فيها المسلمون ثم انهزموا و دخلوا البلد و أغلقوا أبوابه فحاصره التتار حصارا طويلا ثم أمنوا متقدم البلد فلما خرج إليهم في الأمان خلع عليه ابن جنكزخان و أكرمه و عاهده ألا يتعرض لأحد من أهل مرو ففتح الناس الأبواب فلما تمكنوا منهم استعرضوهم بالسيف عن آخرهم فلم يبقوا منهم باقية بعد أن استصفوا أرباب الأموال عقيب عذاب شديد عذبوهم به. ثم ساروا إلى نيسابور ففعلوا به ما فعلوا بمرو من القتل و الاستئصال ثم عمدوا إلى طوس فنهبوها و قتلوا أهلها و أخرجوا المشهد الذي به علي بن موسى الرضا ع و الرشيد هارون بن المهدي و ساروا إلى هراة فحصروها ثم أمنوا أهلها فلما فتحوها قتلوا بعضهم و جعلوا على الباقين شحنة فلما بعدوا وثب أهل هراة على الشحنة فقتلوه فعاد عليهم عسكر من التتار فاستعرضوهم بالسيف فقتلوهم عن آخرهم. ثم عادوا إلى طالقان و بها ملكهم الأكبر جنكزخان فسير طائفة منهم إلى خوارزم و جعل فيها مقدم أصحابه و كبراءهم لأن خوارزم حينئذ كانت مدينة الملك و بها عسكر كثير من الخوارزمية و عوام البلد معروفون بالبأس و الشجاعة فساروا و وصلوا إليها فالتقى الفئتان و اقتتلوا أشد قتال سمع به و دخل المسلمون البلد و حصرتهم التتار خمسة أشهر و أرسل التتار إلى جنكزخان يطلبون المدد فأمدهم بجيش من جيوشه فلما وصل قويت منتهم به و زحفوا إلى البلد زحفا متتابعا فملكوا طرفا منه و ولجوا المدينة فقاتلهم المسلمون داخل البلد فلم يكن لهم به طاقة فملكوه و قتلوا كل من فيه فلما فرغوا منه و قضوا وطرهم من القتل و النهب فتحوا السكر الذي يمنع(9/207)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 236ماء جيحون عن خوارزم فدخل الماء البلد فغرق كله و انهدمت الأبنية فبقي بحرا و لم يسلم من أهل خوارزم أحد البتة فإن غيره من البلاد كان يسلم نفر يسير من أهلها و أما خوارزم فمن وقف للسيف قتل و من استخفى غرقه الماء أو أهلكه الهدم فأحت خوارزم يبابا. فلما فرغ التتر من هذه البلاد سيروا جيشا إلى غزنة و بها حينئذ جلال الدين منكبري بن محمد خوارزمشاه مالكها و قد اجتمع إليه من سلم من عسكر أبيه و غيرهم فكانوا نحو ستين ألفا و كان الجيش الذي سار إليهم التتار اثني عشر ألفا فالتقوا في حدود غزنة و اقتتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيام ثم أنزل الله النصر على المسلمين فانهزم التتر و قتلهم المسلمون كيف شاءوا و تحيز الناجون منهم إلى الطالقان و بها جنكزخان و أرسل جلال الدين إليه رسولا يطلب منه أن يعين موضعا للحرب فاتفقوا على أن يكون الحرب بكابل فأرسل جنكزخان إليها جيشا و سار جلال الدين إليها بنفسه و تصافوا هناك فكان الظفر للمسلمين و هرب التتار فالتجئوا إلى الطالقان و جنكزخان مقيم بها أيضا و غنم المسلمون منهم غنائم عظيمة فجرت بينهم فتنة عظيمة في الغنائم و ذلك لأن أميرا من أمرائهم اسمه بغراق كان قد أبلي في حرب التتر هذه جرت بينه و بين أمير يعرف بملك خان نسيب خوارزمشاه مقاولة أفضت إلى أن قتل أخ لبغراق فغضب و فارق جلال الدين في ثلاثين ألفا فتبعه جلال الدين و استرضاه و استعطفه فلم يرجع فضعف جانب جلال الدين بذلك فبينا هو كذلك وصله الخبر أن جنكزخان قد سار إليه من الطالقان بنفسه و جيوشه فعجز عن مقاومته و علم أنه لا طاقة له به فسار نحو بلاد الهند و عبر نهر السند و ترك غزنة شاغرة كالفريسة للأسد فوصل إليها شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 237جنكزخان فملكها و قتل أهلها و سبى نساءها و أخرب القصور و تركها كأمس الغابر. ثم كانت لهم ب ملك غزنة و استباحتها وقائع كثيرة مع ملوك الروم بني قلج أرسلان لم(9/208)


يوغلوا فيها في البلاد و إنما كانوا يتطرقونها و ينهبون ما تاخمهم منها و أذعن لهم ملوك فارس و كرمان و التيز و مكران بالطاعة و حملوا إليهم الإتاوة و لم يبق في البلاد الناطقة باللسان الأعجمي بل إلا حكم فيه سيفهم أو كتابهم فأكثر البلاد قتلوا أهلها و سبق السيف فيهم العذل و الباقي أدى الإتاوة إليهم رغما و أعطى الطاعة صاغرا و رجع جنكزخان إلى ما وراء النهر و توفي هناك. و قام بعده ابنه قاآن مقامه و ثبت جرماغون في مكانه بأذربيجان و لم يبق لهم إلا أصبهان فإنهم نزلوا عليها مرارا في سنة سبع و عشرين و ستمائة و حاربهم أهلها و قتل من الفريقين مقتلة عظيمة و لم يبلغوا منها غرضا حتى اختلف أهل أصبهان في سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة و هم طائفتان حنفية و شافعية و بينهم حروب متصلة و عصبية ظاهرة فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى من يجاورهم و يتاخمهم من ممالك التتار فقالوا لهم اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم فنقل ذلك إلى قاآن بن جنكزخان بعد وفاة أبيه و الملك يومئذ منوط بتدبيره فأرسل جيوشا من المدينة المستجدة التي بنوها و سموها قراحرم فعبرت جيحون مغربة و انضم إليها قوم ممن أرسله جرماغون على هيئة المدد لهم فنزلوا على أصفهان في سنة ثلاث و ثلاثين المذكورة و حصروها فاختلف سيفا الشافعية و الحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم و فتحت أبواب المدينة و فتحها الشافعية على عهد بينهم و بين التتار أن يقتلوا الحنفية و يعفوا عن الشافعية فلما دخلوا البلد بدءوا بالشافعية فقتلوهم قتلا ذريعا و لم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ثم قتلوا الحنفية ثم قتلوا سائر الناس(9/209)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 238و سبوا النساء و شقوا بطون الحبالى و نهبوا الأموال و صادروا الأغنياء ثم أضرموا النار فأحرقوا أصبهان حتى صارت تلولا من الرماد. فلما لم يبق لهم بلد من بلاد العجم إلا و قد دوخوه صمدوا نحو إربل في سنة أربع و ثلاثين و ستمائة و قد نوا طرقوها مرارا و تحيفوا بعض نواحيها فلم يوغلوا فيها و الأمير المرتب بها يومئذ باتكين الرومي فنزل عليها في ذي القعدة من هذه السنة منهم نحو ثلاثين ألف فارس أرسلهم جرماغون و عليهم مقدم كبير من رؤسائهم يعرف بجكتاي فغاداها القتال و رواحها و بها عسكر جم من عساكر الإسلام فقتل من الفريقين خلق كثير و استظهر التتار و دخلوا المدينة و هرب الناس إلى القلعة فاعتصموا بها و حصرهم التتار و طال الحصار حتى هلك الناس في القلعة عطشا و طلب باتكين منهم أن يصالحوه عن المسلمين بمال يؤديه إليهم فأظهروا الإجابة فلما أرسل إليهم ما تقرر بينهم و بينه أخذوا المال و غدروا به و حملوا على القلعة بعد ذلك حملات عظيمة و زحفوا إليها زحفا متتابعا و علقوا عليها المنجنيقات الكثيرة و سير المستنصر بالله الخليفة جيوشه مع مملوكه و خادم حضرته و أخص مماليكه به شرف الدين إقبال الشرامي فساروا إلى تكريت فلما عرف التتر شخوصهم رحلوا عن إربل بعد أن قتلوا منها ما لا يحصى و أخربوها و تركوها كجوف حمار و عادوا إلى تبريز و بها مقام جرماغون و قد جعلها دار ملكه. فلما رحلوا عن إربل عاد العسكر البغدادي إلى بغداد و كانت للتتار بعد ذلك نهضات و سرايا كثيرة إلى بلاد الشام قتلوا و نهبوا و سبوا فيها حتى انتهت خيولهم إلى حلب فأوقعوا بها و صانعهم عنها أهلها و سلطانها ثم عمدوا إلى بلاد كيخسرو صاحب الروم و ذلك بعد أن هلك جرماغون و قام عوضه المعروف ببابايسيجو و كان شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 239قد جمع لهم ملك الروم قضه و قضيضه ويشه و لفيفه و استكثر من الأكراد العتمرية و من عساكر الشام و جند حلب(9/210)


فيقال إنه جمع مائة ألف فارس و راجل فلقيه التتار في عشرين ألفا فجرت بينه و بينهم حروب شديدة قتلوا فيها مقدمته و كانت المقدمة كلها أو أكثرها من رجال حلب و هم أنجاد أبطال فقتلوا عن آخرهم و انكسر العسكر الرومي و هرب صاحب الروم حتى انتهى إلى قلعة له على البحر تعرف بأنطاكية فاعتصم بها و تمزقت جموعه و قتل منهم عدد لا يحصى و دخلت التتار إلى المدينة المعروفة بقيسارية ففعلوا فيها أفاعيل منكرة من القتل و النهب و التحريق و كذلك بالمدينة المعروفة بسيواس و غيرها من كبار المدن الرومية و بخع لهم صاحب الروم بالطاعة و أرسل إليهم يسألهم قبول المال و المصانعة فضربوا عليه ضريبة يؤديها إليهم كل سنة و رجعوا عن بلاده. و أقاموا على جملة السكون و الموادعة للبلاد الإسلامية كلها إلى أن دخلت سنة ثلاث و أربعين و ستمائة فاتفق أن بعض أمراء بغداد و هو سليمان بن برجم و هو مقدم الطائفة المعروفة بالإيواء و هي من التركمان قتل شحنة من شحنهم في بعض قلاع الجبل يعرف بخليل بن بدر فأثار قتله أن سار من تبريز عشرة آلاف غلام منهم يطوون المنازل و يسبقون خبرهم و مقدمهم المعروف بجكتاي الصغير فلم يشعر الناس ببغداد إلا و هم على البلد و ذلك في شهر ربيع الآخر من هذه السنة في فصل الخريف و قد كان الخليفة المستعصم بالله أخرج عسكره إلى ظاهر سور بغداد على سبيل الاحتياط و كان التتر قد بلغهم ذلك إلا أن جواسيسهم غرتهم و أوقعت في أذهانهم أنه ليس خارج السور إلا خيام مضروبة و فساطيط مضروبة لا رجال تحتها و أنكم متى أشرفتم عليهم ملكتم سوادهم و ثقلهم و يكون قصارى أمر قوم قليلين تحتها أن ينهزموا إلى البلد و يعتصموا بجدرانه فأقبلت(9/211)

146 / 149
ع
En
A+
A-