ص : 379المباركة دون غيرها و لا عجب فقد ورد في حق الشهداء نحو ذلك في قوله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَو على الوجه الأول لو أن محتفرا احتفر أجداثهم لوجد الأبدان فيها و إن لم يعلم أن أصول تلك البنى قد انتزعت منها و نقلت إلى الرفيق الأعلى و هذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير ما قدرناه أولا من الحذف لأن الجسد يبلى في القبر إلا قدر ما انتزع منه و نقل إلى محل القدس و كذلك أيضا يصدق على الجسد أنه ميت و إن كان أصل بنيته لم يمت
و قد ورد في الخبر الصحيح أن أرواح الشهداء من المؤمنين في حواصل طيور خضر تدور في أفناء الجنان و تأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش(7/353)


فإذا جاء هذا في الشهداء فما ظنك بموالي الشهداء و ساداتهم. فإن قلت فهل يجوز أن يتأول كلامه فيقال لعله أراد بقاء الذكر و الصيت. قلت إنه لبعيد لأن غيرهم يشركهم في ذلك و لأنه أخرج الكلام مخرج المستغرب المستعظم له. فإن قلت فهل يمكن أن يقال إن الضمير يعود إلى النبي ص لأنه قد ذكره في قوله خاتم النبيين فيكون التقدير أنه يموت من مات منا و النبي ص ليس بميت و يبلى من بلي منا و النبي ليس ببال. قلت هذا أبعد من الأول لأنه لو أراد ذلك لقال إن رسول الله ص لا تبليه الأرض و أنه الآن حي و لم يأت بهذا الكلام الموهم و لأنه في سياق تعظيم العترة و تبجيل أمرها و فخره بنفسه و تمدحه بخصائصه و مزاياه فلا يجوز أن يدخل في غضون ذلك ما ليس منه. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 380فإن قلت فهل هذا الكلام منه أم قاله مرفوعا قلت بل ذكره مرفوعا أ لا تراه قال خذوها عن خاتم النبيين ثم نعود إلى التفسيفنقول إنه لما قال لهم ذلك علم أنه قال قولا عجيبا و ذكر أمرا غريبا و علم أنهم ينكرون ذلك و يعجبون منه فقال لهم فلا تقولوا ما لا تعرفون أي لا تكذبوا إخباري و لا تكذبوا إخبار رسول الله لكم بهذا فتقولون ما لا تعلمون صحته ثم قال فإن أكثر الحق في الأمور العجيبة التي تنكرونها كإحياء الموتى في القيامة و كالصراط و الميزان و النار و الجنة و سائر أحوال الآخرة هذا إن كان خاطب من لا يعتقد الإسلام فإن كان الخطاب لمن يعتقد الإسلام فإنه يعني بذلك أن أكثرهم كانوا مرجئة و مشبهة و مجبرة و من يعتقد أفضلية غيره عليه و من يعتقد أنه شرك في دم عثمان و من يعتقد أن معاوية صاحب حجة في حربه أو شبهة يمكن أن يتعلق بها متعلق و من يعتقد أنه أخطأ في التحكيم إلى غير ذلك من ضروب الخطإ التي كان أكثرهم عليها. ثم قال و أعذروا من لا حجة لكم عليه و هو أنا يقول قد عدلت فيكم و أحسنت السيرة و أقمتكم على المحجة البيضاء حتى لم يبق لأحد منكم حجة يحتج بها علي ثم شرح(7/354)


ذلك فقال عملت فيكم بالثقل الأكبر يعني الكتاب و خلفت فيكم الأصغر يعني ولديه لأنهما بقية الثقل الأصغر فجاز أن يطلق عليهما بعد ذهاب من ذهب منه أنهما الثقل الأصغر و إنما سمى النبي ص الكتاب و العترة الثقلين لأن الثقل في اللغة متاع المسافر و حشمه فكأنه ص لما شارف الانتقال إلى جوار ربه تعالى جعل نفسه كالمسافر الذي ينتقل من منزل إلى منزل و جعل الكتاب و العترة كمتاعه و حشمه لأنهما أخص الأشياء به. قوله و ركزت فيكم راية الإيمان أي غرزتها و أثبتها و هذا من باب الاستعارة. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 381و كذلك قوله و وقفتكم على حدود الحلال و الحرام من باب الاستعارة أيضا مأخوذ من حدود الدار و هي الجهات الفاصلة بينها و بين غيرها. قوله و ألبستكم العافية من عدلي استعارة فصيحة و أفصح منها قوله و فرشتكم المعروف من لي و فعلي أي جعلته لكم فراشا و فرش هاهنا متعد إلى مفعولين يقال فرشته كذا أي أوسعته إياه. ثم نهاهم أن يستعملوا الرأي فيما ذكره لهم من خصائص العترة و عجائب ما منحها الله تعالى
فقال إن أمرنا أمر صعب لا تهتدي إليه العقول و لا تدرك الأبصار قعره و لا تتغلغل الأفكار إليه
و التغلغل الدخول من تغلغل الماء بين الشجر إذا تخللها و دخل بين أصولها
وَ مِنْهَا حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وَ تُورِدُهُمْ صَفْوَهَا وَ لَا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَ لَا سَيْفُهَا وَ كَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً(7/355)


معقولة محبوسة بعقال كما تعقل الناقة و تمنحهم تعطيهم و المنح العطاء منح يمنح بالفتح و الاسم المنحة بالكسر و استمنحت زيدا طلبت منحته. و الدر في الأصل اللبن جعل الدنيا كناقة معقولة عليهم تمنحهم لبنها ثم استعمل شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 382الدر في كل خير و ن فقيل لا در درة أي لا كثر خيره و يقال في المدح لله درة أي عمله. و مجة من لذيذ العيش مصدر مج الشراب من فيه أي رمى به و قذفه و يقال انمجت نقطة من القلم أي ترششت و شيخ ماج أي كبير يمج الريق و لا يستطيع حبسه لكبره. و يتطعمونها أي يذوقونها و برهة أي مدة من الزمان فيها طول و لفظت الشي ء من فمي ألفظه لفظا رميته و ذلك الشي ء اللفاظة و اللفاظ أي يلفظونها كلها لا يبقى منها شي ء معهم. و هذه الخطبة طويلة و قد حذف الرضي رحمه الله تعالى منها كثيرا و من جملتهأما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لا يرون الذي ينتظرون حتى يهلك المتمنون و يضمحل المحلون و يتثبت المؤمنون و قليل ما يكون و الله و الله لا ترون الذي تنتظرون حتى لا تدعون الله إلا إشارة بأيديكم و إيماضا بحواجبكم و حتى لا تملكون من الأرض إلا مواضع أقدامكم و حتى يكون موضع سلاحكم على ظهوركم فيومئذ لا ينصرني إلا الله بملائكته و من كتب على قلبه الإيمان و الذي نفس علي بيده لا تقوم عصابة تطلب لي أو لغيري حقا أو تدفع عنا ضيما إلا صرعتهم البلية حتى تقوم عصابة شهدت مع محمد ص بدرا لا يودى قتيلهم و لا يداوى جريحهم و لا ينعش صريعهم(7/356)


قال المفسرون هم الملائكة. و منها لقد دعوتكم إلى الحق و توليتم و ضربتكم بالدرة فما استقمتم و ستليكم شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 383بعدي ولاة يعذبونكم بالسياط و الحديد و سيأتيكم غلاما ثقيف أخفش و جعبوب يقتلان و يظلمان و قليل ما يمكنانقلت الأخفش الضعيف البصر خلقة و الجعبوب القصير الذميم و هما الحجاج و يوسف بن عمر و في كتاب عبد الملك إلى الحجاج قاتلك الله أخيفش العينين أصك الجاعرنين. و من كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى يذكر فيه الحجاج أتانا أعيمش أخيمش يمد بيد قصيرة البنان ما عرق فيها عنان في سبيل الله. و كان المثل يضرب بقصر يوسف بن عمر و كان يغضب إذا قيل له قصير فصل له الخياط ثوبا فأبقى منه فضلة كثيرة فقال له ما هذه قال فضلت من قميص الأمير فضربه مائة سوط فكان الخياطون بعد ذلك يفصلون له اليسير من الثوب و يأخذون الباقي لأنفسهم(7/357)

37 / 149
ع
En
A+
A-