لضعيف المنية و ذلك بإقامة وظائف العبادة.
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 368و خامسها أن يقرب على نفسه البعيد و ذلك بأن يمثل الموت بين عينيه صباحا و مساء و ألا يطيل الأمل. و سادسها أن يهون عليه الشدائد و ذلك باحتمال كلف المجاهدة و رياضة النفس على عمل المشاق. و سابعها أن يكون قد نظر فأبصر و ذلك بترتيبلمقدمات المطابقة لمتعلقاتها ترتيبا صحيحا لتنتج العلم اليقيني. و ثامنها أن يذكر الله تعالى فيستكثر من ذكره لأن ذكره سبحانه و الإكثار منه يقتضي سكون النفس و طمأنينتها كما قال تعالى أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. و تاسعها أن يرتوي من حب الله تعالى و هو العذب الفرات الذي سهل موارده على من انتخبه الله و جعله أهلا للوصول إليه فشرب منه و نهل و سلك طريقا لا عثار فيه و لا وعث. و عاشرها أن يخلع سرابيل الشهوات لأن الشهوات تصدئ مرآة العقل فلا تنطبع المعقولات فيها كما ينبغي و كذلك الغضب. و حادي عشرها أن يتخلى من الهموم كلها لأنها تزيدات و قواطع عن المطلوب إلا هما واحدا و هو همه بمولاه الذي لذته و سروره الاهتمام به و التفرد بمناجاته و مطالعة أنوار عزته فحينئذ يخرج عن صفة أهل العمى و من مشاركة أهل الهوى لأنه قد امتاز عنهم بهذه المرتبة و الخاصية التي حصلت له فصار مفتاحا لباب الهدى و مغلاقا لباب الضلال و الردى قد أبصر طريق الهدى و سلك سبيله و عرف مناره و قطع غماره. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 369و ثاني عشرها أن ينصب نفسه لله في أرفع الأمور و هو الخلوة به و مقابلة أنوار جلاله بمرآة فكره حتى تتكيف نفسه بتلك الكيف العظيمة الإشراق فهذا أرفع الأمور و أجلها و أعظمها و قد رمز في هذا الفصل و مزجه بكلام خرج به إلى أمر آخر و هو فقه النفس في الدين و الأمور الشرعية النافعة للناس في دنياهم و أخراهم أما في دنياهم فلردع المفسد و كف الظالم و أما في أخراهم فللفوز بالسعادة باعتبار امتثال الأوامر الإلهية(7/343)
فقال في إصدار كل وارد عليه أي في فتيا كل مستفت له و هداية كل مسترشد له في الدين ثم قال و تصيير كل فرع إلى أصله و يمكن أن يحتج بهذا من قال بالقياس و يمكن أن يقال إنه لم يرد ذلك بل أراد تخريج الفروع العقلية و ردها إلى أصولها كما يتكلف أصحابنا القول في بيان حكمة القديم تعالى في الآلام و ذبح الحيوانات ردا له إلى أصل العدل و هو كونه تعالى لا يفعل القبيح. و ثالث عشرها أن يكون مصباحا لظلمات الضلال كشافا لعشوات الشبه مفتاحا لمبهمات الشكوك المستغلقة دفاعا لمعضلات الاحتجاجات العقلية الدقيقة الغامضة دليلا في فلوات الأنظار الصعبة المشتبهة و لم يكن في أصحاب محمد ص أحد بهذه الصفة إلا هو. و رابع عشرها أن يقول مخاطبا لغيره فيفهمه ما خاطبه به و أن يسكت فيسلم و ذلك لأنه ليس كل قائل مفهما و لا كل ساكت سالما. و خامش عشرها أن يكون قد أخلص لله فاستخلصه الله و الإخلاص لله مقام عظيم جدا و هو ينزه الأفعال عن الرياء و ألا يمازج العبادة أمر لا يكون لله سبحانه و لهذا كان بعض الصالحين يصبح من طول العبادة نصبا قشفا فيكتحل و يدهن ليذهب بذلك أثر العبادة عنه.(7/344)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 370و قوله فهو من معادن دينه و أوتاد أرضه معادن دينه الذين يقتبس الدين منهم كمعادن الذهب و الفضة و هي الأرضون التي يلتقط ذلك منها و أوتاد أرضه هم الذين لولاهم لمادت الأرض و ارتجت بأهلها و هذا من باب الاستعارة الفصيحة و أهل هذا الم يقولون أوتاد الأرض جماعة من الصالحين و لهم في الأوتاد و الأبدال و الأقطاب كلام مشهور في كتبهم. و سادس عشرها أن يكون قد ألزم نفسه العدل و العدالة ملكه تصدر بها عن النفس الأفعال الفاضلة خلقا لا تخلقا. و أقسام العدالة ثلاثة هي الأصول و ما عداها من الفضائل فروع عليها الأولى الشجاعة و يدخل فيها السخاء لأنه شجاعة و تهوين للمال كما أن الشجاعة الأصلية تهوين للنفس فالشجاع في الحرب جواد بنفسه و الجواد بالمال شجاع في إنفاقه و لهذا قال الطائي
أيقنت أن من السماح شجاعة تدمي و أن من الشجاعة جودا(7/345)
و الثانية الفقه و يدخل فيها القناعة و الزهد و العزلة. و الثالثة الحكمة و هي أشرفها. و لم تحصل العدالة الكاملة لأحد من البشر بعد رسول الله ص إلا لهذا الرجل و من أنصف علم صحة ذلك فإن شجاعته و جوده و عفته و قناعته و زهده يضرب بها الأمثال. و أما الحكمة و البحث في الأمور الإلهية فلم يكن من فن أحد من العرب و لا نقل في جهاد أكابرهم و أصاغرهم شي ء من ذلك أصلا و هذا فن كانت اليونان و أوائل الحكماء و أساطين الحكمة ينفردون به و أول من خاض فيه من العرب علي ع و لهذا شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 371تجد المباحث الدقيقة فيتوحيد و العدل مبثوثة عنه في فرش كلامه و خطبه و لا تجد في كلام أحد من الصحابة و التابعين كلمة واحدة من ذلك و لا يتصورونه و لو فهموه لم يفهموه و أنى للعرب ذلك. و لهذا انتسب المتكلمون الذين لججوا في بحار المعقولات إليه خاصة دون غيره و سموه أستاذهم و رئيسهم و اجتذبته كل فرقة من الفرق إلى نفسها أ لا ترى أن أصحابنا ينتمون إلى واصل بن عطاء و واصل تلميذ أبي هاشم بن محمد بن الحنفية و أبو هاشم تلميذ أبيه محمد و محمد تلميذ أبيه علي ع. فأما الشيعة من الإمامية و الزيدية و الكيسانية فانتماؤهم إليه ظاهر. و أما الأشعرية فإنهم بأخرة ينتمون إليه أيضا لأن أبا الحسن الأشعري تلميذ شيخنا أبي علي رحمه الله تعالى و أبو علي تلميذ أبي يعقوب الشحام و أبو يعقوب تلميذ أبي الهذيل و أبو الهذيل تلميذ أبي عثمان الطويل و أبو عثمان الطويل تلميذ واصل بن عطاء فعاد الأمر إلى انتهاء الأشعرية إلى علي ع. و أما الكرامية فإن ابن الهيصم ذكر في كتاب المقالات أن أصل مقالتهم و عقيدتهم تنتهي إلى علي ع من طريقين أحدهما بأنهم يسندون اعتقادهم عن شيخ بعد شيخ إلى أن ينتهي إلى سفيان الثوري ثم قال و سفيان الثوري من الزيدية ثم سأل نفسه فقال إذا كان شيخكم الأكبر الذي تنتمون إليه كان زيديا فما بالكم لا تكونون زيدية و أجاب بأن(7/346)
سفيان الثوري رحمه الله تعالى و أن أشهر عنه الزيدية إلا أن تزيده إنما كان عبارة عن موالاة أهل البيت و إنكار ما كان بنو أمية عليه من الظلم و إجلال زيد بن علي و تعظيمه و تصوينه في أحكامه و أحواله و لم ينقل عن سفيان الثوري أنه طعن في أحد من الصحابة. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 372الطريق الثاني أنه عد مشايخهم واحدا فواحدا حتى انتهى إلى علماء الكوفة من أصحاب علي كسلمة بن كهيل و حبة العرني و سالم بن الجعد و الفضل بن دكين و شعبة و الأعمش و علقمة و هبيرة ن مريم و أبي إسحاق الشعبي و غيرهم ثم قال و هؤلاء أخذوا العلم من علي بن أبي طالب ع فهو رئيس الجماعة يعنى أصحابه و أقوالهم منقولة عنه و مأخوذة منه. و أما الخوارج فانتماؤهم إليه ظاهر أيضا مع طعنهم فيه لأنهم كانوا أصحابه و عنه مرقوا بعد أن تعلموا عنه و اقتبسوا منه و هم شيعته و أنصاره بالجمل و صفين و لكن الشيطان ران على قلوبهم و أعمى بصائرهم. ثم إنه ع ذكر حال هذا العارف العادل فقال أول عدله نفي الهوى عن نفسه و ذلك لأن من يأمر و لا يأتمر و ينهى و لا ينتهي لا تؤثر عظته و لا ينفع إرشاده ثم شرح ذلك فقال يصف الحق و يعمل به ثم قال لا يدع للخير غاية إلا أمها و لا مظنة إلا قصدها و ذلك لأن الخير لذته و سروره و راحته فمتى وجد إليه طريقا سلكها ثم قال قد أمكن الكتاب يعني القرآن من زمامه أي قد أطاع الأوامر الإلهية فالقرآن قائده و إمامه يحل حيث حل و ينزل حيث نزل(7/347)