آثارهم يمكن أن يعنى به آثار وطئهم في الأرض إيذانا بأنه تعالى عالم بكل معلوم شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 395كما آذن قوله سبحانه وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها بذلك و يمكن أن يعنى به حركاتهم و تصرفاتهم. و روي و عدد أنفاسهم على الإضافة. و خائنالأعين ما يومئ به مسارقة و خفية و مستقرهم أي في الأرحام و مستودعهم أي في الأصلاب و قد فسر ذلك فتكون من متعلقة بمستودعهم و مستقرهم على إرادة تكررها و يمكن أن يقال أراد مستقرهم و مأواهم على ظهر الأرض و مستودعهم في بطنها بعد الموت و تكون من هاهنا بمعنى مذ أي مذ زمان كونهم في الأرحام و الظهور إلى أن تتناهى بهم الغايات أي إلى أن يحشروا في القيامة و على التأويل الأول يكون تناهي الغايات بهم عبارة عن كونهم أحياء في الدنيا
هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَ اتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ وَ مُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ وَ مُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ وَ غَالِبُ مَنْ عَادَاهُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ وَ مَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ وَ مَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ وَ مَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ عِبَادَ اللَّهِ زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا وَ حَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا وَ تَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ وَ انْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَ زَاجِرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لَا زَاجِرٌ وَ لَا وَاعِظٌ(7/368)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 396يجوز نقمة و نقمة مثل كلمة و كلمة و لبنة و لبنة و معنى الكلام أنه مع كونه واسع الرحمة في نفس الأمر و أنه أرحم الراحمين فإنه شديد النقمة على أعدائه و مع كونه عظيم النقمة في نفس الأمر و كونه شديد العقاب فإنه واسع الرحمة لأوليائو عازه أي غالبه و عزه أي غلبه و منه وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ و في المثل من عز بز أي من غلب سلب و المدمر المهلك دمره و دمر عليه بمعنى أي أهلكه و شاقه عاداه قيل إن أصله من الشق و هو النصف لأن المعادي يأخذ في شق و المعادي في شق يقابله و ناواه أي عاداه و اللفظة مهموزة و إنما لينها لأجل القرينة السجعية و أصلها ناوأت الرجل مناوأة و نواء و يقال في المثل إذا ناوأت الرجل فاصبر. قوله زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا من الكلام الفصيح النادر اللطيف يقول اعتبروا أعمالكم و أنتم مختارون قادرون على استدراك الفارط قبل أن يكون هذا الاعتبار فعل غيركم و أنتم لا تقتدرون على استدراك الفارط و مثله قوله و حاسبوها من قبل أن تحاسبوا. ثم قال و تنفسوا قبل ضيق الخناق أي انتهزوا الفرصة و اعملوا قبل أن يفوتكم الأمر و يجد بكم الرحيل و يقع الندم قال الشاعر
اختم و طينك رطب إن قدرت فكم قد أمكن الختم أقواما فما ختموا
ثم قال و انقادوا قبل عنف السياق هو العنف بالضم و هو ضد الرفق يقال عنف عليه و عنف به أيضا و العنيف الذي لا رفق له بركوب الخيل و الجمع عنف و اعتنفت الأمر أي أخذته بعنف يقول انقادوا أنتم من أنفسكم قبل أن تقادوا و تساقوا شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 397بغير اختركم سوقا عنيفا ثم قال من لم يعنه الله على نفسه حتى يجعل له منها واعظا و زاجرا لم ينفعه الزجر و الوعظ من غيرها أخذ هذا المعنى شاعر فقال
و أقصرت عما تعهدين و زاجر من النفس خير من عتاب العواذل(7/369)


فإن قلت أ ليس في هذا الكلام إشعار ما بالجبر. قلت إنه لا خلاف بين أصحابنا في أن لله تعالى ألطافا يفعلها بعباده فيقربهم من الواجب و يبعدهم من القبيح و من يعلم الله تعالى من حاله أنه لا لطف له لأن كل ما يعرض لطفا له فإنه لا يؤثر في حاله و لا يزداد به إلا إصرارا على القبيح و الباطل فهو الذي عناه أمير المؤمنين ع بقوله من لم يعن على نفسه لأنه ما قبل المعونة و لا انقاد إلى مقتضاها و قد روي و اعلموا أنه من لم يعن على نفسه بكسر العين أي من لم يعن الواعظين له و المنذرين على نفسه و لم يكن معهم إلبا عليها و قاهرا لها لم ينتفع بالوعظ و الزجر لأن هوى نفسه يغلب وعظ كل واعظ و زجر كل زاجر(7/370)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 90398- و من خطبة له ع تعرف بخطبة الأشباح و هي من جلائل خطبة عرَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع أَنَّهُ قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ وَ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا رَبَّنَا مِثْلَ مَا نَرَاهُ عِيَاناً لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَ بِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ وَ نَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ هُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْ ءٌ قَبْلَهُ وَ الآْخِرُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْ ءٌ بَعْدَهُ وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْلِفَ مِنْهُ الْحَالُ وَ لَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ(7/371)


الأشباح الأشخاص و المراد بهم هاهنا الملائكة لأن الخطبة تتضمن ذكر الملائكة. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 399و قوله الصلاة جامعة منصوب بفعل مقدر أي احضروا الصلاة و أقيموا الصلاة و جامعة منصوب على الحال من الصلاة. و غص المسجد بفتح الغين أي امتلأ و المسجد غاص بله و يقال رجل مغضب بفتح الضاد أي قد أغضب أي فعل به ما يوجب غضبه. و يفره المنع يزيد في ماله و الموفور التام وفرت الشي ء وفرا و وفر الشي ء نفسه وفورا يتعدى و لا يتعدى و في أمثالهم يوفر و يحمد هو من قولك وفرته عرضه و وفرته ماله. و قوله و لا يكديه الإعطاء أيا يفقره و لا ينفد خزائنه يقال كدت الأرض تكد و فهي كادية إذا أبطأ نباتها و قل خيرها فهذا لازم فإذا عديته أتيت بالهمزة فقلت أكديت الأرض أي جعلتها كادية و تقول أكدى الرجل إذا قل خيره و قوله تعالى وَ أَعْطى قَلِيلًا وَ أَكْدى أي قطع القليل يقول إنه سبحانه قادر على المقدورات و ليس كالملوك من البشر الذين إذا أعطوا نقصت خزائنهم و إن منعوا زادت و قد شرح ذلك و قال إذ كل معط منتقص أي منقوص و يجي ء انتقص لازما و متعديا تقول انتقص الشي ء نفسه و انتقصت الشي ء أي نقصته و كذلك نقص يجي ء لازما و متعديا. ثم قال و كل مانموم غيره و ذلك لأنه تعالى إنما يمنع من تقتضي الحكمة و المصلحة منعه و ليس كما يمنع البشر و سأل رجل علي بن موسى الرضا عن الجواد فقال إن لكلامك وجهين فإن كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد هو الذي يؤدي ما افترض الله عليه و البخيل هو الذي يبخل بما افترض الله عليه و إن كنت تعني الخالق شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 400فهو الجواد إن أعطى و هو الجواد إن منع لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له و إن منعه منعه ما ليس له. قوله و ليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل فيه معنى لطيف و ذاك لأن هذا المعنى مما يختص بالبشر لأنهم يتحركون بالسؤال و تهزهم الطلبات فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم(7/372)

40 / 149
ع
En
A+
A-