إياه و أما البارئ سبحانه فإن جوده ليس على هذا المنهاج لأن جوده عام في جميع الأحوال. ثم ذكر أن وجوده تعالى ليس بزماني فلا يطلق عليه البعدية و القبلية كما يطلق على الزمانيات و إنما لم يكن وجوده زمانيا لأنه لا يقبل الحركة و الزمان من لواحق الحركة و إنما لم تطلق عليه البعدية و القبلية إذ لم يكن زمانيا لأن قولنا في الشي ء إنه بعد الشي ء الفلاني أي الموجود في زمان حضر بعد تقضي زمان ذلك الشي ء الفلاني و قولنا في الشي ء إنه قبل الشي ء الفلاني أي إنه موجود في زمان حضر و لم يحضر زمان ذلك الشي ء الفلاني بعد فما ليس في الزمان ليس يصدق عليه القبل و البعد الزمانيان فيكون تقدير الكلام على هذا الأول الذي لا يصدق عليه القبلية الزمانية ليمكن أن يكون شي ء ما قبله و الآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ليمكن أن يكون شي ء ما بعده. و قد يحمل الكلام على وجه آخر أقرب متناولا من هذا الوجه و هو أن يكون أراد الذي لم يكن محدثا أي موجودا قد سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشي ء من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه و أنه ليس بذات يمكن فناؤها و عدمها فيما لا يزال فيقال إنه ينقضي و ينصرم و يكون بعده شي ء من الأشياء إما الزمان أو غيره و الوجه الأول أدق و ألطف و يؤكد كونه مرادا قوله عقيبه ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال و ذلك لأن واجب الوجود أعلى من الدهر و الزمان فنسبة ذاته إلى الدهر و الزمان بجملته و تفصيل أجزائه نسبة متحدة.(7/373)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 401فإن قلت إذا لم يكن قبل الأشياء بالزمان و لا بعدها بالزمان فهو معها بالزمان لأنه لا يبقى بعد نفي القبلية و البعدية إلا المعية. قلت إنما يلزم ذلك فيما وجوده زماني و أما ما ليس زمانيا لا يلزم من نفي القبلية و البعدية إثبات المعية كما أنه ما لم يكن وجوده مكانيا لم يلزم من نفي كونه فوق العالم أو تحت العالم بالمكان أن يكون مع العالم بالمكان. ثم قال الرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه الأناسي جمع إنسان و هو المثال الذي يرى في السواد و هذا اللفظ بظاهره يشعر بمذهب الأشعرية و هو قولهم إن الله تعالى خلق في الأبصار مانعا عن إدراكه إلا أن الأدلة العقلية من جانبنا اقتضت تأويل هذا اللفظ كما تأول شيوخنا قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ فقالوا إلى جنة ربها فنقول تقديره الرادع أناسي الأبصار أن تنال أنوار جلالته. فإن قلت أ تثبتون له تعالى أنوارا يمكن أن تدركها الأبصار و هل هذا إلا قول بالتجسيم. قلت كلا لا تجسيم في ذلك فكما أن له عرشا و كرسيا و ليس بجسم فكذلك أنوار عظيمة فوق العرش و ليس بجسم فكيف تنكر الأنوار و قد نطق الكتاب العزيز بها في غير موضع كقوله وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها و كقوله مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 402
وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وَ ضَحِكْتَ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالَ السَّائِلِينَ وَ لَا يُبَخِّلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ(7/374)


هذا الكلام من تتمة الكلام الأول و هو قوله لا يفره المنع و لا يكديه الإعطاء و الجود و تنفست عنه المعادن استعارة كأنها لما أخرجته و ولدته كانت كالحيوان يتنفس فيخرج من صدره و رئته الهواء. و ضحكت عنه الأصداف أي تفتحت عنه و انشقت يقال للطلع حين ينشق الضحك بفتح الضاد و إنما سمي الضاحك ضاحكا لأنه يفتح فاه و الفلز اسم الأجسام الذائبة كالذهب و الفضة و الرصاص و نحوها و اللجين اسم الفضة جاء مصغرا كالكميت و الثريا و العقيان الذهب الخالص و يقال هو ما ينبت نباتا و ليس مما يحصل من الحجارة و نثارة الدر ما تناثر منه كالسقاطة و النخالة و تأتي فعالة تارة للجيد المختار و تارة للساقط المتروك فالأول نحو الخلاصة و الثاني نحو القلامة. و حصيد المرجان كأنه أراد المتبدد منه كما يتبدد الحب المحصود و يجوز أن يعنى به الصلب المحكم من قولهم شي ء مستحصد أي مستحصف مستحكم يعنى أنه ليس برخو و لا هش و يروى و حصباء المرجان و الحصباء الحصى و أرض حصبة و محصبة شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 403بالفتح ذات حصباء و المرجان صغار اللؤلؤ و قد قيل إنه هذا الحجر و استعمله بعض المتأخرين فقال
أدمى لها المرجان صفحة خده و بكى عليها اللؤلؤ المكنون
و تنفده تفنيه نفد الشي ء أي فني و أنفدته أنا و مطالب الأنام جمع مطلب و هو المصدر من طلبت الشي ء طلبا و مطلبا. و يغيضه بفتح حرف المضارعة ينقصه و يقال غاض الماء فهذا لازم و غاض الله الماء فهذا متعد و جاء أغاض الله الماء. و الإلحاح مصدر ألح على الأمر أي أقام عليه دائما من ألح السحاب إذا دام مطره و ألح البعير حرن كما تقول خلأت الناقة و روي و لا يبخله بالتخفيف تقول أبخلت زيدا أي صادفته بخيلا و أجبنته وجدته جبانا. و في هذا الفصل من حسن الاستعارة و بديع الصنعة ما لا خفاء به(7/375)


فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ص وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ فَمَدَحَ اللَّهُ شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 404اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ وَ لَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ(7/376)


تقول ائتم فلان بفلان أي جعله إماما و اقتدى به فكل علمه من وكله إلى كذا وكلا و وكولا و هذا الأمر موكول إلى رأيك و الاقتحام الهجوم و الدخول مغالبة و السدد المضروبة جمع سدة و هي الرتاج. و اعلم أن هذا الفصل يمكن أن تتعلق به الحشوية المانعون من تأويل الآيات الواردة في الصفات القائلين بالجمود على الظواهر و يمكن أيضا أن يتعلق به من نفى النظر و حرمه أصلا و نحن قبل أن نحققه و نتكلم فيه نبدأ بتفسير قوله تعالى وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فنقول إن من الناس من وقف على قوله إِلَّا اللَّهُ و منهم من لم يقف على ذلك و هذا القول أقوى من الأول لأنه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله لم يكن في إنزاله و مخاطبة المكلفين به فائدة بل يكون كخطاب العربي بالزنجية و معلوم أن ذلك عيب قبيح. فإن قلت فما الذي يكون موضع يَقُولُونَ من الإعراب. قلت يمكن أن يكون نصبا على أنه حال من الراسخين و يمكن أن يكون كلاما مستأنفا أي هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 405و قد روي عن ابن عباس أنه تأول آية فقال قائل من الصحابة وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ فقال ابن عباس وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و أنا من جملة الراسخين. ثم نعود إلى تفسير كلام أمير المؤمنين ع فنقول إنه غضب و تغير وجهه لقول السائل صف لنا ربنا مثل ما نراه عيانا و إذا هذا المعنى ينصرف وصية له بما أوصاه به من اتباع ما جاء في القرآن و السنة و ذلك لأن العلم الحاصل من رؤية الشي ء عيانا علم لا يمكن أن يتعلق مثله بالله سبحانه لأن ذاته تعالى لا يمكن أن تعلم من حيث هي هي كما تعلم المحسوسات أ لا ترى أنا إذا علمنا أنه صانع العالم و أنه قادر عالم حي سميع بصير مريد و أنه ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض و علمنا جميع الأمور السلبية و الإيجابية المتعلقة به فإنما علمنا سلوبا و إضافات(7/377)

41 / 149
ع
En
A+
A-