اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ وَ التَّعْدَادِ الْكَثِيرِ إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ وَ إِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ اللَّهُمَّ فَقَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الآْدَمِيِّينَ وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّكَ وَ جُودُكَ فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 32التعداد مصدر و خير خبر مبتدإ محذوف تقديره فأنت خير مأمول. و معنى قوله قد بسطت لي أي قد آتيتني لسنا و فصاحة و سعة منطق فلا أمدح غيرك و لا أحمد سواك. و يعني بمعادن الخيبة البشر لأن مادحهم و مؤملهم يخيب في الأكثر و جعلهم مواضع ايبة لأنهم لا يوثق بهم في حال. و معنى قوله ع و قد رجوتك دليلا على ذخائر الرحمة و كنوز المغفرة أنه راج منه أن يدله على الأعمال التي ترضيه سبحانه و يستوجب بها منه الرحمة و المغفرة و كأنه جعل تلك الأعمال التي يرجو أن يدل عليها ذخائر للرحمة و كنوزا. و الفاقة الفقر و كذلك المسكنة. و ينعش بالفتح يرفع و الماضي نعش و منه النعش لارتفاعه و(8/28)


المن العطاء و النعمة و المنان من أسماء الله سبحانه
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 9133- و من كلام له ع لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان رضي الله عنهدَعُونِي وَ الْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ وَ إِنَّ الآْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَ الْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. وَ اعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَ لَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَ عَتْبِ الْعَاتِبِ وَ إِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ وَ لَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَ أَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً(8/29)


في أكثر النسخ لما اراده الناس على البيعة و وجدت في بعضها أداره الناس على البيعة فمن روى الأول جعل على متعلقة بمحذوف و تقديره موافقا و من روى الثاني جعلها متعلقة بالفعل الظاهر نفسه و هو أداره تقول أدرت فلانا على كذا و داورت فلانا على كذا أي عالجته. و لا تقوم له القلوب أي لا تصبر و أغامت الآفاق غطاها الغيم أغامت و غامت و أغيمت و تغيمت كله بمعنى و المحجة الطريق و تنكرت جهلت فلم تعرف و وزيرا و أميرا منصوبان على الحال. و هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره و يقولون إنه ع لم يكن منصوصا شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : عليه بالإمامة من جهة الرسول ص و إن كان أولى الناس بها و أحقهم بمنزلتها لأنه لو كان منصوصا عليه بالإمامة من جهة الرسول ع لما جاز له أن يقول دعوني و التمسوا غيري و لا أن يقول و لعلي أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم و لا أن يقول و أنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا و تحمله الإمامية على وجه آخر فيقولون إن الذين أرادوه على البيعة هم كانوا العاقدين بيعة الخلفاء من قبل و قد كان عثمان منعهم أو منع كثيرا منهم عن حقه من العطاء لأن بني أمية استأصلوا الأموال في أيام عثمان فلما قتل قالوا لعلي ع نبايعك على أن تسير فينا سيرة أبي بكر و عمر لأنهما كانا لا يستأثران بالمال لأنفسهما و لا لأهلهما فطلبوا من علي ع البيعة على أن يقسم عليهم بيوت الأموال قسمة أبي بكر و عمر فاستعفاهم و سألهم أن يطلبوا غيره ممن يسير بسيرتهما و قال لهم كلاما تحته رمز و هو قوله إنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول و إن الآفاق قد أغامت و المحجة قد تنكرت. قالوا و هذا كلام له باطن و غور عميق معناه الإخبار عن غيب يعلمه هو و يجهلونه هم و هو الإنذار بحرب المسلمين بعضهم لبعض و اختلاف الكلمة و ظهور الفتنة. و معنى قوله له وجوه و ألوان أنه موضع شبهة و تأويل فمن قائل يقول أصاب علي و من قائل يقول(8/30)


أخطأ و كذلك القول في تصويب محاربيه من أهل الجمل و صفين و النهروان و تخطئتهم فإن المذاهب فيه و فيهم تشعبت و تفرقت جدا. و معنى قوله الآفاق قد أغامت و المحجة قد تنكرت أن الشبهة قد استولت على العقول و القلوب و جهل أكثر الناس محجة الحق أين هي فأنا لكم وزيرا عن رسول الله ص أفتي فيكم بشريعته و أحكامه خير لكم مني أميرا محجورا عليه شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 35مدبرا بتدبيركم فإني أعلم أنه لا قدرة لي أن أسير فيكم بسيرة رسول الله ص في أصحابه مستقلا بالبير لفساد أحوالكم و تعذر صلاحكم. و قد حمل بعضهم كلامه على محمل آخر فقال هذا كلام مستزيد شاك من أصحابه يقول لهم دعوني و التمسوا غيري على طريق الضجر منهم و التبرم بهم و التسخط لأفعالهم لأنهم كانوا عدلوا عنه من قبل و اختاروا عليه فلما طلبوه بعد أجابهم جواب المتسخط العاتب. و حمل قوم منهم الكلام على وجه آخر فقالوا إنه أخرجه مخرج التهكم و السخرية أي أنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا فيما تعتقدونه كما قال سبحانه ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ أي تزعم لنفسك ذلك و تعتقده. و اعلم أن ما ذكروه ليس ببعيد أن يحمل الكلام عليه لو كان الدليل قد دل على ذلك فأما إذا لم يدل عليه دليل فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره و نحن نتمسك بالظاهر إلا أن تقوم دلالة على مذهبهم تصدنا عن حمل اللفظ عن ظاهره و لو جاز أن تصرف الألفاظ عن ظواهرها لغير دليل قاهر يصدف و يصد عنها لم يبق وثوق بكلام الله عز و جل و بكلام رسوله ع و قد ذكرنا فيما تقدم كيفية الحال التي كانت بعد قتل عثمان و البيعة العلوية كيف وقعت
فصل فيما كان من أمر طلحة و الزبير عند قسم المال(8/31)


و نحن نذكر هاهنا في هذه القصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتابه شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 36الذي نقض فيه كتاب العثمانية لشيخنا أبي عثمان فإن الذي ذكره لم نورده نحن فيما تقدم. قال أبو جعفر لما اجتمعت الصحابة في مسجد رسول الله ص بعد قتل عثمان للنظر أمر الإمامة أشار أبو الهيثم بن التيهان و رفاعة بن رافع و مالك بن العجلان و أبو أيوب الأنصاري و عمار بن ياسر بعلي ع و ذكروا فضله و سابقته و جهاده و قرابته فأجابهم الناس إليه فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي ع فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة و منهم من فضله على المسلمين كلهم كافة ثم بويع و صعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة و هو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة فحمد الله و أثنى عليه و ذكر محمدا فصلى عليه ثم ذكر نعمة الله على أهل الإسلام ثم ذكر الدنيا فزهدهم فيها و ذكر الآخرة فرغبهم إليها(8/32)

57 / 149
ع
En
A+
A-