وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَ أَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وَ قَوْلِ زُورٍ قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ وَ عَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ يُؤَمِّنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ وَ يُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَ فِيهَا وَقَعَ وَ يَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَ بَيْنَهَا اضْطَجَعَ فَالصُّورَةُ شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 373صُورَةُ إِنْسَانٍ وَ الْقَلْبُ قَلُ حَيَوَانٍ لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ وَ لَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وَ ذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ وَ الْأَعْلَامُ قَائِمَةٌ وَ الآْيَاتُ وَاضِحَةٌ وَ الْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَ كَيْفَ تَعْمَهُونَ وَ بَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ وَ أَعْلَامُ الدِّينِ وَ أَلْسِنَةُ الصِّدْقِ فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ ص إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ مَاتَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ وَ يَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِبَالٍ فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ وَ أَعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَ هُوَ أَنَا أَ لَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ وَ أَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ وَ أَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي وَ فَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَ فِعْلِي وَ أَرَيْتُكُمْ(7/348)
كَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لَا يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ وَ لَا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ
الجهائل جمع جهالة كما قالوا علاقة و علائق و الأضاليل الضلال جمع لا واحد له من لفظه. و قوله و قد حمل الكتاب على آرائه يعني قد فسر الكتاب و تأوله على مقتضى هواه و قد أوضح ذلك بقوله و عطف الحق على أهوائه. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 374و قوله يؤمن الناس من الائم فيه تأكيد لمذهب أصحابنا في الوعيد و تضعيف لمذهب المرجئة الذين يؤمنون الناس من عظائم الذنوب و يمنونهم العفو مع الإصرار و ترك التوبة
و جاء في الخبر المرفوع المشهور الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت و الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله
و قوله يقول أقف عند الشبهات يعني أن هذا المدعي للعلم يقول لنفسه و للناس أنا واقف عند أدنى شبهة تحرجا و تورعا
كما قال ص دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
ثم قال و في الشبهات وقع أي بجهله لأن من لا يعلم الشبهة ما هي كيف يقف عندها و يتخرج من الورطة فيها و هو لا يأمن من كونها غير شبهة على الحقيقة. و قوله أعتزل البدع و بينها اضطجع إشارة إلى تضعيف مذاهب العامة و الحشوية الذين رفضوا النظر العقلي و قالوا نعتزل البدع. و قوله فالصورة صورة إنسان و ما بعده فمراده بالحيوان هاهنا الحيوان الأخرس كالحمار و الثور و ليس يريد العموم لأن الإنسان داخل في الحيوان و هذا مثل قوله تعالى إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. و قال الشاعر
و كائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف و نصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 375قوله و ذلك ميت الأحياء كلمة فصيحة و قد أخذها شاعر فقالليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء(7/349)
إلا أن أمير المؤمنين ع أراد لجهله و الشاعر أراد لبؤسه. و تؤفكون تقلبون و تصرفون. و الأعلام المعجزات هاهنا جمع علم و أصله الجبل أو الراية و المنارة تنصب في الفلاة ليهتدى بها. و قوله فأين يتاه بكم أي أين يذهب بكم في التيه و يقال أرض تيهاء يتحير سالكها و تعمهون تتحيرون و تضلون. و عترة رسول الله ص أهله الأدنون و نسله و ليس بصحيح قول من قال إنهم رهطه و إن بعدوا و إنما قال أبو بكر يوم السقيفة أو بعده نحن عترة رسول الله ص و بيضته التي فقئت عنه على طريق المجاز لأنهم بالنسبة إلى الأمصار عترة له لا في الحقيقة أ لا ترى أن العدناني يفاخر القحطاني فيقول له أنا ابن عم رسول الله ص ليس يعني أنه ابن عمه على الحقيقة بل هو بالإضافة إلى القحطاني كأنه ابن عمه و إنما استعمل ذلك و نطق به مجازا فإن قدر مقدر أنه على طريق حذف المضافات أي ابن ابن عم أب الأب إلى عدد كثير في البنين و الآباء فكذلك أراد أبو بكر أنهم عترة أجداده على طريق حذف المضاف و قد بين رسول الله ص عترته من هي
لما قال إني تارك فيكم الثقلين
فقال عترتي أهل بيتي و بين في مقام آخر من أهل بيته حيث طرح عليهم كساء و قال حين نزلت إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 376لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِاللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم
فإن قلت فمن هي العترة التي عناها أمير المؤمنين ع بهذا الكلام. قلت نفسه و ولداه و الأصل في الحقيقة نفسه لأن ولديه تابعان له و نسبتهما إليه مع وجوده كنسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة و قد نبه النبي ص على ذلك
بقوله و أبوكما خير منكما
و قوله و هم أزمة الحق جمع زمام كأنه جعل الحق دائرا معهم حيثما داروا و ذاهبا معهم حيثما ذهبوا كما أن الناقة طوع زمامها و قد نبه الرسول ص على صدق هذه القضية
بقوله و أدر الحق معه حيث دار(7/350)
و قوله و ألسنة الصدق من الألفاظ الشريفة القرآنية قال الله تعالى وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ لما كان يصدر عنهم حكم و لا قول إلا و هو موافق للحق و الصواب جعلهم كأنهم ألسنة صدق لا يصدر عنها قول كاذب أصلا بل هي كالمطبوعة على الصدق. و قوله فأنزلوهم منازل القرآن تحته سر عظيم و ذلك أنه أمر المكلفين بأن يجروا العترة في إجلالها و إعظامها و الانقياد لها و الطاعة لأوامرها مجرى القرآن. فإن قلت فهذا القول منه يشعر بأن العترة معصومة فما قول أصحابكم في ذلك. قلت نص أبو محمد بن متويه رحمه الله تعالى في كتاب الكفاية على أن عليا ع معصوم و إن لم يكن واجب العصمة و لا العصمة شرط في الإمامة لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته و القطع على باطنه و مغيبه و أن ذلك أمر اختص شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 377هو به دون غيره من الصحابة و الفرق ظاهر بين قولنا زيد معصوم و بين قول زيد واجب العصمة لأنه إمام و من شرط الإمام أن يكون معصوما فالاعتبار الأول مذهبنا و الاعتبار الثاني مذهب الإمامية. ثم قال وردوهم ورود الهيم العطاش أي كونوا ذوي حرص و انكماش على أخذ العلم و الدين منهم كحرص الهيم الظماء على ورود الماء. ثم قال أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين إلى قوله و ليس ببال هذا الموضع يحتاج إلى تلطف في الشرح لأن لقائل أن يقول ظاهر هذا الكلام متناقض لأنه قال يموت من مات منا و ليس بميت و هذا كما تقول يتحرك المتحرك و ليس بمتحرك و كذلك قوله و يبلى من بلي منا و ليس ببال أ لا ترى أنه سلب و إيجاب لشي ء واحد فإن قلتم أراد بقاء النفس بعد موت الجسد كما قاله الأوائل و قوم من المتكلمين قيل لكم فلا اختصاص للنبي و لا لعلي بذلك بل هذه قضية عامة في جميع البشر و الكلام خرج مخرج التمدح و الفخر. فنقول في الجواب إن هذا يمكن أن يحمل على وجهين أحدهما أن يكون البي ص و علي و من يتلوهما من أطائب العترة أحياء بأبدانهم التي كانت(7/351)
في الدنيا بأعيانها قد رفعهم الله تعالى إلى ملكوت سماواته و على هذا لو قدرنا أن محتفرا احتفر تلك الأجداث الطاهرة عقب دفنهم لم يجد الأبدان في الأرض
و قد روي في الخبر النبوي ص مثل ذلك و هو قوله إن الأرض لم تسلط علي و إنها لا تأكل لي لحما و لا تشرب لي دما
نعم يبقى الأشكال في قوله و يبلى من بلي منا و ليس ببال فإنه إن صح هذا التفسير في الكلام الأول و هو قوله يموت شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 378من مات منا و ليس بميت فليس يصح في القضية الثانية و هي حديث البلاء لأنها تقتضي أن الأبدان تبلى و ذاك الإنسان لم يبل فأج هذا الأشكال إلى تقدير فاعل محذوف فيكون تقدير الكلام يموت من مات حال موته و ليس بميت فيما بعد ذلك من الأحوال و الأوقات و يبلى كفن من بلي منا و ليس هو ببال فحذف المضاف كقوله وَ إِلى مَدْيَنَ أي و إلى أهل مدين و لما كان الكفن كالجزء من الميت لاشتماله عليه عبر بأحدهما عن الآخر للمجاورة و الاشتمال كما عبروا عن المطر بالسماء و عن الخارج المخصوص بالغائط و عن الخمر بالكأس و يجوز أن يحذف الفاعل كقوله تعالى حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ و فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ و قول حاتم إذا حشرجت و حذف الفاعل كثير. و الوجه الثاني أن أكثر المتكلمين ذهبوا إلى أن للإنسان الحي الفعال أجزاء أصلية في هذه البنية المشاهدة و هي أقل ما يمكن أن تأتلف منه البنية التي معها يصح كون الحي حيا و جعلوا الخطاب متوجها نحوها و التكليف واردا عليها و ما عداها من الأجزاء فهي فاضلة ليست داخلة في حقيقة الإنسان و إذا صح ذلك جاز أن ينتزع الله تلك الأجزاء الأصلية من أبدان الأنبياء و الأوصياء فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الأجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدار الأولى كما قاله من ذهب إلى قيامة الأنفس و الأبدان معا فتنعم عنده و تلتذ بضروب اللذات الجسمانية و يكون هذا مخصوصا بهذه الشجرة شرح نهج البلاغة ج : 6(7/352)