فإن قلت لما ذا قال عن فئة تهدى مائة و ما فائدة التقييد بهذا العدد قلت لأن ما دون المائة حقير تافه لا يعتد به ليذكر و يخبر عنه فكأنه قال مائة فصاعدا. قوله ع كرائه الأمور جمع كريهة و هي الشدة في الحرب و حوازب الخطوب جمع حازب و حزبه الأمر أي دهمه. شرح نهج الاغة ج : 7 ص : 52و فشل جبن فإن قلت أما فشل المسئول فمعلوم فما الوجه في إطراق السائل قلت لشدة الأمر و صعوبته حتى أن السائل ليبهت و يدهش فيطرق و لا يستطيع السؤال. قوله ع إذا قلصت حربكم يروى بالتشديد و بالتخفيف و يروى عن حربكم فمن رواه مشددا أراد انضمت و اجتمعت و ذلك لأنه يكون أشد لها و أصعب من أن تتفرق في مواطن متباعدة أ لا ترى أن الجيوش إذا اجتمعت كلها و اصطدم الفيلقان كان الأمر أصعب و أفظع من أن تكون كل كتيبة من تلك الجيوش تحارب كتيبة أخرى في بلاد متفرقة متباعدة و ذلك لأن اصطدام الفيلقين بأجمعهما هو الاستئصال الذي لا شوى له و لا بقيا بعده و من رواها بالتخفيف أراد كثرت و تزايدت من قولهم قلصت البئر أي ارتفع ماؤها إلى رأسها أو دونه و هو ماء قالص و قليص و من روى إذا قلصت عن حربكم أراد إذا قلصت كرائه الأمور و حوازب الخطوب عن حربكم أي انكشفت عنها و المضارع من قلص يقلص بالكسر. قوله و شمرت عن ساق استعارة و كناية يقال للجاد في أمره قد شمر عن ساق و ذلك لأن سبوغ الذيل معثرة و يمكن أن يجري اللفظ على حقيقته و ذلك أن قوله تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ فسروه فقالوا الساق الشدة فيكون قد أراد بقوله و شمرت عن ساق أي كشفت عن شدة و مشقة. ثم قال تستطيلون أيام البلاء و ذلك لأن أيام البؤس طويلة قال الشاعر شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 5فأيام الهموم مقصصات و أيام السرور تطير طيرا
و قال أبو تمام
ثم انبرت أيام هجر أردفت بجوى أسى فكأنها أعوام(8/48)
قوله ع إن الفتن إذا أقبلت شبهت معناه أن الفتن عند إقبالها و ابتداء حدوثها يلتبس أمرها و لا يعلم الحق منها من الباطل إلى أن تنقضي و تدبر فحينئذ ينكشف حالها و يعلم ما كان مشتبها منها ثم أكد ع هذا المعنى بقوله ينكرن مقبلات و يعرفن مدبرات و مثال ذلك فتنة الجمل و فتنة الخوارج كان كثير من الناس فيها في مبدإ الأمر متوقفين و اشتبه عليهم الحال و لم يعلموا موضع الحق إلى أن انقضت الفتنة و وضعت الحرب أوزارها و بان لهم صاحب الضلالة من صاحب الهداية. ثم وصف الفتن فقال إنها تحوم حوم الرياح يصبن بلدا و يخطئن بلدا حام الطائر و غيره حول الشي ء يحوم حوما و حومانا أي دار. ثم ذكر أن أخوف ما يخاف عليهم فتنة بني أمية و معنى قوله عمت خطتها و خصت بليتها أنها عمت الناس كافة من حيث كانت رئاسة شاملة لكل أحد و لكن حظ أهل البيت ع و شيعتهم من بليتها أعظم و نصيبهم فيها أوفر. و معنى قوله و صاب البلاء من أبصر فيها و أخطأ البلاء من عمي عنها أن العالم بارتكابهم المنكر مأثوم إذ لم ينكر و الجاهل بذلك لا إثم عليه إذا لم ينههم عن المنكر لأن من لا يعلم المنكر منكرا لا يلزمه إنكاره و لا يعني بالمنكر هاهنا شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 54ما كان منكرا منلاعتقادات و لا ما يتعلق بالأمانة بل الزنى و شرب الخمر و نحوهما من الأفعال القبيحة. فإن قلت أي فرق بين الأمرين قلت لأن تلك يلحق الإثم من لا يعلمها إذا كان متمكنا من العلم بها و هذه لا يجب إنكارها إلا مع العلم بها و من لا يعلمها لا يلحقه الإثم إذا كان متمكنا من العلم بها فافترق الموضوعان. ثم أقسم ع فقال و ايم الله و أصله و ايمن الله و اختلف النحويون في هذه الكلمة فعند الأكثرين منهم أن ألفها ألف وصل و أن أيمن اسم وضع للقسم هكذا بألف وصل و بضم الميم و النون قالوا و لم يأت في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها و تدخل عليها اللام لتأكيد الابتداء فتقول ليمن الله فتذهب الألف قال الشاعر(8/49)
فقال فريق القوم لما نشدتهم نعم و فريق ليمن الله ما ندري
و هذا الاسم مرفوع بالابتداء و خبره محذوف و التقدير ليمن الله قسمي فإذا خاطبت قلت ليمنك و في حديث عروة بن الزبير ليمنك لئن كنت ابتليت لقد عافيت و لئن كنت أخذت لقد أبقيت و تحذف نونه فيصير ايم الله بألف وصل مفتوحة و قد تكسر و ربما حذفوا الياء فقالوا ام الله و ربما أبقوا الميم وحدها مضمومة فقالوا م الله و قد يكسرونها لما صارت حرفا شبهوها بالباء و ربما قالوا من الله بضم الميم و النون و من الله بكسرهما و من الله بفتحهما و ذهب أبو عبيد و ابن كيسان و ابن درستويه إلى أن أيمن جمع يمين و الألف همزة قطع و إنما خففت شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 55و طرحت في الوصل لكثرة الاستعمال قالوا و كانت العرب تحلف باليمين فتقول يمين الله لا أفعل قال إمرؤ القيسفقلت يمين الله أبرح قاعدا و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي
قالوا و اليمين تجمع على أيمن قال زهير
فتجمع أيمن منا و منكم بمقسمة تمور بها الدماء(8/50)
ثم حلفوا به فقالوا أيمن الله ثم كثر في كلامهم و خف على ألسنتهم حتى حذفوا منه النون كما حذفوا في قوله لم يكن فقالوا لم يك فأقسم ع لأصحابه أنهم سيجدون بني أمية بعده لهم أرباب سوء و صدق ص فيما قال فإنهم ساموهم سوء العذاب قتلا و صلبا و حبسا و تشريدا في البلاد. ثم شبه بني أمية بالناب الضروس و الناب الناقة المسنة و الجمع نيب تقول لا أفعله ما حنت النيب و الضروس السيئة الخلق تعض حالبها. و تعذم بفيها تكدم و العذم الأكل بجفاء و فرس عذوم يعض بأسنانه. و الزبن الدفع زبنت الناقة تزبن إذا ضربت بثفناتها عند الحلب تدفع الحالب عنها و الدر اللبن و في المثل لا در دره الأصل لبنه ثم قيل لكل خير و ناقة درور أي كثيرة اللبن. ثم قال لا يزالون بكم قتلا و إفناء لكم حتى لا يتركوا منكم إلا من ينفعهم إبقاؤه أو لا يضرهم و لا ينفعهم قال حتى يكون انتصار أحدكم منهم كانتصار العبد من مولاه أي لا انتصار لكم منهم لأن العبد لا ينتصر من مولاه أبدا و قد جاء في كلامه شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 56ع في غير هذا الموضع تتمة هذا المعنى إن حضر أطاعه و إن غاب سبعه أي ثلبه و شتمه و هذه أمارة الذل كما قال أبو الطيبأبدو فيسجد من بالسوء يذكرني و لا أعاتبه صفحا و إهواناو هكذا كنت في أهلي و في وطني إن النفيس نفيس أينما كانا(8/51)
قال ع و الصاحب من مستصحبه أي و التابع من متبوعه. و الشوه جمع شوهاء و هي القبيحة الوجه شاهت الوجوه تشوه شوها قبحت و شوهه الله فهو مشوه و هي شوهاء و لا يقال للذكر أشوه و مخشية مخوفة. و قطعا جاهلية شبهها بقطع السحاب لتراكمها على الناس و جعلها جاهلية لأنها كأفعال الجاهلية الذين لم يكن لهم دين يردعهم و يروى شوهاء و قطعاء أي نكراء كالمقطوعة اليد. قوله نحن أهل البيت منها بمنجاة أي بمعزل و النجاة و النجوة المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاك و لا يعلوه السيل و لسنا فيها بدعاة أي لسنا من أنصار تلك الدعوة و أهل البيت منصوب على الاختصاص كقولهم نحن معشر العرب نفعل كذا و نحن آل فلان كرماء. قوله كتفريج الأديم الأديم الجلد و جمعه أدم مثل أفيق و أفق و يجمع أيضا على آدمة كرغيف و أرغفة و وجه التشبيه أن الجلد ينكشف عما تحته فوعدهم ع بأن الله تعالى يكشف تلك الغماء كانكشاف الجلد عن اللحم بمن يسومهم خسفا و يوليهم ذلا. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 57و العنف بالضم ضد الرفق و كأس مصبرة ممزوجة بالصبر لهذا المر و يجوز أن يكون مصبرة مملوءة إلى أصبارها و هي جوانبها و في المثل أخذها بأصبارها أي تامة الواحد صبر بالضم. و يحلسهم يلبسهم أحلست البع ألبسته الحلس و هو كساء رقيق يكون تحت البرذعة يقال له حلس و حلس مثل شبه و شبه. و الجزور من الإبل يقع على الذكر و الأنثى و جزرها ذبحها. و هذا الكلام إخبار عن ظهور المسودة و انقراض ملك بني أمية و وقع الأمر بموجب إخباره ص حتى لقد صدق قوله لقد تود قريش الكلام إلى آخره فإن أرباب السير كلهم نقلوا أن مروان بن محمد قال يوم الزاب لما شاهد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى و القصة طويلة و هي مشهورة. و هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السير و هي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها علي ع بعد انقضاء أمر(8/52)