و الحلس الكساء الخفيف. و الزائغ العادل عن الطريق و الإخبات التذلل و الاستكانة و أبوابا ذللا أي سهلة وطيئة و منه دابة ذلول و تماجيده الثناء عليه بالمجد و المؤصرات المثقلات و الإصر الثقل. و تقول ارتحلت البعير أي ركبته و العقبة النوبة و الجمع عقب و معنى قوله و لم ترتحلهم عقب الليالي و الأيام أي لم تؤثر فيهم نوبات الليالي و الأيام و كرورها كما يؤثر ارتحال الإنسان البعير في ظهره و نوازعها شهواتها النازعة المحركة و روي نوازغها بالغين المعجمة من نزع بينهم أي أفسد. و لم تعترك الظنون أي لم تزدحم الظنون على يقينهم الذي عقدوه. و الإحن جمع إحنة و هي الحقد يقول لم تقدح قوادح الحقد في ضمائرهم. و ما لاق أي ما التصق و أثناء صدورهم جمع ثني و هي التضاعيف و الرين الدنس و الغلبة قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ. و تقترع من الاقتراع بالسهام بأن يتناوب كل من الوساوس عليها و يروى فيفترع بالفاء أي تعلو برينها فرعه أي علاه. و الغمام جمع غمامة و هي السحابة و الدلح الثقال جاء يدلح بجملة أي جاء مثقلا به و الجبال الشمخ العالية الشاهقة. و قوله في قترة الظلام أي سواده و الأيهم لا يهتدى فيه و منه شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 429فلاة يهماء و التخوم بضم التاء جمع تخم و هو منتهى الأرض أو القرية مثل فلس و فلوس و يروى تخوم بفتح التاء على أنها واحد و الجمع تخم مثل صبور و صبر. و ريح هفافة أي ساكنة طيبة يقول كان أقدامهم التي خرقت الهواء إلى حضيض الأرض رايات بيض تحتها ريح ساكنة ليست مضطربة فتموج تلك الرايات بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت
و جاء في الخبر أن لإسرافيل جناحين أحدهما في أقصى المشرق و الآخر في أقصى المغرب و أن العرش على كاهله و أنه ليتضاءل أحيانا لعظمة الله حتى يعود مثل الوضع و هو العصفور(7/403)


ثم قال قد استفرغتهم أشغال عبادته تعالى أي جعلتهم فارغين إلا منها و يروى و وسلت حقائق الإيمان بالسين المشددة يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة و الوسيلة ما يتقرب به و الجمع وسيل و وسائل و يقال وسلت إليه و توسلت إليه بمعنى. و سويداوات القلوب جمع سويداء و هي حبة القلب و الوشيجة في الأصل عرق الشجرة و هي هنا استعارة و حنيت ضلعي أي عوجتها و الربق جمع ربقة و هي الحبل. قوله و لم يتولهم الإعجاب أي لم يستول عليهم و الدءوب الجد و الاجتهاد و الأسلات جمع أسلة و هي طرف اللسان و مستدقه و الجؤار الصوت المرتفع و الهمس الصوت الخفي يقول ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة فيكون لأجلها أصواتهم المرتفعة خافية ساكنة لا تعدو من عدا عليه إذا قهره و ظلمه و هو هاهنا استعارة. و لا تنتضل الخدائع في هممهم استعارة أيضا من النضال و هو المراماة بالسهام و ذو العرش هو الله تعالى و هذه لفظة قرآنية قال سبحانه إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 430سَبِيلًا يعني لابتغوا إلى الله تعالى سبيلا و قال تعالى ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و الاستهتار مصدر استهتر فلان بكذا أي لازمه و أولع به. و قوله فينوا أي فيضعفوا وني يني و الجد الاجتهاد و الانكماش. ثم قال إنهم لا يستعظمون عبادتهم و لو أن أحدا منهم استعظم عبادته لأذهب خوفه رجاءه الذي يتولد من استعظام تلك العبادة يصفهم بعظم التقوى. و الاستحواذ الغلبة و الغل الحقد و تشعبتهم تقسمتهم و فرقتهم و منه قيل للمنية شعوب أي مفرقة و أخياف الهمم أي الهمم المختلفة و أصله من الخيف و هو كحل إحدى العينين دون الأخرى و منه المثل الناس أخياف أي مختلفون و الإهاب الجلد و الحافد المسرع و منه الدعاء اللهم إليك نسعى و نحفد. و اعلم أنه ع إنما كرر و أكد صفاتهم بما وصفهم به ليكون ذلك مثالا يحتذي عليه أهل العرفان من البشر فإن أعلى درجات البشر أن يتشبه بالملك(7/404)


و خلاصة ذلك أمور. منها العبادة القائمة. و منها ألا يدعى أحد لنفسه الحول و القوة بل لا حول و لا قوة. و منها أن يكون متواضعا ذا سكينة و وقار. و منها أن يكون ذا يقين لا تقدح فيه الشكوك و الشبهات. و منها ألا يكون في صدره إحنة على أحد من الناس. و منها شدة التعظيم و الهيبة لخالق الخلق تبارك اسمه. و منها أن تستفرغه أشغال العبادة له عن غيرها من الأشغال. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 431و منها أنه لا تتجاوز رغباته مما عند الله تعالى إلى ما عند غيره سبحانه. و منها أن يعقد ضميره و قلبه على محبة الله تعالى و يشرب بالكأس الروية من حبه. و منها عظم التقوى بحيث يأمن كل شي ء عدا الله و لا يهاب أحدا إلا الله. و منها الخشوع و الخضوع و الإخبت و الذل لجلال عزته سبحانه. و منها ألا يستكثر الطاعة و العمل و إن جل و عظم. و منها عظم الرجاء الواقع في مقابلة عظم الخوف فإن الله تعالى يحب أن يرجى كما يحب أن يخاف
أبحاث تتعلق بالملائكة(7/405)


و اعلم أنه يجب أن تعلم أبحاث متعددة تتعلق بالملائكة و يقصد فيها قصد حكاية المذهب خاصة و نكل الاحتجاج و النظر إلى ما هو مذكور في كتبنا الكلامية. البحث الأول في وجود الملائكة قال قوم من الباطنية السبيل إلى إثبات الملائكة هو الحس و المشاهدة و ذلك أن الملائكة عندهم أهل الباطن. و قالت الفلاسفة هي العقول المفارقة و هي جواهر مجردة عن المادة لا تعلق لها بالأجسام تدبيرا و احترزوا بذلك عن النفوس لأنها جواهر مفارقة إلا أنها تدبر الأبدان و زعموا أنهم أثبتوها نظرا. و قال أصحابنا المتكلمون الطريق إلى إثبات الملائكة الخبر الصادق المدلول على صدقه و في المتكلمين من زعم أنه أثبت الملائكة بطريق نظري و هو أنه لما وجد خلقا من طين وجب في العقل أن يكون في المخلوقات خلق من الهواء و خلق من النار فالمخلوق من الهواء هو الملك و المخلوق من النار الشيطان. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 432البحث الثاني في بنية الملائكة و هيئة تركيبهم قال أصحابنا المتكلمون أن الملائكة أجسام لطاف و ليسوا من لحم و دم و عظام كما خلق البشر من هذه الأشياء و قال أبو حفص المعود القرينسي من أصحابنا إن الملائكة من أجسام من لحم و عظم إنه لا فرق بينهم و بين البشر و إنما لم يروا لبعد المسافة بيننا و بينهم. و قد تبعه على هذا القول جماعة من معتزلة ما وراء النهر و هي مقالة ضعيفة لأن القرآن يشهد بخلافه في قوله وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ و قوله إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ فلو كانوا أجساما كثيفة كأجسامنا لرأيناهم. البحث الثالث في تكليف الملائكة حكى عن قوم من الحشوية أنهم يقولون إن الملائكة مضطرون الله جميع أفعالهم و ليسوا مكلفين. و قال جمهور أهل النظر إنهم مكلفون. و حكى عن أبي إسحاق النظام إنه قال إن قوما من المعتزلة قالوا إنهم جبلوا على الطاعة لمخالفة خلقهم خلقة المكلفين و أنهم قالوا لو(7/406)


كانوا مكلفين لم يؤمن أن يعصوا فيما أمروا به و قد قال تعالى لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. و قال قوم إن أكثر الملائكة مكلفون و إن فيهم من ليس بمكلف بل هو مسخر للملائكة المكلفين كما أن الحيوانات ما هو غير مكلف بل هو مسخر للبشر و مخلوق لمصالحهم. قالوا و لا ننكر أن يكون الملائكة الذين ذكر منهم أنهم غلظ الأجسام و عظم الخلق و التركيب بحيث تبلغ أقدامهم إلى قرار الأرض قد جعلوا عمدا للسموات و الأرض فهم شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 433يحملونها بمنزلة الأساطين التي تحمل السقوف العالية و لم يرشحوا لأمر من الأمور سوى ذلك. البحث الرابع فيما يجوز من الملائكة و ما لا يجوز قال شيخنا أبو القاسم حكى أبو الحسن الخياط عن قدماء المعتزلة أنه لا يجوز أن يعصي أحد من الملائكة و لم يذكر عنهم علة في ذلك. و قال قوم إنهم لا يعصون و لا يجوز أن يعصوا لأنهم غير مطيقين الشهوة و الغضب فلا داعي لهم إلى المعصية و الفاعل لا يفعل إلا بداع إلى الفعل. و قال قوم إنهم لا يعصون لأنهم يشاهدون من عجائب صنع الله و آثار هيبته ما يبهرهم عن فعل المعصية و القصد إليها و كذلك قال تعالى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. و قال قوم إنما لم يجز أن يعصوا لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم لا يعصون و لا ينكر مع ذلك أن يكون منهم من يتغير حاله و يتبدل بها حالة أخرى و يعصي على ما ورد من خبر الملكين ببابل و خبر إبليس و إنما يسلب عنهم المعصية ما داموا على حالهم التي هي عليها. و قال شيوخنا أصحاب أبي هاشم رحمه الله تعالى إن المعصية تجوز عليهم كما تجوز علينا إلا أن الله تعالى علم أن لهم ألطافا يمتنعون معها من القبيح لفعلها فامتنعوا من فعل القبيح اختيارا فكانت حالهم كحال الأنبياء من البشر يقدرون على المعصية و لا يفعلونها(7/407)

47 / 149
ع
En
A+
A-