شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 450أخراها أولاها ثم استطارت عقائقها و ارتعجت بوارقها و تعقعقت صواعقها ثم ارتعبت جوانبها و تداعت سواكبها و درت حوالبها فكانت للأرض طبقا شج فهضب و عم فأحسب فعل القيعان و ضحضح الغيطان و صوح الأضواج و أترع الشراج فالحمد لله الذي جعل كفاء إساءتنا إحسانا و جزاء ظلمنا غفرانا. قلت نوء الجبهة محمود عندهم للمطر و القزعة القطعة الصغيرة من السحاب و القرص الترس و العين ما عن يمين قبلة العراق و ترجل النهار انبساط الشمس و الأدهم أحد ليالي السرار و الأحضان النواحي و احمومت اسودت و بسق علا و العنان ما يعترض من السحاب في الأفق و انبعجت انفتقت و ذمرت حضت و العقائق البروق و ارتعجت اهتزت و ارتعدت و طبقا أي غطت الأرض و هضب جاء بالمطر دفعة فدفعة و أحسب كفى و عل القيعان سقاها مرة بعد أخرى و الغيطان جمع غائط و هو ما سفل من الأرض و صوح الأضواج هدم الأجواف و أترع الشراج ملأ المسيلات. و من ذلك ما رواه ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال سمعت أعرابيا من بني عامر يصف مطرا قال نشأ عند القصر بنوء الغفر حيا عارضا ضاحكا وامضا فكلا و لا ما كان حتى شجيت به أقطار الهواء و احتجبت به السماء ثم أطرق فاكفهر و تراكم فادلهم و بسق فازلأم ثم حدت به الريح فخر و البرق مرتعج و الرعد مبتوج و الحدج مبتعج فأثجم ثلاثا متحيرا هثهاثا أخلافه حاشكة و دفعه متواشكة و سوامه متعاركة ثم ودع منجما و أقلع متهما محمود البلاء مترع النهاء مشكور النعماء بطول ذي الكبرياء. قلت القصر العشي و الغفر من نجوم الأسد و الحيا الداني من الأرض. و قوله كلا و لا أي في زمان قصير جدا و شجيت به الأقطار صار كالشجى لها شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 451و ازلأم انتصب و المرتعج المتدارك و المبتوج العالي الصوت و الحدج السحاب أول ما ينشأ و يتبعج يشقق و أثجم دام متحيرا أي كأنه قد تحير لا وجه له يقصده و الهثهاث المداخل و أخلافه حاشكة(7/423)


أي ضروعة ممتلئة و دفعه متواشكة أي مسرعة و سوامه متعاركة شبه قطع السحاب بسوام الإبل و منجما مقلعا و متهما يسير نحو تهامة
الفصل الخامس في بيان أنه ع إمام أرباب صناعة البديع
و ذلك لأن هذا الفن لا يوجد منه في كلام غيره ممن تقدمه إلا ألفاظ يسيرة غير مقصودة و لكنها واقعة بالاتفاق كما وقع التجنيس في القرآن العزيز اتفاقا غير مقصود و ذلك نحو قوله يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ و كما وقعت المقابلة أيضا غير مقصودة في قوله وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ على أنها ليست مقابلة في المعنى بل من اللفظ خاصة و لما تأمل العلماء شعر إمرئ القيس و وجدوا فيه من الاستعارة بيتا أو بيتين نحو قوله يصف الليل
فقلت له لما تمطى بصلبه و أردف أعجازا و ناء بكلكل
و قوله
و إن يك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل(7/424)


و لم ينشدوا مثل ذلك في أشعار الجاهلية حكموا له بأنه إمام الشعراء و رئيسهم. و هذا الفصل من كلام أمير المؤمنين ع قد اشتمل من الاستعارة العجيبة و غيرها من أبواب البديع على ما لو كان موجودا في ديوان شاعر مكثر أو مترسل مكثر شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 452لكان مستحق التقديم بذلك أ لا تراه كيف وصف الأمواج بأنها مستفحلة و أنها ترغو رغاء فحول الإبل ثم جعل الماء جماحا ثم وصفه بالخضوع و جعل للأرض كلكلا و جعلها واطئة للماء به و وصف الماء بالذل و الاستخذاء لما جعل الأرض متمعكة عليه كما يتمعك الحمار أو الفرس و جعل لها كواهل و جعل للذل حكمة و جعل الماء في حكمة الذل منقادا أسيرا و ساجيا مقهورا و جعل الماء قد كان ذا نخوة و بأو و اعتلاء فردته الأرض خاضعا مسكينا و طأطأت من شموخ أنفه و سمو غلوائه و جعلها كاعمة له و جعل الماء ذا كظة بامتلائه كما تعتري الكظة المستكثر من الأكل ثم جعله هامدا بعد أن كانت له نزقات و لابدا بعد أن كانت له وثبات ثم جعل للأرض أكتافا و عرانين و أنوفا و خياشيم ثم نفى النوم عن وميض البرق و جعل الجنوب مارية درر السحاب ثم جعل للسحاب صدرا و بوانا ثم جعل الأرض مبتهجة مسرورة مزدهاة و جعل لها ريطا من لباس الزهور و سموطا تحلى بها فيا لله و للعجب من قوم زعموا أن الكلام إنما يفضل بعضه بعضا لاشتماله على أمثال هذه الصنعة فإذا وجدوا في مائه ورقة كلمتين أو ثلاثا منها أقاموا القيامة و نفخوا في الصور و ملئوا الصحف بالاستحسان لذلك و الاستظراف ثم يمرون على هذا الكلام المشحون كله بهذه الصنعة على ألطف وجه و أرصع وجه و أرشق عبارة و أدق معنى و أحسن مقصد ثم يحملهم الهوى و العصبية على السكوت عن تفضيله إذا أجملوا و أحسنوا و لم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه على أنه لا عجب فإنه كلام علي ع و حظ الكلام حظ المتكلم و أشبه امرأ بعض بزه(7/425)


شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 3الجزء السابعتتمة الخطب و الأوامر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل
تتمة خطبة 90
فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ ع خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ص حُجَّتُهُ وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَ نُذُرُهُ(8/1)


مهد أرضه سواها و أصلحها و منه المهاد و هو الفراش و مهدت الفراش بالتخفيف مهدا أي بسطته و وطأته و قوله خيرة من خلقه على فعلة مثل عنبة الاسم شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 4من قولك اختاره الله يقال محمد خيرة الله من خلقه و يجوز خيرة الله بالتسكين و الاختيار الاصاء. و الجبلة الخلق و منه قوله تعالى وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ و يجوز الجبلة بالضم و قرأ بها الحسن البصري و قرئ قوله سبحانه وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً على وجوه فقرأ أهل المدينة بالكسر و التشديد و قرأ أبو عمرو جبلا كثيرا مثل قفل و قرأ الكسائي جبلا كثيرا بضم الباء مثل حلم و قرأ عيسى بن عمر جبلا بكسر الجيم و قرأ الحسن و ابن أبي إسحاق جبلا بالضم و التشديد. قوله و أرغد فيها أكله أي جعل أكله و هو المأكول رغدا أي واسعا طيبا قال سبحانه وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما و تقرأ رغدا و رغدا بكسر الغين و ضمها و أرغد القوم أخصبوا و صاروا في رغد من العيش. قوله و أوعز إليه فيما نهاه عنه أي تقدم إليه بالإنذار و يجوز و وعز إليه بالتشديد توعيزا و يجوز التخفيف أيضا وعز إليه وعزا. و الواو في و أعلمه عاطفة على و أوعز لا على نهاه. قوله موافاة لسابق علمه لا يجوز أن ينتصب لأنه مفعول له و ذلك لأن المفعول له يكون عذرا و علة للفعل و لا يجوز أن يكون إقدام آدم على الشجرة لأجل الموافاة للعلم الإلهي السابق و لا يستمر ذلك على مذاهبنا بل يجب أن ينصب موافاة على شرح نهج البلاغة ج : 7 ص 5المصدرية المحضة كأنه قال فوافى بالمعصية موافاة و طابق بها سابق العلم مطابقة. قوله فأهبطه بعد التوبة قد اختلف الناس في ذلك فقال قوم بل أهبطه قبل التوبة ثم تاب عليه و هو في الأرض و قال قوم تاب قبل الهبوط و هو قول أمير المؤمنين ع و يدل عليه قوله تعالى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ(8/2)

51 / 149
ع
En
A+
A-