روى صاحب كتاب الإستيعاب و هو أبو عمر محمد بن عبد البر عن جماعة من الرواة و المحدثين قالوا لم يقل أحد من الصحابة رضي الله عنهم سلوني إلا علي بن أبي طالب و روى شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتاب نقض العثمانية عن علي بن الجعد عن ابن شبرمة قال ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر سلوني إلا علي بن أبي طالب ع. و الفئة الطائفة و الهاء عوض من الياء التي نقصت من وسطه و أصله في ء مثال فيع لأنه من فاء و يجمع على فئات مثل شيات و هبات و لدات. و ناعقها الداعي إليها من نعيق الراعي بغنمه و هو صوته نعق ينعق بالكسر نعيقا و نعاا أي صاح بها و زجرها قال الأخطل
فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 47فأما الغراب فيقال نغق بالغين المعجمة ينغق بالكسر أيضا و حكى ابن كيسان نعق الغراب أيضا بعين غير معجمه. و الركاب الإبل واحدتها راحلة و لا واحد لها من لفظها و جمعها ركب مثل كتاب و كتب و يقال زيت ركابي لأنه يحمل من الشام عليها. ولمناخ بضم الميم و محط بفتحها يجوز أن يكونا مصدرين و أن يكونا مكانين أما كون المناخ مصدرا فلأنه كالمقام الذي بمعنى الإقامة و أما كون المحط مصدرا فلأنه كالمرد في قوله سبحانه وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ و أما كونهما موضعين فلأن المناخ من أنخت الجمل لا من ناخ الجمل لأنه لم يأت و الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع منه يأتي مضموم الميم لأنه مشبه ببنات الأربعة نحو دحرج و هذا مدحرجنا و من قال هذا مقام بني فلان أي موضع مقامهم جعله كما جعلناه نحن من أقام يقيم لا من قام يقوم و أما المحط فإنه كالمقتل موضع القتل يقال مقتل الرجل بين فكيه و يقال للأعضاء التي إذا أصيب الإنسان فيها هلك مقاتل و وجه المماثلة كونهما مضمومي العين
فصل في ذكر أمور غيبية أخبر بها الإمام ثم تحققت(8/43)
و اعلم أنه ع قد أقسم في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده أنهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم و بين القيامة إلا أخبرهم به و أنه ما صح من طائفة من الناس يهتدي بها مائة و تضل بها مائة إلا و هو مخبر لهم إن سألوه برعاتها و قائدها و سائقها و مواضع نزول ركابها و خيولها و من يقتل منها قتلا و من يموت منها موتا و هذه الدعوى ليست منه عليه ع ادعاء الربوبية و لا ادعاء النبوة و لكنه كان يقول إن رسول الله ص شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 48أخبره بذلك و لقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة كإخبا عن الضربة يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته و إخباره عن قتل الحسين ابنه ع و ما قاله في كربلاء حيث مر بها و إخباره بملك معاوية الأمر من بعده و إخباره عن الحجاج و عن يوسف بن عمر و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان و ما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم و صلب من يصلب و إخباره بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين و إخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص ع إلى البصرة لحرب أهلها و إخباره عن عبد الله بن الزبير و قوله فيه خب ضب يروم أمرا و لا يدركه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا و هو بعد مصلوب قريش و كإخباره عن هلاك البصرة بالغرق و هلاكها تارة أخرى بالزنج و هو الذي صحفه قوم فقالوا بالريح و كإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان و تنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزيق بتقديم المهملة و هم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين و ولده و إسحاق بن إبراهيم و كانوا هم و سلفهم دعاة الدولة العباسية و كإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر و الداعي و غيرهما
في قوله ع و إن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء دعاؤه حتى يقوم بإذن الله فيدعو إلى دين الله(8/44)
و كإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة و قوله إنه يقتل عند أحجار الزيت و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة يقتل بعد أن يظهر و يقهر بعد أن يقهر و قوله فيه أيضا يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته فيا بؤسا للرامي شلت يده و وهن عضده و كإخباره عن قتلى وج و قوله فيهم هم خير أهل الأرض و كإخباره عن المملكة العلوية بالغرب و تصريحه بذكر كتامة و هم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلم و كقوله و هو يشير إلى أبي عبد الله المهدي و هو أولهم ثم يظهر شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 49صاحب القيروان الغض البض ذو النسب المحض التجب من سلالة ذي البداء المسجى بالرداء و كان عبيد الله المهدي أبيض مترفا مشربا بحمرة رخص البدن تار الأطراف و ذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد ع و هو المسجى بالرداء لأن أباه أبا عبد الله جعفرا سجاه بردائه لما مات و أدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته و تزول عنهم الشبهة في أمره. و كإخباره عن بني بويه و قوله فيهم و يخرج من ديلمان بنو الصياد إشارة إليهم و كان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو و عياله بثمنه فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة و نشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم
و كقوله ع فيهم ثم يستشري أمرهم حتى يملكوا الزوراء و يخلعوا الخلفاء فقال له قائل فكم مدتهم يا أمير المؤمنين فقال مائة أو تزيد قليلا(8/45)
و كقوله فيهم و المترف ابن الأجذم يقتله ابن عمه على دجلة و هو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين و كان معز الدولة أقطع اليد قطعت يده للنكوص في الحرب و كان ابنه عز الدول بختيار مترفا صاحب لهو و شرب و قتله عضد الدولة فناخسرو ابن عمه بقصر الجص على دجلة في الحرب و سلبه ملكه فأما خلعهم للخلفاء فإن معز الدولة خلع المستكفي و رتب عوضه المطيع و بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع و رتب عوضه القادر و كانت مدة ملكهم كما أخبر به ع. و كإخباره ع لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى عن انتقال الأمر إلى أولاده فإن علي بن عبد الله لما ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى علي ع فأخذه و تفل في فيه شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 50و حنكه بتمرة قد لاكها و دفعه إليه و قال خذ إليك أبا الأملاك هكذا الرواية الصحيحة و هي التي ذكرها أبو العباس المبرد في كتاب الكامل و ليست رواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة و لا منقولة من كتاب معتمد عليه. و كم له من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاءه لكسرنا له كراريس كثيرة و كتب السير تشتمل عليها مشروحة. فإن قلت لما ذا غلا الناس في أمير المؤمنين ع فادعوا فيه الإلهية لإخباره عن الغيوب التي شاهدوا صدقها عيانا و لم يغلوا في رسول الله ص فيدعوا له الإلهية و أخباره عن الغيوب الصادقة قد سمعوها و علموها يقينا و هو كان أولى بذلك لأنه الأصل المتبوع و معجزاته أعظم و أخباره عن الغيوب أكثر قلت إن الذين صحبوا رسول الله ص و شاهدوا معجزاته و سمعوا أخباره عن الغيوب الصادقة عيانا كانوا أشد آراء و أعظم أحلاما و أوفر عقولا من تلك الطائفة الضعيفة العقول السخيفة الأحلام الذين رأوا أمير المؤمنين ع في آخر أيامه كعبد الله بن سبإ و أصحابه فإنهم كانوا من ركاكة البصائر و ضعفها على حال مشهورة فلا عجب عن مثلهم أن تستخفهم المعجزات فيعتقدوا في صاحبها أن الجوهر(8/46)
الإلهي قد حله لاعتقادهم أنه لا يصح من البشر هذا إلا بالحلول و قد قيل إن جماعة من هؤلاء كانوا من نسل النصارى و اليهود و قد كانوا سمعوا من آبائهم و سلفهم القول بالحلول في أنبيائهم و رؤسائهم فاعتقدوا فيه ع مثل ذلك و يجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملحدين أرادوا إدخال الإلحاد في دين الإسلام فذهبوا إلى ذلك و لو كانوا في أيام رسول الله ص لقالوا فيه مثل هذه المقالة إضلالا لأهل شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 51الإسلام و قصدا لإيقاع الشبهة في قلوبهم و لم ي في الصحابة مثل هؤلاء و لكن قد كان فيهم منافقون و زنادقة و لم يهتدوا إلى هذه الفتنة و لا خطر لهم مثل هذه المكيدة. و مما ينقدح لي من الفرق بين هؤلاء القوم و بين العرب الذين عاصروا رسول الله ص أن هؤلاء من العراق و ساكني الكوفة و طينة العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء و أصحاب النحل العجيبة و المذاهب البديعة و أهل هذا الإقليم أهل بصر و تدقيق و نظر و بحث عن الآراء و العقائد و شبه معترضة في المذاهب و قد كان منهم في أيام الأكاسرة مثل ماني و ديصان و مزدك و غيرهم و ليست طينة الحجاز هذه الطينة و لا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان و الغالب على أهل الحجاز الجفاء و العجرفية و خشونة الطبع و من سكن المدن منهم كأهل مكة و المدينة و الطائف فطباعهم قريبة من طباع أهل البادية بالمجاورة و لم يكن فيهم من قبل حكيم و لا فيلسوف و لا صاحب نظر و جدل و لا موقع شبهة و لا مبتدع نحلة و لهذا نجد مقالة الغلاة طارئة و ناشئة من حيث سكن علي ع بالعراق و الكوفة لا في أيام مقامه بالمدينة و هي أكثر عمره. فهذا ما لاح لي من الفرق بين الرجلين في المعنى المقدم ذكره(8/47)