ذلِكَ الْكِتابُ و لم يجر ذكره لأن الإشارة إلى مثل هذا أعظم و أهيب و أشد روعة في صدر المخاطب من التصريح. قوله و لا خلت فيما بينكم و بينهم الأحقاب أي لم يطل العهد و الأحقاب المدد المتطاولة و القرون الأمم من الناس. و قوله من يوم كنتم يروى بفتح الميم من يوم على أنه مبني إذ هو مضاف إليه الفعل المبني و يروى بجرها بالإضافة على اختلاف القولين في علم العربية. ثم اختلفت الرواية في قوله و الله ما أسمعكم فروي بالكاف و روي أسمعهم و كذلك اختلفت الرواية في قوله و ما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس فروي هكذا و روي بدون أسماعهم فمن رواه بهاء الغيبة في الموضعين فالكلام منتظم لا يحتاج إلى تأويل و من رواه بكاف الخطاب قال إنه خاطب به من صحب النبي ص و شاهده و سمع خطابه لأن أصحاب علي ع كانوا فريقين صحابة و تابعين و يعضد الرواية الأولى سياق الكلام. و قوله و لا شقت لهم الأبصار إلا و قد أعطيتم مثلها.(7/363)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 390و أصفيتم به منحتموه من الصفا و هو ما يصطفيه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة يقال صفي و صفية. و خلاصة هذا الكلام أن جميع ما كان رسول الله ص قاله لأصحابه قد قلت مثله لكم فأطاع أولئك و عصيتم أنتم و حالكم مساوية لحالهم. قلت لون مجيبا منهم يجيبه لأمكن أن يقول له المخاطبون و إن كانوا نوعا واحدا متساويا إلا أن المخاطب مختلف الحال و ذلك لأنك و إن كنت ابن عمه في النسب و أخاه و لحمه و دمه و فضائلك مشتقة من فضائله و أنت قبس من نوره و ثانيه على الحقيقة و لا ثالث لكما إلا أنك لم ترزق القبول الذي رزقه و لا انفعلت نفوس الناس لك حسب انفعالها له و تلك خاصية النبوة التي امتاز بها عنك فإنه كان لا يسمع أحد كلامه إلا أحبه و مال إليه و لذلك كانت قريش تسمي المسلمين قبل الهجرة الصباة و يقولون نخاف أن يصبو الوليد بن المغيرة إلى دين محمد ص و لئن صبا الوليد و هو ريحانة قريش لتصبون قريش بأجمعها و قالوا فيه ما كلامه إلا السحر و إنه ليفعل بالألباب فوق ما تفعل الخمر و نهوا صبيانهم عن الجلوس إليه لئلا يستميلهم بكلامه و شمائله و كان إذا صلى في الحجر و جهر يجعلون أصابعهم في آذانهم خوفا أن يسحرهم و يستميلهم بقراءته و بوعظه و تذكيره هذا هو معنى قوله تعالى جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ. و معنى قوله وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً لأنهم كانوا يهربون إذا سمعوه يتلو القرآن خوفا أن يغير عقائدهم في أصنامهم و لهذا شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 391أسلم أكثر الناس بمجرد سماع كلامه و رؤيته و مشاهدة روائه و منظره و ما ذاقوه من حلاوة لفظه و سري كلامه في آذانهم و ملك قلوبهم و عقولهم حتى بذلوا المهج في نصرته و هذا من أعظم معجزاته ع و هو القبول ذي منحه الله تعالى و الطاعة التي جعلها في قلوب الناس له و ذلك على(7/364)
الحقيقة سر النبوة الذي تفرد به ص فكيف يروم أمير المؤمنين من الناس أن يكونوا معه كما كان آباؤهم و إخوانهم مع النبي ص مع اختلاف حال الرئيسين و تساوي الأثرين كما يعتبر في تحققه تساوي حال المحلين يعتبر في حقيقته أيضا تساوي حال العلتين. ثم نعود إلى التفسير قال و لقد نزلت بكم البلية أي المحنة العظيمة يعني فتنة معاوية و بني أمية. و قال جائلا خطامها لأن الناقة إذا اضطرب زمامها استصعبت على راكبها و يسمى الزمام خطاما لكونه في مقدم الأنف و الخطم من كل دابة مقدم أنفها و فمها و إنما جعلها رخوا بطانها لتكون أصعب على راكبها لأنه إذا استرخى البطان كان الراكب في معرض السقوط عنها و بطان القتب هو الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير. ثم نهاهم عن الاغترار بالدنيا و متاعها و قال إنها ظل ممدود إلى أجل معدود و إنما جعلها كالظل لأنه ساكن في رأي العين و هو متحرك في الحقيقة لا يزال يتقلص كما قال تعالى ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً و هو أشبه شي ء بأحوال الدنيا. و قال بعض الحكماء أهل الدنيا كركب سير بهم و هم نيام شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 89392- و من خطبة له عالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً إِذْ لَا سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَ لَا حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ وَ لَا لَيْلٌ دَاجٍ وَ لَا بَحْرٌ سَاجٍ وَ لَا جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ وَ لَا فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ وَ لَا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ وَ لَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ وَ ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَ وَارِثُهُ وَ إِلَهُ الْخَلْقِ وَ رَازِقُهُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ(7/365)
الروية الفكرة و أصلها الهمز روأت في الأمر و قد جاء مثلها كلمات يسيرة شاذة نحو البرية من برأ أي خلق و الذرية من ذرأ أي خلق أيضا و الدرية و هي ما يستتر به الصائد أصله من درأت أي دفعت و فلان بري أصله بري ء وصف الله تعالى بأنه يعرف من غير أن تتعلق الأبصار بذاه و يخلق من غير تفكر و ترو فيما يخلقه. لم يزل قائما القائم و القيوم بمعنى و هو الثابت الذي لا يزول و يعبر عنه في الاصطلاح النظري بالواجب الوجود و قد يفسر القائم على معنى قولهم فلان قائم بأمر كذا أي وال و ممسك له أن يضطرب. ثم قال هو موصوف بأنه قائم دائم من قبل أن يخلق العالم و هذا يؤكد التفسير شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 393الأول لأنه إذا لم يكن العالم مخلوقا بعد لم يصدق عليه أنه قائم بأمره إلا بالقوة لا بالفعل كما يصدق عليه أنه سميع بصير في الأزل أي إذا وجدت المسموعات و المبصرات سمعها و أبصرها و لو سمي قبل ق الكلام متكلما على هذا التفسير لم أستبعده و إن كان أصحابنا يأبونه. و الأبراج الأركان في اللغة العربية. فإن قلت فهل يطابق هذا التفسير ما يعتقده أصحاب الهيئة و كثير من الحكماء و المتكلمين أن السماء كرة لا زاوية فيها و لا ضلع. قلت نعم لا منافاة بين القولين لأن الفلك و إن كان كرة لكن فيه من المتممات ما يجري مجرى أركان الحصن أو السور فصح إطلاق لفظه الأبراج عليه و المتممات أجسام في حشو الفلك تخف في موضع و الناس كلهم أثبتوها. فإن قلت فهل يجوز أن يحمل لفظ الأبراج على ما يعتقده المنجمون و أهل الهيئة و كثير من الحكماء و المتكلمين من كون الفلك مقسوما باثني عشر قسما كل قسم منها يسمى برجا. قلت لا مانع من ذلك لأن هذا المسمى كان معلوما متصورا قبل نزول القرآن و كان أهل الاصطلاح قد وضعوا هذا اللفظ بإزائه فجاز أن ينزل القرآن بموجبه قال تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ و أخذها علي ع منه فقال إذ لا سماء ذات أبراج و ارتفع سماء لأنه مبتدأ و(7/366)
خبره محذوف و تقديره في الوجود. ثم قال و لا حجب ذات إرتاج و الإرتاج مصدر أرتج أي أغلق أي ذات إغلاق و من رواه ذات رتاج على فعال فالرتاج الباب المغلق و يبعد رواية من رواه شرح نهج البلاغة ج : ص : 394ذات أرتاج لأن فعالا قل أن يجمع على أفعال و يعني بالحجب ذات الإرتاج حجب النور المضروبة بين عرشه العظيم و بين ملائكته و يجوز أن يريد بالحجب السموات أنفسها لأنها حجبت الشياطين عن أن تعلم ما الملائكة فيه. و الليل الداجي المظلم و البحر الساجي الساكن و الفجاج جمع فج و هو الطريق الواسع بين جبلين و المهاد الفراش. قوله و لا خلق ذو اعتماد أي و لا مخلوق يسعى برجلين فيعتمد عليهما أو يطير بجناحيه فيعتمد عليهما و يجوز أن يريد بالاعتماد هنا البطش و التصرف مبتدع الخلق مخرجه من العدم المحض كقوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و دائبان تثنية دائب و هو الجاد المجتهد المتعب دأب في عمله أي جد و تعب دأبا و دءوبا فهو دءيب و دأبته أنا و سمى الشمس و القمر دائبين لتعاقبهما على حال واحدة دائما لا يفتران و لا يسكنان و روي دائبين بالنصب على الحال و يكون خبر المبتدأ يبليان و هذه من الألفاظ القرآنية
قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ وَ أَحْصَى آثَارَهُمْ وَ أَعْمَالَهُمْ وَ عَدَدَ أَنْفُسِهِمْ وَ خَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ وَ مُسْتَقَرَّهُمْ وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ وَ الظُّهُورِ إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ(7/367)