كل واحد منهم إلا ثيابه التي على جسده فأمر بقتلهم فقتلوا عن آخرهم و أمر حينئذ بنهب البلد فنهب كل ما فيه و سبيت النساء و الأطفال و عذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال ثم رحلوا عنه نحو سمرقند و قد تحققوا عجز خوارزمشاه عنهم و استصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى مشاة على أقبح صورة و كل من أعيا و عجز عن المشي قتلوه. فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة و تركوا الرجالة و الأسارى و الأثقال وراءهم حتى يلتحقوا بهم شيئا فشيئا ليرعبوا قلوب أهل البلد فلما رأى أهل سمرقند سوادهم استعظموهم فلما كان اليوم الثاني وصل الأسارى و الرجالة و الأثقال و مع كل عشرة من الأسارى علم فظن أهل البلد أن الجميع عسكر مقاتلة فأحاطوا بسمرقند و فيها خمسون ألفا من الخوارزمية و ما لا يحصى كثرة من عوام البلد فأحجم العسكر الخوارزمي عن الخروج إليهم و خرجت العامة بالسلاح فأطمعهم التتار في أنفسهم و قهقروا عنهم و قد كمنوا لهم كمناء فلما جاوزوا الكمين خرج عليهم من ورائهم و شد عليهم من ورائهم جمهور التتار فقتلوهم عن آخرهم. فلما رأى من تخلف بالبلد ذلك ضعفت قلوبهم و خيلت للجند الخوارزمي أنفسهم(9/197)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 226أنهم إن استأمنوا إلى التتار أبقوا عليهم للمشاركة في جنسية التركية فخرجوا بأموالهم و أهليهم إليهم مستأمنين فأخذوا سلاحهم و خيلهم ثم وضعوا السيف فيهم فقتلوهم كلهم ثم نادوا في البلد برئت الذمة ممن لم يخرج و من خرج فهو آمن فخرج ناس إليهم بأجمعهم فاختلطوا عليهم و وضعوا فيهم السيف و عذبوا الأغنياء منهم و استصفوا أموالهم و دخلوا سمرقند فأخربوها و نقضوا دورها و كانت هذه الوقعة في المحرم سنة سبع عشرة و ستمائة. و كان خوارزمشاه مقيما بمنزله الأول كلما اجتمع له جيش سيره إلى سمرقند فيرجع و لا يقدم على الوصول إليها فلما قضوا وطرا من سمرقند سير جنكزخان عشرين ألف فارس و قال لهم اطلبوا خوارزمشاه أين كان و لو تعلق بالسماء حتى تدركوه و تأخذوه و هذه الطائفة تسميها التتار المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان و هم الذين أوغلوا في البلاد و مقدمهم جرماغون نسيب جنكزخان. و حكي أن جنكزخان كان قد أمر على هذا الجيش ابن عم له شديد الاختصاص به يقال له متكلى نويرة و أمره بالجد و سرعة المسير فلما ودعه عطف متكلى نويرة هذا فدخل إلى خركاه فيها امرأة له كان يهواها ليودعها فاتصل ذلك بجنكزخان فصرفه في تلك الساعة عن إرة الجيش و قال من يثني عزمه امرأة لا يصلح لقيادة الجيوش و رتب مكانه جرماغون فساروا و قصدوا من جيحون موضعا يسمى بنج آب أي خمسة مياه و هو يمنع العبور فلم يجدوا به سفنا فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار و لبسوه جلود البقر و وضعوا فيه أسلحتهم و أقحموا خيولهمالماء و أمسكوا بأذنابها شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 227و تلك الأحواض مشدودة إليها فكان الفرس يجذب الرجل و الرجل يجذب الحوض فعبروا كلهم ذلك الماء دفعة واحدة فلم يشعر خوارزمشاه بهم إلا و هم معه على أرض واحدة و كان جيشه قد ملئ رعبا منهم فلم يقدروا على الثبات فرقوا أيدي سبأ و طلب كل فريق منهم جهة و رحل خوارزمشاه في نفر من خواصه(9/198)


لا يلوي على شي ء و قصد نيسابور فلما دخلها اجتمع عليه بعض عسكره فلم يستقر حتى وصل جرماغون إليه و كان لا يتعرض في مسيره بنهب و لا قتل بل يطوي المنازل طيا يطلب خوارزمشاه و لا يمهله ليجمع عكرا فلما عرف قرب التتار منه هرب من نيسابور إلى مازندران فدخلها و رحل جرماغون خلفه و لم يعرج على نيسابور بل قصد مازندران فخرج خوارزمشاه عنها فكان كلما رحل عن منزل نزله التتار حتى وصل إلى بحر طبرستان فنزل هو و أصحابه في سفن و وصل التتار فلما عرفوا نزوله البحر رجعوا و أيسوا منه. و هؤلاء الذين ملكوا عراق العجم و أذربيجان فأقاموا بناحية تبريز إلى يومنا هذا. ثم اختلف في أمر خوارزمشاه فقوم يحكون أنه أقام بقلعة له في بحر طبرستان منيعة فتوفي بها و قوم يحكون أنه غرق في البحر و قوم يحكون أنه غرق و نجا عريانا فصعد إلى قرية من قرى طبرستان فعرفه أهلها فجاءوا و قبلوا الأرض بين يديه و أعلموا عاملهم به فجاء إليه و خدمه فقال له خوارزمشاه احملني في مركب إلى الهند فحمله إلى شمس الدين أنليمش ملك الهند و هو نسيبه من جهة زوجته والدة منكبوني بن خوارزمشاه الملك جلال الدين فإنها هندية من أهل بيت الملك فيقال إنه وصل إلى أنليمش و قد تغير(9/199)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 228عقله مما اعتراه من خوف التتار أو لأمر سلطه الله تعالى عليه فكان يهذي بالتتار بكرة و عشية و كل وقت و كل ساعة و يقول هو ذا هم قد خرجوا من هذا الباب قد هجموا من هذه الدرجة و يرعد و يحول لونه و يختل كلامه و حركاته. و حكى لي فقيهراساني وصل إلى بغداد يعرف بالبرهان قال كان أخي معه و كان ممن يثق خوارزمشاه به و يختصه قال لهج خوارزمشاه لما تغير عقله بكلمة كان يقولها قرا تتر كلدي يكررها و تفسيرها التتر السود قد جاءوا و في التتر صنف سود يشبهون الزنج لهم سيوف عريضة جدا على غير صورة هذه السيوف يأكلون لحوم الناس فكان خوارزمشاه قد أهتر و أغري بذكرهم. و حدثني البرهان قال رقي به شمس الدين أنليمش إلى قلعة من قلاع الهند حصينة عالية شاهقة لا يعلوها الغيم أبدا و إنما تمطر السحب من تحتها و قال له هذه القلعة لك و ذخائرها أموالك فكن فيها وادعا آمنا إلى أن يستقيم طالعك فالملوك ما زالوا هكذا يدبر طالعهم ثم يقبل فقال له لا أقدر على الثبات فيها و المقام بها لأن التتر سوف يطلبونني و يقدمون إلى هاهنا و لو شاءوا لوضعوا سروج خيلهم واحدا على واحد تحت القلعة فبلغت إلى ذروتها و صعدوا عليها فأخذوني قبضا باليد فعلم أنليمش أن عقله قد تغير و أن الله تعالى قد بدل ما به من نعمة فقال فما الذي تريد قال أريد أن تحملني في البحر المعروف ببحر المعبر إلى كرمان فحمله في نفر يسير من مماليكه إلى كرمان ثم خرج منها إلى أطراف بلاد فارس فمات هناك في قرية من قرى فارس و أخفي موته لئلا يقصده التتر و تطلب جثته. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 229و جملة الأمر أن حاله مشتبهة ملتبسة لم يتحقق على يقين و بقي الناس بعد هلاكه نحو سبع سنين ينتظرونه. و يذهب كثير منهم إلى أنه حي مستتر إلى أن ثبت عند الناس كافة أنه هلك. فأما جرماغون فإنه لما يئس من الظفبخوارزمشاه عاد من ساحل البحر إلى مازندران فملكها في أسرع وقت مع(9/200)


حصانتها و صعوبة الدخول إليها و امتناع قلاعها فإنها لم تزل ممتنعة على قديم الوقت حتى أن المسلمين لما ملكوا بلاد الأكاسرة من العراق إلى أقصى خراسان بقيت أعمال مازندران بحالها تؤدي الخراج و لا يقدر المسلمون على دخولها إلى أيام سليمان بن عبد الملك. و لما ملكت التتار مازندران قتلوا فيها و نهبوا و سلبوا ثم سلكوا نحو الري فصادفوا في الطريق والدة خوارزمشاه و نساءه و معهن أموال بيت خوارزمشاه و ذخائرهم التي ما لا يسمع بمثلها من الأعلاق النفيسة و هن قاصدات نحو الري ليعتصمن ببعض القلاع المنيعة فاستولى التتار عليهن و على ما معهن بأسره و سيروه كله إلى جنكزخان بسمرقند و صمدوا صمد الري و قد كان اتصل بهم أن محمدا خوارزمشاه قصدها كما يتسامع الناس بالأراجيف الصحيحة و الباطلة فوصلوها على حين غفلة من أهلها فلم يشعر بهم عسكر الري إلا و قد ملكوها و نهبوها و سبوا الحرم و استرقوا الغلمان و فعلوا كل قبيح منكر فيها و لم يقيموا بها و مضوا مسرعين في طلب خوارزمشاه فنهبوا في طريقهم ما مروا به من المدن و القرى و أحرقوا و خربوا و قتلوا الذكران و الإناث و لم يبقوا على شي ء و قصدا نحو همذان فخرج إليهم رئيسها و معه أموال جليلة قد جمعها من أهل همذان عينا و عروضا و خيلا و طلب منهم الأمان لأهل البلد فأمنوهم و لم يعرضوا لهم شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 230و ساروا إلى زنجان و استباحوها و إلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بقصبة مدينتهم فدخلوها بالسيف عنوة و قاتلهم أهلها قتالا شديدا بالسكاكين و هم معتادون بقتال السكين من حروبهم مع الإسماعيلية فقتل من الفريقين ما لا يحصى و يقال إن القتلبلغت أربعين ألفا من أهل قزوين خاصة. ثم هجم على التتار البرد الشديد و الثلج المتراكم فساروا إلى أذربيجان فنهبوا القرى و قتلوا من وقف بين أيديهم و أخربوا و أحرقوا حتى وصلوا إلى تبريز و بها صاحب أذربيجان أزبك بن البهلوان بن أيلدكر فلم يخرج إليهم(9/201)

144 / 149
ع
En
A+
A-