و لا حدث نفسه بقتالهم لاشتغاله بما كان عليه من اللهو و إدمان الشرب ليلا و نهارا فأرسل إليهم و صالح لهم على مال و ثياب و دواب و حمل الجميع إليهم فساروا من عنده يطلبون ساحل البحر لأنه مشتى صالح لهم و المراعي به كثيرة فوصلوا إلى موقان و هي المنزل الذي نزلته الخرمية في أيام المعتصم و قد ذكره الطائيان في أشعارهما في غير موضع و الناس اليوم يقولون بالغين المعجمة عوض القاف و قد كانوا تطرقوا في طريقهم بعض أعمال الكرج فخرج إليهم منهم عشرة آلاف مقاتل فحاربوهم و هزموهم و قتلوا أكثرهم. فلما استقروا بموقان راسلت الكرج أزبك بن البهلوان في الاتفاق على حربهم و راسلوا موسى بن أيوب المعروف بالأشرف و كان صاحب خلاط و إرمينية بمثل ذلك و ظنوا أنهم يصبرون إلى أيام الربيع و انحسار الثلوج فلم يصبروا و صاروا من موقان في صميم الشتاء نحو بلاد الكرج فخرجت إليهم الكرج و اقتتلوا قتالا شديدا فلم يثبتوا للتتار و انهزموا أقبح هزيمة و قتل منهم من لا يحصى فكانت هذه الوقعة في ذي الحجة من سنة سبع عشرة و ستمائة. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 231ثم توجهوا إلى المراغة في أول سنة ثماني عشرة فملكوها في صفر و كانت لامرأة من بقايا ملوك المراغة تدبرها هي و وزراؤها فنصبوعليها المجانيق و قدموا أسارى المسلمين بين أيديهم و هذه عادتهم يتترسون بهم في الحروب فيصيبهم حدها و يسلمون هم من مضرتها فملكوها عنوة و وضعوا السيف في أهلها و نهبوا ما يصلح لهم و أحرقوا ما لا يصلح لهم و خذل الناس عنهم حتى كان الواحد منهم يقتل بيده مائة إنسان و السيوف في أيديهم لا يقدر أحد منهم أن يحرك يده بسيفه نحو ذلك التتري خذلان صب على الناس و أمر سمائي اقتضاه. ثم عادوا إلى همذان فطالبوا أهلها بمثل المال الذي بذلوه لهم في الدفعة الأولى فلم يكن في الناس فضل لذلك لأنه كان عظيما جدا فقام إلى رئيس همذان جماعة من أهلها و أسمعوه كلاما غليظا فقالوا أفقرتنا أولا و(9/202)


تريد أن تستصفينا دفعة ثانية ثم لا بد للتتار أن يقتلونا فدعنا نجاهدهم بالسيف و نموت كراما ثم وثبوا على شحنة كان للتتار بهمذان فقتلوه و اعتصموا بالبلد فحصرهم التتار فيه فقلت عليهم الميرة و عدمت الأقوات و أضر ذلك بأهل همذان و لم ينل التتار مضرة من عدم القوت لأنهم لا يأكلون إلا اللحم و الخيل معهم كثيرة و معهم غنم عظيمة يسوقونها حيث شاءوا و خيلهم لا تأكل الشعير و لا تأكل إلا نبات الأرض تحفر بحوافرها الأرض عن العروق فتأكلها. فاضطر رئيس همذان و أهلها إلى الخروج إليهم فخرجوا و التحمت الحرب بينهم أياما و فقد رئيس همذان هرب في سرب قد كان أعده إلى موضع اعتصم به ظاهر البلد و لم يعلم حقيقة حاله فتحير أهل همذان بعد فقده و دخلوا المدينة و اجتمعت كلمتهم على القتال في قصبة البلد إلى أن يموتوا و كان التتار قد عزموا على الرحيل عنهم لكثرة من قتل منهم فلما لم يروا أحدا يخرج إليهم من البلد طمعوا و استدلوا على ضعف أهله فقصدوهم و قاتلوهم(9/203)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 232و ذلك في شهر رجب من سنة ثماني عشرة و ستمائة و دخلوا المدينة بالسيف و قاتلهم الناس في الدروب و بطل السلاح للازدحام و اقتتلوا بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى و ظهر التتار على المسلمين فأفنوهم قتلا و لم يسلم منهم إلا من ك له نفق في الأرض يستخفي فيه ثم ألقوا النار في البلد فأحرقوها و رحلوا إلى مدينة أردبيل و أعمال أذربيجان فملكوا أردبيل و قتلوا فيها فأكثروا. ثم ساروا إلى تبريز و كان بها شمس الدين عثمان الطغرائي قد جمع كلمة أهلها بعد مفارقة صاحب أذربيجان أزبك بن البهلوان للبلاد خوفا من التتار و مقامه بنقجوان فقوى الطغرائي نفوس الناس على الامتناع و حذرهم عاقبة التخاذل و حصن البلد فلما وصل التتار و رأوا اجتماع كلمة المسلمين و حصانة البلد طلبوا منهم مالا و ثيابا فاستقر الأمر بينهم على شي ء معلوم فسيروه إليهم فلما أخذوه رحلوا إل بيلقان فقاتلهم أهلها فملكها التتار في شهر رمضان من هذه السنة و وضعوا فيهم السيف حتى أفنوهم أجمعين ثم ساروا إلى مدينة كنجة و هي أم بلاد أران و أهلها ذوو شجاعة و بأس و جلد لمقاومتهم الكرج و تدربهم بالحرب فلم يقدر التتار عليهم و أرسلوا إليهم يطلبون مالا و ثيابا فأرسلوه إليهم فساروا عنهم فقصدوا الكرج و قد أعدوا لهم فلما صافوهم هرب الكرج و أخذهم السيف فلم يسلم إلا الشريد و نهبت بلادهم و أخربت و لم يوغل التتار في بلاد الكرج لكثرة مضايقها و دربنداتها فقصدوا دربند شروان فحصروا مدينة شماخي و صعدوا سورها في السلاليم و ملكوا البلد بعد حرب شديدة و قتلوا فيه فأكثروا. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 233فلما فرغوا أرادوا عبور الدربند فلم يقدموا عليه فأرسلوا إلى شروانشاه ملك الدربند فطالبوه بإنفاذ رسول يسعى بينه و بينهم في الصلح فأرسل إليهم عشرة من ثقاته فلما وصلوا إليهم جمعوهثم قتلوا واحدا منهم بحضور الباقين و قالوا للتسعة إن أنتم عرفتمونا(9/204)


طريقا نعبر فيه فلكم الأمان و إلا قتلناكم كما قتلنا صاحبكم فقالوا لهم لا طريق في هذا الدربند و لكن نعرفكم موضعا هو أسهل المواضع لعبور الخيل. و ساروا بين أيديهم إليه فعبروا الدربند و تركوه وراء ظهورهم و ساروا في تلك البلاد و هي مملوءة من طرائق مختلفة منهم اللان و اللكر و أصناف من الترك فنهبوها و قتلوا الكثير من ساكنيها و رحلوا إلى اللان و هم أمم كثيرة و قد وصلهم خبرهم و جمعوا و حذروا و انضاف إليهم جموع من قفجاق فقاتلوهم فلم يظفر أحد العسكرين بالآخر فأرسل التتار إلى قفجاق أنتم إخواننا و جنسنا واحد و اللان ليسوا من جنسكم لتنصروهم و لا دينهم دينكم و نحن نعاهدكم ألا نعرض لكم و نحمل إليكم من المال و الثياب ما يستقر بيننا و بينكم على أن تنصرفوا إلى بلادكم. فاستقر الأمر بينهم على مال و ثياب حملها التتار إليهم و فارقت قفجاق اللان فأوقع التتار باللان فقتلوهم و نهبوا أموالهم و سبوا نساءهم فلما فرغوا منهم ساروا إلى بلاد قفجاق و هم آمنون متفرقون لما استقر بينهم و بين التتار من الصلح فلم يشعروا بهم إلا و قد طرقوهم و دخلوا بلادهم فأوقعوا بهم الأول فالأول و أخذوا منهم أضعاف ما حملوا إليهم و سمع ما كان بعيد الدار من قفجاق بما جرى. ففروا عن غير قتال فأبعدوا فبعضهم بالغياض و بعضهم بالجبال و بعضهم لحقوا ببلاد الروس و أقام التتار في بلاد قفجاق و هي أرض كثيرة المراعي في الشتاء و فيها أيضا أماكن باردة في الصيف كثيرة المراعي و هي غياض على ساحل البحر.(9/205)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 234ثم سارت طائفة منهم إلى بلاد الروس و هي بلاد كثيرة عظيمة و أهلها نصارى و ذلك في سنة عشرين و ستمائة فاجتمع الروس و قفجاق عن منعهم عن البلاد فلما قاربهم التتار و عرفوا اجتماعهم رجعوا القهقرى إيهاما للروس أن ذلك عن خوف و حذر فجد في اتباعهم و لم يزل التتار راجعين و أولئك يقفون آثارهم اثني عشر يوما. ثم رجعت التتار على الروس و قفجاق فأثخنوا فيهم قتلا و أسرا و لم يسلم منهم إلا القليل و من سلم نزل في المراكب و خرج في البحر إلى الساحل الشامي و غرق بعض المراكب. و هذه الوقائع كلها تولاها التتر المغربة الذين قادهم جرماغون فأما ملكهم الأكبر جنكزخان فإنه كان في هذه المدة بسمرقند ما وراء النهر فقسم أصحابه أقساما فبعث قسما منهم إلى فرغانة و أعمالها فملكوها و بعث قسما آخر إلى ترمذ و ما يليها فملكوها و بعث قسما آخر إلى بلخ و ما يليها من أعمال خراسان فأما بلخ فإنهم أمنوا أهلها و لم يتعرضوا لها بنهب و لا قتل و جعلوا فيها شحنة و كذلك فارياب و كثير من المدن إلا أنهم أخذوا أهلها يقاتلون بهم من يمتنع عليهم حتى وصلوا إلى الطالقان و هي عدة بلاد و فيها قلعة حصينة و بها رجال أنجاد فأقاموا على حصارها شهورا فلم يفتحوها فأرسلوا إلى جنكزخان يعرفونه عجزهم عنها فسار بنفسه و عبر جيحون و معه من الخلائق ما لا يحصى فنزل على هذه القلعة و بنى حولها شبه قلعة أخرى من طين و تراب و خشب و حطب و نصب عليها المنجنيقات و رمى القلعة بها فلما رأى أهلها ذلك فتحوها و خرجوا و حملوا حملة واحدة فقتل منهم من قتل و سلم من سلم و خرج السالمون فسلكوا تلك الجبال و الشعاب ناجين بأنفسهم و دخل التتار القلعة فنهبوا الأموال و الأمتعة و سبوا النساء و الأطفال. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 235ثم سير جنكزخان جيشا عظيما مع أحد أولاده إلى مدينة مرو و بهمائتا ألف من المسلمين فكانت بين التتار و بينهم حروب عظيمة شديدة صبر(9/206)

145 / 149
ع
En
A+
A-