شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 87384- و من خطبة له عأَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ وَ لَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ وَ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ وَ مَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ فَيَا عَجَباً وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ وَ يَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلَاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَ تَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى ثِقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ(7/358)


القصم بالقاف و الصاد المهملة الكسر قصمته فانقصم و قصمته فتقصم و رجل أقصم الثنية أي مكسورها بين القصم بفتح الصاد. و التمهيل التأخير و يروى رجاء و هو التأخير أيضا و الرواية المشهورة و رخاء أي بعد إعطائهم من سعة العيش و خصب الحال ما اقتضته المصلحة. شرح نهج بلاغة ج : 6 ص : 385و الأزل بفتح الهمزة الضيق و يقتصون يتبعون قال سبحانه و تعالى وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ. و يعفون بكسر العين عففت عن كذا أعف عفا و عفة و عفافة أي كففت فأنا عف و عفيف و امرأة عفة و عفيفة و قد أعفه الله و استعف عن المسألة أي عف. و تعفف الرجل أي تكلف العفة و يروى و لا يعفون عن عيب أي لا يصفحون. و مفزعهم ملجؤهم و فيما يرى أي فيما يظن و يرى بفتح الياء أي فيما يراه هو و روي بعرا وثيقات. يقول إن عادة الله تعالى ألا يقصم الجبابرة إلا بعد الإمهال و الاستدراج بإضافة النعم عليهم و ألا يجير أولياءه و ينصرهم إلا بعد بؤس و بلاء يمتحنهم به ثم قال لأصحابه إن في دون ما استقبلتم من عتب لمعتبر أي من مشقة يعني بما استقبلوه ما لاقوه في مستقبل زمانهم من الشيب و ولاة السوء و تنكر الوقت و سمى المشقة عتبا لأن العتب مصدر عتب عليه أي وجد عليه فجعل الزمان كالواجد عليهم القائم في إنزال مشاقه بهم مقام الإنسان ذي الموجدة يعتب على صاحبه و روي من عتب بفتح التاء جمع عتبة يقال لقد حمل فلان على عتبة أي أمر كريه من البلاء و في المثل ما في هذا الأمر رتب و لا عتب أي شدة و روي أيضا من عنت و هو الأمر الشاق و ما استدبروه من خطب يعني به ما تصرم عنهم من الحروب و الوقائع التي قضوها و نضوها و استدبروها و يروى و استدبرتم من خصب و هو رخاء العيش و هذا يقتضي المعنى الأول أي و ما خلفتم وراءكم من الشباب و الصحة و صفو العيشة. ثم قال ما كل ذي قلب بلبيب الكلام إلى آخره و هو مأخوذ من قول الله(7/359)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 386تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها. ثم تعجب من اختلاف حجج الفرق في الدين و خطئهم و كونهم لا يتبعون أقوال الأنبياء و لا أقوال الأوصياء ثم نعى علم أحوالهم القبيحة فقال إنهم لا يؤمنون بالغيب أي لا يصدقون بما لم يشاهدوه و لا يكفون عن الأمور القبيحة لكنهم يعملون في الشبهات أي يعملون أعمالا داخلة في الشبهات متوسطة لها و يسيرون في الشهوات جعل الشهوات كالطريق التي يسير فيها الإنسان. ثم قال المعروف فيهم ما عرفوه أي ليس المعروف عندهم ما دل الدليل على كونه معروفا و صوابا و حقا بل المعروف عندهم ما ذهبوا إلى أنه حق سواء كان حقا في نفس الأمر أو لم يكن و المنكر عندهم ما أنكروه كما شرحناه في المعروف. ثم قال إنهم لا يستشيرون بعالم و لا يستفتون فقيها فاضلا بل مفزعهم في الأمور المشكلة إلى أنفسهم و آرائهم و لقد صدق ع فإن هذه صفات من يدعي العلم و الفضل في زماننا و قبله بدهر طويل و ذلك أنهم يأنفون من التعلم و الاسترشاد فالبادئ منهم يعتقد في نفسه أنه أفضل من البارع المنتهي و متى ظفر الواحد منهم بمبادئ علم و حمله شرع في التدريس و التصنيف فمنعه التزامه بذلك من التردد إلى أبواب العلماء و أنف من سؤالهم عن الأمور المشكلة فدام جهله إلى أن يموت. ثم قال كان كل واحد منهم إمام نفسه و يروى بحذف كان و إسقاطها و هو أحسن(7/360)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 88387- و من خطبة له عأَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَ إِعْوَارٍ مِنْ مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وَ طَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ. فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ وَ اذْكُرُوا تِيكَ الَّتِي آبَاؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ وَ عَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ وَ لَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَ لَا بِهِمُ الْعُهُودُ وَ لَا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَ الْقُرُونُ وَ مَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلَابِهِمْ بِبَعِيدٍ. وَ اللَّهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلَّا وَ هَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ وَ مَا أَسْمَاعُكُمْ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ وَ لَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ وَ لَا جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلَّا وَ قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ وَ وَ اللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ وَ لَا أُصْفِيتُمْ بِهِ وَ حُرِمُوهُ وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلًا خِطَامُهَا رِخْواً بِطَانُهَا فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ(7/361)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 388الفترة بين الرسل انقطاع الرسالة و الوحي و كذلك كان إرسال محمد ص لأن بين محمد و بين عهد المسيح ع عهدا طويلا أكثر الناس على أنه ستمائة سنة و لم يرسل في تلك المدة رسول اللهم إلا ما يقال عن خالد بن سنان العبسي و لم يكن نبيا و لاشهورا. و الهجعة النومة ليلا و الهجوع مثله و كذلك التهجاع بفتح التاء فأما الهجعة بكسر الهاء فهي الهيئة كالجلسة من الجلوس. قوله و اعتزام من الفتن كأنه جعل الفتن معتزمة أي مريدة مصممة للشغب و الهرج و يروى و اعتراض و يروى و اعترام بالراء المهملة من العرام و هي الشرة و التلظي التلهب. و كاسفة النور قد ذهب ضوءها كما تكسف الشمس ثم وصفها بالتغير و ذبول الحال فجعلها كالشجرة التي اصفر ورقها و يبس ثمرها و أعور ماؤها و الإعوار ذهاب الماء فلاة عوراء لا ماء بها و من رواه و إغوار من مائها بالغين المعجمة جعله من غار الماء أي ذهب و منه قوله تعالى أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً. و متجهمة لأهلها كالحة في وجوههم. ثم قال ثمرها الفتنة أي نتيجتها و ما يتولد عنها و طعامها الجيفة يعني أكل الجاهلية الميتة أو يكون على وجه الاستعارة أي أكلها خبيث و يروى الخيفة أي الخوف ثم جعل الخوف و السيف شعارها و دثارها فالشعار ما يلي الجسد و الدثار فوق شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 389الشعار و هذا من بديع الكلام و من جيد الصناعة لأنه لما كان الخوف يتقدم السيف و السيف يتلوه جعل الخوف شعارا لأنه الأقرب إلى الجسد و جعل الدثار تاليا له. ثم قال اذكروا تيك كلمة إشارة إلى المؤنثة الغائبة فيمكن أن يعنى بها الدنيا التي تقدم ذكرها و قد جعل آباءهم و إخوانهم مرتهنين بها و محاسبين عليها و الارتهان الاحتباس و يمكن أن يعنى بها الأمانة التي عرضت على الإنسان فحملها و المراد بالأمانة الطاعة و العبادة و فعل الواجب و تجنب القبيح و قال تيك و لم يجر ذكرها كما قال تعالى الم(7/362)

38 / 149
ع
En
A+
A-