شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 215مِنْهَا فِي وَصْفِ الْأَتْرَاكِ كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَ الدِّيبَاجَ وَ يَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ وَ يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ حَتَّيَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ وَ يَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ فَضَحِكَ ع وَ قَالَ لِلرَّجُلِ وَ كَانَ كَلْبِيّاً يَا أَخَا كَلْبٍ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ وَ إِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ مَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ الآْيَةَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَ قَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وَ سَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وَ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ وَ مَنْ يَكُونُ لِلنَّارِ حَطَباً أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ ص فَعَلَّمَنِيهِ وَ دَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي وَ تَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي(9/187)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 216المجان جمع مجن بكسر الميم و هو الترس و إنما سمي مجنا لأنه يستتر به و الجنة السترة و الجمع جنن يقال استجن بجنة أي استتر بسترة. و المطرقة بسكون الطاء التي قد أطرق بعضها إلى بعض أي ضمت طبقاتها فجعل بعضها يتلو بعضا يقال جاءت الإ مطاريق أي يتلو بعضها بعضا و النعل المطرقة المخصوفة و أطرقت بالجلد و العصب أي ألبست و ترس مطرق و طراق النعل ما أطرقت و خرزت به و ريش طراق إذا كان بعضه فوق بعض و طارق الرجل بين الثوبين إذا لبس أحدهما علي الآخر و كل هذا يرجع إلى مفهوم واحد و هو مظاهرة الشي بعضه بعضا و يروى المجان المطرقة بتشديد الراء أي كالترسة المتخذة من حديد مطرق بالمطرقة. و السرق شقق الحرير و قيل لا تسمى سرقا إلا إذا كانت بيضا الواحدة سرقة. و يعتقبون الخيل أي يجنبونها لينتقلوا من غيرها إليها و استحرار القتل شدته استحر و حر بمعنى قال ابن الزبعري
حيث ألقت بقباء بركها و استحر القتل في عبد الأشل
و المفلت الهارب. يقول ع إن الأمور المستقبلة على قسمين أحدهما ما تفرد الله تعالى بعلمه و لم يطلع عليه أحدا من خلقه و هي الأمور الخمسة المعدودة في الآية المذكورة إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 217و القسم الثاني ما يعلمه بعض البشر بإعلام الله تعالى إياه و هو ما عدا هذه الخمسة و الإخبار بملحمة الأتراك من جملة ذلك. و تضطم عليه جوانحي تفت من الضم و هو الجمع أي يجتمع عليه جوانح صدري و يروى جوارحي و(9/188)


قد روي أن إنسانا قال لموسى بن جعفر ع إني رأيت الليلة في منامي أني سألتك كم بقي من عمري فرفعت يدك اليمنى و فتحت أصابعها في وجهي مشيرا إلي فلم أعلم خمس سنين أم خمسة أشهر أم خمسة أيام فقال و لا واحدة منهن بل ذاك إشارة إلى الغيوب الخمسة التي استأثر الله تعالى بها في قوله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية
فإن قلت لم ضحك ع لما قال له الرجل لقد أوتيت علم الغيب و هل هذا إلا زهو في النفس و عجب بالحال قلت قد روي أن رسول الله ص ضحك في مناسب هذه الحال لما استسقى فسقي و أشرف درور المطر فقام إليه الناس فسألوه أن يسأل الله تعالى أن يحبسه عنهم فدعا و أشار بيده إلى السحاب فانجاب حول المدينة كالإكليل و هو ع يخطب على المنبر فضحك حتى بدت نواجده و قال أشهد أني رسول الله و سر هذا الأمر أن النبي أو الولي إذا تحدث عنده نعمة الله سبحانه أو عرف الناس وجاهته عند الله فلا بد أن يسر بذلك و قد يحدث الضحك من السرور و ليس ذلك بمذموم إذا خلا من التيه و العجب و كان محض السرور و الابتهاج و قد قال تعالى في صفة أوليائه فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. فإن قلت فإن من جمله الخمسة وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً و قد أعلم شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 218الله تعالى نبيه بأر يكسبها في غده نحو قوله ستفتح مكة و أعلم نبيه وصيه ع بما يكسبه في غده نحو قوله له ستقاتل بعدي الناكثين الخبر. قلت المراد بالآية أنه لا تدري نفس جميع ما تكسبه في مستقبل زمانها و ذلك لا ينفي جواز أن يعلم الإنسان بعض ما يكسبه في مستقبل زمانه
فصل في ذكر جنكزخان و فتنة التتر(9/189)


و اعلم أن هذا الغيب الذي أخبر ع عنه قد رأيناه نحن عيانا و وقع في زماننا و كان الناس ينتظرونه من أول الإسلام حتى ساقه القضاء و القدر إلى عصرنا و هم التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق حتى وردت خيلهم العراق و الشام و فعلوا بملوك الخطا و قفجاق و ببلاد ما وراء النهر و بخراسان و ما والاها من بلاد العجم ما لم تحتو التواريخ منذ خلق الله آدم إلى عصرنا هذا على مثله فإن بابك الخرمي لم تكن نكايته و إن طالت مدته نحو عشرين سنة إلا في إقليم واحد و هو أذربيجان و هؤلاء دوخوا المشرق كله و تعدت نكايتهم إلى بلاد أرمينية و إلى الشام و وردت خيلهم إلى العراق و بخت نصر الذي قتل اليهود إنما أخرب بيت المقدس و قتل من كان بالشام من بني إسرائيل و أي نسبة بين من كان بالبيت المقدس من بني إسرائيل إلى البلاد و الأمصار التي أخربها هؤلاء و إلى الناس الذين قتلوهم من المسلمين و غيرهم شرح نهجبلاغة ج : 8 ص : 219و نحن نذكر طرفا من أخبارهم و ابتداء ظهورهم على سبيل الاختصار فنقول إنا على كثرة اشتغالنا بالتواريخ و بالكتب المتضمنة أصناف الأمم لم نجد ذكر هذه الأمة أصلا و لكنا وجدنا ذكر أصناف الترك من القفجاق و اليمك و البرلو و التفريه و اليتبه و الروس و الخطا و القرغز و التركمان و لم يمر بنا في كتاب ذكر هذه الأمة سوى كتاب واحد و هو كتاب مروج الذهب للمسعودي فإنه ذكرهم هكذا بهذا اللفظ التتر و الناس اليوم يقولون التتار بألف و هذه الأمة كانت في أقاصي بلاد المشرق في جبال طمغاج من حدود الصين و بينهم و بين بلاد الإسلام التي ما وراء النهر ما يزيد على مسير ستة أشهر و قد كان خوارزمشاه و هو محمد بن تكش استولى على بلاد ما وراء النهر و قتل ملوكها من الخطا الذين كانوا ببخارى و سمرقند و بلاد تركستان نحو كاشغر و بلاساغون و أفناهم و كانوا حجابا بينه و بين هذه الأمة و شحن هذه البلاد بقواده و جنوده و كان في ذلك غالطا لأن ملوك الخطا(9/190)


كانوا وقاية له و مجنا من هؤلاء فلما أفناهم صار هو المتولي لحرب هؤلاء أو سلمهم فأساء قواده و أمراؤه الذين بتركستان السيرة معهم و سدوا طرق التجارة عنهم فانتدبت منهم طائفة نحو عشرين ألفا مجتمعة كل بيت منها له رئيس مفرد فهم متساندون و خرجوا إلى بلاد تركستان فأوقعوا بقواد خوارزمشاه و عماله هناك و ملكوا البلاد و تراجع من بقي من عسكر خوارزمشاه و سلم من سيف التتار إلى خوارزمشاه فأغضى على ذلك و رأى أن سعة ملكه تمنعه عن مباشرة حربهم بنفسه و أن غيره من قواده لا يقوم مقامه في ذلك و ترك بلاد تركستان لهم و استقر الأمر على أن تركستان لهم و ما عداها من بلاد ما وراء النهر كسمرقند و بخارى و غيرهما لخوارزمشاه فمكثوا كذلك نحو أربع سنين.(9/191)

142 / 149
ع
En
A+
A-