و لا شك أن ماهية الموصوف مغايرة لماهية الصفات و الذوات المحسوسة بخلاف ذلك لأنا إذا رأينا السواد فقد علمنا نفس حقيقة السواد لا صفة من صفات السواد و أيضا فإنا لو قدرنا أن العلم بوجوده و صفاته السلبية و الإيجابية يستلزم العلم بذاته من حيث هي هي لم يكن عالما بذاته علما جزئيا لأنه يمكن أن يصدق هذا العلم على كثيرين على سبيل البدل و إذا ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل البدل ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل الجمع و العلم بالمحسوس يستحيل أن يصدق على كثيرين لا على سبيل الجمع و لا على سبيل البدل فقد بان أنه يستحيل أن يعلم الله تعالى كما يعلم الشي ء المرئي عيانا فأمير المؤمنين ع أنكر هذا السؤال كما أنكره الله تعالى على بني إسرائيل لما طلبوا الرؤية قال تعالى وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ.(7/378)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 406ثم قال للسائل بعد غضبه و استحالة لونه و ظهور أثر الإنكار عليه ما دلك القرآن عليه من صفته فخذ به فإن لم تجده في الكتاب فأطلبه من السنة و من مذاهب أئمة الحق فإن لم تجد ذلك فاعلم أن الشيطان حينئذ قد كلفك علم ما لم يكلفك الله علمه و هذا حق لأن الكتاب و السنة قد نطقا بصفات الله من كونه عالما قادرا حيا مريدا سميعا بصيرا و نطقا أيضا بتنزيهه عن سمات الحدوث كالجسمية و الحلول و الجهة و ما استلزم الجهة كالرؤية فلا إنكار على من طلب في مدارك العقول وجوها تعضد ما جاء به القرآن و السنة و توفق بين بعض الآيات و بعض و تحمل أحد اللفظين على الآخر إذا تناقضا في الظاهر صيانة لكلام الحكيم عن التهافت و التعارض و أما ما لم يأت الكتاب و السنة فيه بشي ء فهو الذي حرم و حظر على المكلفين الفكر فيه كالكلام في الماهية التي يذهب ضرار المتكلم إليها و كإثبات صفات زائدة على الصفات المعقولة لذات البارئ سبحانه و هي على قسمين أحدهما ما لم يرد فيه نص كإثبات طائفة تعرف بالماتريدية صفة سموها التكوين زائدة على القدرة و الإرادة. و الثاني ما ورد فيه لفظ فأخطأ بعض أهل النظر فأثبت لأجل ذلك اللفظة صفة غير معقولة للبارئ سبحانه نحو قول الأشعريين إن اليدين صفة من صفات الله و الاستواء على العرش صفة من صفات الله و إن وجه الله صفة من صفاته أيضا ثم قال إن الراسخين في العلم الذين غنوا بالإقرار بما عرفوه عن الولوج و التقحم فيما لم يعرفوه و هؤلاء هم أصحابنا المعتزلة لا شبهة في ذلك أ لا ترى أنهم يعللون أفعال الله تعالى بالحكم و المصالح فإذا ضاق عليهم الأمر في تفصيل بعض المصالح في بعض المواضع قالوا نعلم على الجملة أن لهذا وجه حكمة و مصلحة و إن كنا لا نعرف تفصيل تلك المصلحة كما يقولون في تكليف من يعلم الله تعالى منه أنه يكفر و كما يقولون في اختصاص الحال التي حدث فيها العالم بحدوثه دون ما قبلها و ما(7/379)


بعدها. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 407و قد تأول القطب الراوندي كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل فقال إنما أنكر على من يقول لم تعبد الله المكلفين بإقامة خمس صلوات و هلا كانت ستا أو أربعا و لم جعل الظهر أربع ركعات و الصبح ركعتين و هلا عكس الحال و هذا التأويل غير صحيح لأنه ع إنما أخرج هذا الكلام مخرج المنكر على من سأله أن يصف له البارئ سبحانه و لم يكن السائل قد سأل عن العلة في أعداد الصلاة و كمية أجزاء العبادات. ثم إنه ع قد صرح في غضون الكلام بذلك فقال فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به و ما لم يدلك عليه فليس عليك أن تخوض فيه و هذا الكلام تصريح بأن البحث إنما هو في النظر العقلي في فن الكلام فلا يجوز أن يحمل على ما هو بمعزل عنه. و اعلم أننا نتساهل في ألفاظ المتكلمين فنوردها بعباراتهم كقولهم في المحسوسات و الصواب المحسات لأنه لفظ المفعول من أحس الرباعي لكنا لما رأينا العدول عن ألفاظهم إذا خضنا في مباحثهم مستهجنا عبرنا بعبارتهم على علم منا أن العربية لا تسوغها
هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطْرِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِهِ(7/380)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 408ارتمت الأوهام أي ترامت يقال ارتمى القوم بالنبل أي تراموا فشبه جولان الأوهام و الأفكار و تعارضها بالترامي. و خطر الوساوس بتسكين الطاء مصدر خطر له خاطر أي عرض في قلبه و روي من خطرات الوساوس. و تولهت القلوب إليه اشتد عشقها حتى أصابها الوله و هو الحيرة. و قوله لتجري في كيفية صفاته أي لتصادف مجرى و مسلكا في ذلك و غمضت مداخل العقول أي غمض دخولها و دق في الأنظار العميقة التي لا تبلغ الصفات كنهها لدقتها و غموضها طالبة أن تنال معرفته تعالى. و لفظة ذات لفظة قد طال فيها كلام كثير من أهل العربية فأنكر قوم إطلاقها على الله تعالى و إضافتها إليه أما إطلاقها فلأنها لفظة تأنيث و البارئ سبحانه منزه عن الأسماء و الصفات المؤنثة و أما إضافتها فلأنها عين الشي ء و الشي ء لا يضاف إلى نفسه و أجاز آخرون إطلاقها في البارئ تعالى و إضافتها إليه أما استعمالها فلوجهين أحدهما أنها قد جاءت في الشعر القديم قال خبيب الصحابي عند صلبه
و ذلك في ذات الإله و إن يشأ يبارك على أوصال شلو موزع
و يروى ممزع و قال النابغة
محلتهم ذات الإله و دينهم قديم فما يخشون غير العواقب(7/381)


و الوجه الثاني أنها لفظة اصطلاحية فجاز استعمالها لا على أنها مؤنث ذو بل تستعمل شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 409ارتجالا في مسماها الذي عبر عنه بها أرباب النظر الإلهي كما استعملوا لفظ الجوهر و العرض و غيرهما في غير ما كان أهل العربية و اللغة يستعملونها فيه. و أما منعهم إضافتها إليه تعالى و أنه لا يقال ذاته لأن الشي ء لا يضاف إلى نفسه فباطل بقولهم أخذته نفسه و أخذته عينه فإنه بالاتفاق جائز و فيه إضافة الشي ء إلى نفسه. ثم نعود إلى التفسير قوله ع ردعها أي كفها و تجوب أي تقطع و المهاوي المهالك الواحدة مهواه بالفتح و هي ما بين جبلين أو حائطين و نحو ذلك و السدف جمع سدفة و هي القطعة من الليل المظلم و جبهت أي ردت و أصله من جبهته أي صككت جبهته و الجور العدول عن الطريق و الاعتساف قطع المسافة على غير جادة معلومة. و خلاصة هذا الفصل أن العقول إذا حاولت أن تدرك متى ينقطع اقتداره على المقدرات نكصت عن ذلك لأنه قادر أبدا دائما على ما لا يتناهى و إذا حاول الفكر الذي قد صفا و خلا عن الوساوس و العوائق أن يدرك مغيبات علمه تعالى كل و حسر و رجع ناقصا أيضا و إذا اشتد عشق النفوس له و تولهت نحوه لتسلك مسلكا تقف منه على كيفية صفاته عجزت عن ذلك و إذا تغلغلت العقول و غمضت مداخلها في دقائق العلوم النظرية الإلهية التي لا توصف لدقتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته تعالى انقطعت و أعيت و ردها سبحانه و تعالى و هي تجول و تقطع ظلمات الغيب لتخلص إليه فارتدت حيث جبهها و ردعها مقرة معترفة بأن إدراكه و معرفته لا تنال باعتساف المسافات التي بينها و بينه و إن أرباب الأفكار و الرويات يتعذر عليهم أن يخطر لهم خاطر يطابق ما في الخارج من تقدير جلال عزته و لا بد من أخذ هذا القيد في الكلام لأن أرباب الأنظار شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 410لا بد أن تخطر لهم الخواطر في تقدير جلال عزته و لكن تلك الخواطر لا تكون مطابقة لها في الخارج لأنها(7/382)

42 / 149
ع
En
A+
A-