شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 419وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ السَّمَاءِ وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ وَ أَمْرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابِ بِمَقَادِيرِهِمَا ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا(7/393)
الرهوات جمع رهوة و هي المكان المرتفع و المنخفض أيضا يجتمع فيه ماء المطر و هو من الأضداد و الفرج جمع فرجة و هي المكان الخالي و لاحم ألصق و الصدع الشق و وشج بالتشديد أي شبك و وشجت العروق و الأغصان بالتخفيف اشتبكت و بيننا رحم واشجة أي مشتبكة. و أزواجها أقرانها و أشباهها قال تعالى وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً أي أصنافا ثلاثة. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 420و الحزونة ضد السهولة و أشراجها جمع شرج و هو عرا العيبة و أشرجت العيبة أي أقفلت أشراجها و تسمى مجرة السماء شرجا تشبيها بشرج العيبة و أشراج الوادي ما انفسح منه و اتسع. و الارتتاق الارتتاج و النقاب جمع نقب و هو الطريق في الجبل و تمور تتحرك و تذهب و تجي ء قال تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً و الأيد القوة و ناط بها علق و الدراري الكواكب المضيئة نسبت إلى الدر لبياضها واحدها دري و يجوز كسر الدال مثل بحر لجي و لجي. و الثواقب المضيئات و تقول افعل ما أمرتك على أذلاله أي على وجهه و دعه في أذلاله أي على حاله و أمور الله جارية على أذلالها أي على مجاريها و طرقها. يقول ع كانت السماء أول ما خلقت غير منتظمة الأجزاء بل بعضها أرفع و بعضها أخفض فنظمها سبحانه فجعلها بسيطا واحدا نظما اقتضته القدرة الإلهية من غير تعليق أي لا كما ينظم الإنسان ثوبا مع ثوب أو عقدا مع عقد بالتعليق و الخياطة و ألصق تلك الفروج و الشقوق فجعلها جسما متصلا و سطحا أملس لا نتوات فيه و لا فرج و لا صدوع بل جعل كل جزء منها ملتصقا بمثله و ذلل للملائكة الهابطين بأمره و الصاعدين بأعمال خلقه لأنهم الكتبة الحافظون لها حزونة العروج إليها و هو الصعود. ثم قال و ناداها بعد إذ هي روي بإضافة بعد إلى إذ و روي بضم بعد أي و ناداها بعد ذلك إذ هي دخان و الأول أحسن و أصوب لأنها على الضم تكون دخانا بعد نظمه رهوات فروجها و ملاحمة صدوعها و الحال تقتضي أن دخانها قبل ذلك لا بعده.(7/394)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 421فإن قلت ما هذا النداء قلت هو قوله ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فهو أمر في اللفظ و نداء في المعنى و هو على الحقيقة كناية عن سرعة الإبداع ثم قال و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها هذا صريح في أن للسماء أبوابا و كذلك قوله على نقابها و هو مطابق لقوله سبحانه و تعالى لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ و القرآن العظيم و كلام هذا الإمام المعظم أولى بالاتباع من كلام الفلاسفة الذين أحالوا الخرق على الفلك و أما إقامة الرصد من الشهب الثواقب فهو نص القرآن العزيز وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً و القول بإحراق الشهب للشياطين اتباعا لنص الكتاب أولى من قول الفلاسفة الذين أحالوا الانقضاض على الكواكب. ثم قال و أمسكها على الحركة بقوته و أمرها بالوقوف فاستمسكت و وقفت ثم ذكره الشمس و القمر تذكرة مأخوذ من قول الله تعالى وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً. ثم ذكر الحكم في جريان الشمس و القمر في مجراهما تذكرة مأخوذ من قوله تعالى وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها و قوله وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ و قوله وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ.(7/395)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 422ثم قال ثم علق في جوها فلكها و هذا يقتضي أن الفلك غير السماء و هو خلاف قول الجمهور و قد قال به قائلون و يمكن أن نفسر ذلك إذا أردنا موافقة قول الجمهور بأنه أراد بالفلك دائرة معدل النهار فإنها الدائرة العظمى في الفلك الأعظم و هي في الاصطلاح النظري تسمى فلكا. ثم ذكر أنه زين السماء الدنيا بالكواكب و أنها رجوم لمسترقي السمع و هو مأخوذ من قوله تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ. ثم شرح حال الدنيا فقال من ثبات ثابتها يعني الكواكب التي في كرة البروج و مسير سائرها يعني الخمسة و النيرين لأنها سائرة دائما. ثم قال و صعودها و هبوطها و ذلك أن للكواكب السيارة صعودا في الأوج و هبوطا في الحضيض فالأول هو البعد الأبعد عن المركز و الثاني البعد الأقرب. فإن قلت ما باله ع قال و نحوسها و سعودها و هو القائل لمن أشار عليه ألا يحارب في يوم مخصوص المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار. قلت إنه ع إنما أنكر في ذلك القول على من يزعم أن النجوم مؤثرة في الأمور الجزئية كالذين يحكمون لأرباب المواليد و عليهم و كمن يحكم في حرب أو سلم أو سفر أو مقام بأنه للسعد أو النحس و أنه لم ينكر على من قال إن النجوم تؤثر سعودا و نحوسا في الأمور الكلية نحو أن تقتضي حرا أو بردا أو تدل على مرض عام شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 423أو قحط عام أو مطر دائم و نحو ذلك من الأمور التي لا تخص إنسانا بعينه و قد قدمنا في ذلك الفصل ما يدل على تصويب هذا الرأي و إفساد ما عداه(7/396)
وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَى بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا. وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الآْثَامِ وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ(7/397)