي زلل و خطإ و استخفتهم الجاهلية جعلتهم ذوي خفة و طيش و خرق. و الزلزال بالفتح الاسم بالكسر المصدر و الزلازل الشدائد و مثله في الكسر عند الاسمية و الفتح عند المصدر القلقال(8/60)
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 9567- و من خطبة له عالْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْ ءَ قَبْلَهُ وَ الآْخِرِ فَلَا شَيْ ءَ بَعْدَهُ وَ الظَّاهِرِ فَلَا شَيْ ءَ فَوْقَهُ وَ الْبَاطِنِ فَلَا شَيْ ءَ دُونَتقدير الكلام و الظاهر فلا شي ء أجلى منه و الباطن فلا شي ء أخفى منه فلما كان الجلاء يستلزم العلو و الفوقية و الخفاء يستلزم الانخفاض و التحتية عبر عنهما بما يلازمهما و قد تقدم الكلام في معنى الأول و الآخر و الظاهر و الباطن. و ذهب أكثر المتكلمين إلى أن اللهعالى يعدم أجزاء العالم ثم يعيدها و ذهب قوم منهم إلى أن الإعادة إنما هي جمع الأجزاء بعد تفريقها لا غير. و احتج الأولون بقوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ قالوا لما كان أولا بمعنى أنه الموجود و لا موجود معه وجب أن يكون آخرا بمعنى أنه سيئول الأمر إلى عدم كل شي ء إلا ذاته تعالى كما كان أولا و البحث المستقصى في هذا الباب مشروح في كتبنا الكلامية شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ الرَّسُولِ ص مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ وَ مَمَاهِدِ السَّلَامَةِ قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ وَ أَطْفَأَ بِهِ النَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً وَ أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ وَ أَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ كَلَامُهُ بَيَانٌ وَ صَمْتُهُ لِسَانٌ(8/61)
المهاد الفراش و لما قال في معادن و هي جمع معدن قال بحكم القرينة و الازدواج و مماهد و إن لم يكن الواحد منها ممهدا كما قالوا الغدايا و العشايا و مأجورات و مأزوات و نحو ذلك و يعني بالسلامة هاهنا البراءة من العيوب أي في نسب طاهر غير مأفون و لا معيب. ثم قال قد صرفت نحوه أي نحو الرسول ص و لم يقل من صرفها بل جعله فعلا لم يسم فاعله فإن شئت قلت الصارف لها هو الله تعالى لا بالجبر كما يقوله الأشعرية بل بالتوفيق و اللطف كما يقوله أصحابنا و إن شئت قلت صرفها أربابها. و الضغائن جمع ضغينة و هي الحقد ضغنت على فلان بالكسر ضغنا و الضغن الاسم كالضغينة و قد تضاغنوا و اضطغنوا انطووا على الأحقاد و دفنها أكمنها و أخفاها و ألف به إخوانا لأن الإسلام قد ألف بين المتباعدين و فرق بين المتقاربين و قال شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 69تعالى فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً قطع ما بين حم و أبي لهب مع تقاربهما و ألف بين علي ع و عمار مع تباعدهما. قوله ع و صمته لسان لا يعني باللسان هاهنا الجارحة نفسها بل الكلام الصادر عنها كقول الأعشى
إني أتتني لسان لا أسر بها
قالوا في تفسيره أراد الكلمة و جمعه على هذا ألسن لأنه مؤنث كقولك ذراع و أذرع فأما جمع لسان للجارحة فألسنة لأنه مذكر كقولك حمار و أحمرة يقول ع إن كلام الرسول ص بيان و البيان إخراج الشي ء من حيز الخفاء إلى حيز الوضوح و صمته ص كلام و قول مفيد أي أن صمته لا يخو من فائدة فكأنه كلام و هذا من باب التشبيه المحذوف الأداة كقولهم يده بحر و وجهه بدر(8/62)