خرج عن الموفقية جماعة من التجار كانوا مقيمين بها لما وصل إلى قلوبهم من الرهبة. قال أبو جعفر و حدثت على أبي أحمد في حال صعوبة علته حادثة في سلطانه و أمور متعلقة بما بينه و بيأخيه المعتمد فأشار عليه مشيرون من أصحابه و ثقاته بالرحلة عن معسكره إلى بغداد و أن يخلف من يقوم مقامه فأتى ذلك و حاذر أن يكون فيه تلافى ما قد فرق من شمل صاحب الزنج فأقام على صعوبة علته و غلظ الأمر الحادث في سلطانه و صبر إلى أن عوفي فظهر لقواده و خاصته و قد كان أطال الاحتجاب عنهم فقويت برؤيته منتهم و أقام متماثلا مودعا نفسه إلى شعبان من هذه السنة فلما أبل و قوي على الركوب و النهوض نهض و عاود ما كان مواظبا عليه من الحرب و جعل الناجم لما صح عنده الخبر بما أصاب أبا أحمد يعد أصحابه العدات و يمنيهم الأماني و اشتدت شوكتهم و قويت آمالهم فلما اتصل به ظهور أبي أحمد جعل يحلف للزنج على منبره أن ذلك باطل لا أصل له و أن الذي رأوه في الشذا مثال موه و شبه عليهم. قلت الحادث الذي حدث على أبي أحمد من جهة سلطانه أن أخاه المعتمد و هو الخليفة يومئذ فارق دار ملكه و مستقر خلافته مغاضبا له متجنيا عليه زاعما أنه مستبد بأموال المملكة و جبايتها مضطهدا له مستأثرا عليه فكاتب ابن طولون صاحب مصر و سأله أن يأذن له في اللحاق به فأجابه ابن طولون إلى ذلك فخرج من سامراء في جماعة من قواده و مواليه قاصدا مصر و كان أبو أحمد هو الخليفة في المعنى و إنما المعتمد صورة شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 201خالية من معاني الخلافة لا أمر له و لا نهي و لا حل و لا عقد و أبو أحمد هو الذي يرتب الوزراء و الكتاب و يقود القواد و يقطع الأقطاع و لا يراجع المعتمد في شي ء من الأمور أصلا فاتصل به خبر المعتمد في شخوصه عن سامرو قصده ابن طولون فكاتب إسحاق بن كنداحيق و هو يومئذ على الموصل و الجزيرة فأمره أن يعترض المعتمد و يقبض عليه و على القواد و الموالي الذين معه و يعيدهم(9/172)
إلى سامراء و كتب لإسحاق بإقطاعه ضياع أولئك القواد و الموالي بأجمعهم فاعترضهم إسحاق و قد قربوا من الرقة فأخذهم و قبض عليهم و قيدهم بالقيود الثقيلة و دخل على المعتمد فعنفه و هجنه و عذله في شخوصه عن دار ملكه و ملك آبائه و مفارقة أخيه على الحال التي هو بها و حرب من يحاول قتله و قتل أهل بيته و زوال ملكهم. ثم حملهم في قيودهم حتى وافى بهم سامراء فأقر المعتمد على خلافته و منعه عن الخروج و أرسل أبو أحمد ابنه هارون و كاتبه صاعد بن مخلد من الموفقية إلى سامراء فخلعا على ابن كنداحيق خلعا جليلة و قلد بسيفين من ذهب و لقب ذا السيفين و هو أول من قلد بسيفين ثم خلع عليه بعد ذلك بيوم قباء ديباج أسود و وشاحين مرصعين بالجوهر الثمين و توج بتاج من ذهب مرصع بنفيس الجوهر و قلد سيفا من ذهب مرصع بالجواهر العظيمة و شيعه إلى منزله هارون و صاعد و قعدا على طعامه كل ذلك مكافأة له عن صنيعه في أمر المعتمد فليعجب المتعجب من همة الموفق أبي أحمد و قوة نفسه و شدة شكيمته أن يكون بإزاء ذلك العدو و يقتل من أصحابه كل وقت من يقتل ثم يصاب ولده بسهم و يصاب هو بسهم آخر في صدره يشارف منه على الموت و يحدث من أخيه و هو الخليفة ما يحدث و لا تنكسر نفسه و لا يهي عزمه و لا تضعف قوته و بحق(9/173)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 202ما سمي المنصور الثاني و لو لا قيامه في حرب الزنج لانقرض ملك أهل بيته و لكن الله تعالى ثبته لما يريده من بقاء هذه الدولة. قال أبو جعفر ثم جد الموفق في تخريب السور و إحراق المدينة و جد الناجم في إعداد المقاتلة و المحاطة عن سورو مدينته فكانت بين الفريقين حروب عظيمة تجل عن الوصف و رمى الناجم سفن الموفق المقاربة لسور مدينته بالرصاص المذاب و المجانيق و العرادات و أمر أبو أحمد بإعداد ظلة من خشب للشذا و إلباسها جلود الجواميس و تغطية ذلك بالخيوش المطلية بصنوف العقاقير و الأدوية التي تمنع النار من الإحراق ففعل ذلك و حورب صاحب الزنج من تحتها فلم تعمل ناره و رصاصه المذاب فيها شيئا و استأمن إلى أبي أحمد محمد بن سمعان كاتب الناجم و وزيره في شعبان من هذه السنة فهد باستئمانه أركان الناجم و أضعف قوته و انتدب أبو العباس لقصد دار محمد بن يحيى الكرنبائي و كانت بإزاء دار الناجم و شرع في الحيلة في إحراقها و أحرق الموفق كثيرا من الرواشين المظلة على سور المدينة و شعثها و علا غلمان أبي أحمد على دار الناجم و ولجوها و انتهبوها و أضرموا النار فيها و فعل أبو العباس بدار الكرنبائي مثل ذلك و جرح أنكلاني بن الناجم في بطنه جراحة شديدة أشفى منها على التلف و اتفق مع هذا الظفر العظيم أن غرق أبو حمزة نصير صاحب جيش الماء عند ازدحام الشذوات و إكباب الزنج على الحرب فصعب ذلك على أبي أحمد و قوي بغرقه أمر الزنج و انصرف أبو أحمد شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 203آخر نهار هذاليوم و عرضت له علة أقام فيها بقية شعبان و شهر رمضان و أياما من شوال ممسكا عن حرب الزنج إلى أن استبل من علته. قال أبو جعفر فلما أحرقت دار الناجم و دور أصحابه و شارف أن يؤخذ و عرضت لأبي أحمد هذه العلة فأمسك فيها عن الحرب انتقل الناجم من مدينته التي بناها بغربي نهر أبي الخصيب إلى شرقيه إلى منزل وعر لا يخلص إليه أحد لاشتباك(9/174)
القصب و الأدغال و الأحطاب فيه و عليه خنادق من أنهار قاطعة معترضة فقطن هناك في خواصه و من تخلف معه من جلة أصحابه و ثقاته و من بقي في نصرته من الزنج و هم حدود عشرين ألف مقاتل و انقطعت الميرة عنهم و بان للناس ضعف أمرهم فتأخر الجلب الذي كان يصل إليهم فبلغ الرطل من خبز البر عندهم عشرة دراهم فأكلوا الشعير ثم أكلوا أصناف الحبوب ثم لم يزل الأمر كذلك إلى أن كانوا يتبعون الناس فإذا خلا أحد منهم بصبي أو امرأة أو رجل ذبحوه و أكلوه ثم صار قوي الزنج يعدو على ضعيفهم فإذا خلا به ذبحه و أكل لحمه ثم ذبحوا أولادهم فأكلوا لحومهم و كان الناجم لا يعاقب أحدا ممن فعل شيئا من ذلك إلا بالحبس و إذا تطاول حبسه أطلقه. و لما أبل الموفق من علته و علم انتقال الناجم إلى شرقي نهر أبي الخصيب و اعتصامه به أعمل فكره في تخريب الجانب الشرقي عليه كما فعل بالجانب الغربي ليتمكن من قتله أو أسره فكانت له آثار عظيمة من قطع الأدغال و الدحال و سد الأنهار و طم الخنادق و توسيع المسالك و إحراق الأسوار المبنية و إدخال الشذا و فيها المقاتلة إلى حريم الناجم و في كل ذلك يدافع الزنج عن أنفسهم بحرب شديدة و قتال عظيم تذهب فيها النفوس و تراق فيها الدماء و كان الظفر في ذلك كله لأبي أحمد و أمر الزنج يزداد ضعفا(9/175)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 204و طالت الأيام على ذلك إلى أن استأمن سليمان بن موسى الشعراني و هو من عظمائهم و قد تقدم ذكره فوجه يطلب الأمان من أبي أحمد فمنعه ذلك لما كان سلف منه من العيث و سفك الدماء بنواحي واسط. ثم اتصل بأبي أحمد أن جماعة من رؤساء الزنج قاستوحشوا لمنعه الشعراني من الأمان فأجاب إلى إعطائه الأمان استصلاحا بذلك غيره من رؤساء الزنج و أمر بتوجيه الشذا إلى موضع وقع الميعاد عليه فخرج سليمان الشعراني و أخوه و جماعة من قواده فنزلوا الشذا فصاروا إلى أبي العباس فحملهم إلى أبي أحمد فخلع على سليمان و من معه و حمله على عدة أفراس بسروجها و آلتها و أنزل له و لأصحابه إنزالا سنية و وصله بمال جليل و وصل أصحابه و ضمه و ضمهم إلى أبي العباس و أمر بإظهاره و إظهارهم في الشذا لأصحاب الناجم ليزدادوا ثقة بأمانته فلم تبرح الشذا ذلك اليوم من موضعها حتى استأمن جمع كثير من قواد الزنج فوصلوا و ألحقوا بإخوانهم في الحباء و البر و الخلع و الجوائز فلما استأمن الشعراني اختل ما كان الناجم قد ضبطه به من مؤخر عسكره و قد كان جعله على مؤخر نهر أبي الخصيب فوهى أمره و ضعف و قلد ما كان سليمان يتولاه القائد المعروف بشبل بن سالم و هو من قوادهم المشهورين فلم يمس أبو أحمد حتى وافاه رسول شبل بن سالم يطلب الأمان و يسأل أن يوقف له شذوات عند دار ابن سمعان ليكون قصده في الليل إليها و معه من يثق به من أصحابه فأجيب إلى سؤاله و وافى آخر الليل و معه عياله و ولده و جماعة من قواده فصاروا إلى أبي أحمد فوصله بصلة جليلة و خلع عليه خلعا كثيرة و حمله على عدة أفراس بسروجها و آلتها و وصل أصحابه و خلع عليهم و أحسن إليهم و أرسله في الشذوات فوقفوا بحيث يراهم الناجم و أصحابه نهارا فعظم ذلك عليه و على أوليائه و أخلص شبل في مناصحة أبي أحمد فسأل أن يضم إليه عسكر يبيت به عسكر الناجم و يسلك إليه من مسالك يعرفها هو و لا يعرفها أصحاب(9/176)