خواطر مستندها الوهم لا العقل الصريح و ذلك لأن الوهم قد ألف الحسيات و المحسوسات فهو يعقل خواطر بحسب ما ألفه من ذلك و جلال واجب الوجود أعلى و أعظم من أن يتطرق الوهم نحوه لأنه بري ء من المحسوسات سبحانه و أما العقل الصريح فلا يدرك خصوصية ذاته لما تقدم. و اعلم أن قوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ فيه إشارة إلى هذا المعنى و كذلك قوله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ ءٍ مِنْ عِلْمِهِ
الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَظَهَرَتْ فِي الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنَعْتِهِ وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ(7/383)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 411المساك بكسر الميم ما يمسك و يعصم به. و قوله ابتدع الخلق على غير مثال امتثله يحتمل وجهين أحدهما أن يريد بامتثله مثله كما تقول صنعت و اصطنعت بمعنى فيكون التقدير أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ثم احتذى ذلك المثال و ركب العالم على حسب ترتيبه كالصانع الذي يصوغ حلقة من رصاص مثالا ثم يصوغ حلقة من ذهب عليها و كالبناء يقدر و يفرض رسوما و تقديرات في الأرض و خطوطا ثم يبنى بحسبها. و الوجه الثاني أنه يريد بامتثله احتذاه و تقبله و اتبعه و الأصل فيه امتثال الأمر في القول فنقل إلى احتذاء الترتيب العقلي فيكون التقدير أنه لم يمثل له فاعل آخر قبله مثالا اتبعه و احتذاه و فعل نظيره كما يفعل التلميذ في الصباغة و النجارة شيئا قد مثل له أستاذه صورته و هيئته. و اعلم أن هذا أحد الأسئلة التي يذكرها أصحابنا في باب كونه عالما لأنهم لما استدلوا على كونه تعالى عالما بطريق إحكام العلم و إتقانه سألوا أنفسهم فقالوا لم لا يجوز أن يكون القديم سبحانه أحدث العالم محتذيا لمثال مثله و هيئة اقتضاها و المحتذي لا يجب كونه عالما بما يفعله أ لا ترى أن من لا يحسن الكتابة قد يحتذي خطا مخصوصا فيكتب قريبا منه و كذلك من يطبع الشمع بالخاتم ثم يطبع فيه مثال الخاتم فهو فعل الطابع و لا يجب كونه عالما. و أجاب أصحابنا عن ذلك فقالوا إن أول فعل محكم وقع منه ثم احتذى عليه يكفي في ثبوت كونه عالما و أيضا فإن المحتذي ليست العالمية بمسلوبة عنه بل موصوف بها شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 412أ لا ترى أنه متصور صورة ما يحتذيه ثم يوقع الفعل مشابها له فالمحتذي عالم في الجملة و لكن علمه يحدث شيئا فشيئا. فأما معنى الفصل فظاهر يقول ع إنه ابتدع الخلق على غير مثال قدمه لنفسه و لا قدم له غيره ليحتذى عليه و أرانا من عجائب صنعته و من اعتراف الموجودات كلها بأنها فقيرة محتاجة إلى أن يمسكها بقوته ما دلنا على(7/384)


معرفته ضرورة و في هذا إشارة إلى أن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر و لما كانت الموجودات كلها غيره سبحانه ممكنة لم تكن غنية عنه سبحانه بل كانت فقيرة إليه لأنها لولاه ما بقيت فهو سبحانه غني عن كل شي ء و لا شي ء من الأشياء مطلقا بغني عنه سبحانه و هذه من خصوصية الإلهية و أجل ما تدركه العقول من الأنظار المتعلقة بها. فإن قلت في هذا الكلام إشعار بمذهب شيخكم أبي عثمان في أن معرفته تعالى ضرورية. قلت يكاد أن يكون الكلام مشعرا بذلك إلا أنه غير دال عليه لأنه لم يقل ما دلنا على معرفته باضطرار و لكن قال ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته فالاضطرار راجع إلى قيام الحجة لا إلى المعرفة. ثم قال ع و ظهرت آثار صنعته و دلائل حكمته في مخلوقاته فكانت و هي صامتة في الصورة ناطقة في المعنى بوجوده و ربوبيته سبحانه و إلى هذا المعنى نظر الشاعر فقال
فو عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحدو في كل شي ء له آية تدل على أنه واحد
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 413و قال في تفسير قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنه عبارة عن هذا المعنى(7/385)


فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤُ التَّابِعِينَ عَنِ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ ساَوَاكَ بِشَيْ ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ وَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا مَحْدُوداً مُصَرَّفاً(7/386)


حقاق المفاصل جمع حقة و جاء في جمعها حقاق و حقق و حق و لما قال بتباين أعضاء خلقك و تلاحم حقاق مفاصلهم فأوقع التلاحم في مقابلة التباين صناعة و بديعا و روي شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 414المحتجة فمن قال المحتجة أراد أنها بما فيها من لطيف الصنعة كالمحتجة المستدلة على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه و من قال المحتجبة أراد المستترة لأن تركيبها الباطن خفي محجوب. و الند المثل و العادلون بك الذين جعلوا لك عديلا و نظيرا و نحلوك أعطوك و هي النحلة و روي لم يعقد على ما لم يسم فاعله. و غيب ضميره بالرفع و القرائح جمع قريحة و هي القوة التي تستنبط بها المعقولات و أصله من قريحة البئر و هو أول مائها. و معنى هذا الفصل أنه ع شهد بأن المجسم كافر و أنه لا يعرف الله و أن من شبه الله بالمخلوقين ذوي الأعضاء المتباينة و المفاصل المتلاحمة لم يعرفه و لم يباشر قلبه اليقين فإنه لا ند له و لا مثل ثم أكد ذلك بآيات من كتاب الله تعالى و هي قوله تعالى فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ حكى سبحانه حكاية قول الكفار في النار و هم التابعون للذين أغووهم من الشياطين و هم المتبوعون لقد كنا ضالين إذ سويناكم بالله تعالى و جعلناكم مثله و وجه الحجة أنه تعالى حكى ذلك حكاية منكر على من زعم أن شيئا من الأشياء يجوز تسويته بالباري سبحانه فلو كان الباري سبحانه جسما مصورا لكان مشابها لسائر الأجسام المصورة فلم يكن لإنكاره على من سواه بالمخلوقات معنى. ثم زاد ع في تأكيد هذا المعنى فقال كذب العادلون بك المثبتون لك نظيرا و شبيها يعنى المشبهة و المجسمة إذ قالوا إنك على صورة آدم فشبهوك بالأصنام التي شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 415كانت الجاهلية تعبدها و أعطوك حلية المخلوقين لما اقتضت(7/387)

43 / 149
ع
En
A+
A-