عشرة آلاف من الزنج و غيرهم و القصد إلى نهر الدير و نهر المرأة و نهر أبي الأسد و الخروج من هذه الأنهار إلى البطيحة و الغارة على المسلمين و أهل القرى و قطع الطرقات و أخذ جميع ما يقدرون عليه من الطعام و الميرة و حمله إلى مدينته و قطعه عن الوصول إلى عسكر أبي أحمد فندب أبو أحمد لقصدهم مولاه لزيرك في جيش كثيف بعضه في الماء و بعضه على الظهر فواقعهم في الموضع المعروف بنهر عمر فكانت بينه و بينهم حرب شديدة أسفرت عن انكسارهم و خذلان الله لهم فأخذ منهم أربعمائة سفينة و أسرى كثيرين و أقبل بها و بهم و بالرءوس إلى عسكر أبي أحمد. قال أبو جعفر و ندب أبو أحمد ابنه أبا العباس لقصد مدينة الناجم و العلو عليها فقصدها من النهر المعروف بالغربي و قد أعد الناجم به علي بن أبان المهلبي فاستعرت الحرب بين الفريقين فأمد الناجم عليا بسليمان بن جامع في جمع كثير من قواد الزنج و اتصلت الحرب و استأمن كثير من قواد الزنج إلى أبي العباس و امتدت الحرب إلى بعد العصر ثم انصرف أبو العباس فاجتاز في منصرفه بمدينة الناجم و قد انتهى إلى الموضع المعروف(9/162)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 191بنهر الأتراك فرأى في ذلك النهر قلة من الزنج الذين يحرسونه فطمع فيهم فقصد نحوهم و صعد جماعة من أصحابه سور المدينة و عليه فريق من الزنج فقتلوا من أصابوا هناك و نذر الناجم بهم فأنجدهم بقواد من قواده فأرسل أبو العباس إلى أبيه يسده فوافى من عسكر أبي أحمد من خف من الغلمان فقوى بهم عسكر أبي العباس. و قد كان سليمان بن جامع لما رأى أن أبا العباس قد أوغل في نهر الأتراك صعد في جمع كثير من الزنج ثم استدبر أصحاب أبي العباس و هم متشاغلون بحرب من بإزائهم على سور المدينة فخرج عليهم من ورائهم و خفقت طبولهم فانكشف أصحاب أبي العباس و حملت الزنج عليهم من أمامهم فأصيب في هذه الوقعة جماعة من غلمان أبي أحمد و قواده و صار في أيدي الزنج عدة أعلام و مطارد و حامى أبو العباس عن نفسه حتى انصرف سالما فأطمعت هذه الوقعة الزنج و أتباعهم و شدت قلوبهم فأجمع أبو أحمد على العبور بجيشه أجمع و أمر بالاستعداد و التأهب فلما تهيأ له ذلك عبر في آخر ذي الحجة من سنة سبع و ستين في أكثف جمع و أكمل عدة و فرق قواده على أقطار مدينة الناجم و قصد هو بنفسه ركنا من أركانها و قد كان الناجم حصنه بابنه الذي يقال له أنكلاني و كنفه بعلي بن أبان و سليمان بن جامع و إبراهيم بن جعفر الهمداني و حفه بالمجانيق و العرادات و القسي الناوكية و أعد فيه الناشبة جمع فيه أكثر جيشه فلما التقى الجمعان أمر أبو أحمد غلمانه الناشبة و الرامحة و السودان بالدنو من هذا شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 192الركن و بي و بينهم النهر المعروف بنهر الأتراك و هو نهر عريض غزير الماء فلما انتهوا إليه أحجموا عنه فصيح بهم و حرضوا على العبور فعبروه سباحة و الزنج ترميهم بالمجانيق و العرادات و المقاليع و الحجارة عن الأيدي و السهام عن قسي اليد و قسي الرجل و صنوف الآلات التي يرمى عنها فصبروا على جميع ذلك حتى جاوزوا النهر و انتهوا إلى السور و لم يكن(9/163)
لحقهم من الفعلة من كان أعده لهدمه فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من السلاح و يسر الله تعالى ذلك و سهلوا لأنفسهم السبيل إلى علوه و حضرهم بعض السلاليم التي كانت اتخذت لذلك فعلوا الركن و نصبوا عليه علما عليه مكتوب الموفق بالله و أكبت عليهم الزنج فحاربوا أشد حرب و قتل من قواد أبي أحمد القائد المعروف بثابت الأسود رمي بسهم في بطنه فمات و كان من جلة القواد و أحرق أصحاب الموفق ما على ذلك الركن من المنجنيقات و العرادات. و قصد أبو العباس بأصحابه جهة أخرى من جهات المدينة ليدخلها من النهر المعروف بمنكى فعارضه علي بن أبان في جمع من الزنج فظهر أبو العباس عليه و هزمه و قتل قوما من أصحابه و أفلت علي بن أبان المهلبي راجعا و انتهى أبو العباس إلى نهر منكى و هو يرى أن المدخل من ذلك الموضع سهل فوصل إلى الخندق فوجده عريضا منيعا فحمل أصحابه أن يعبروه فعبروه و عبرته الرجالة سباحة و وافوا السور فثلموا منه ثلمة و اتسع لهم دخولها فدخلوا فلقي أولهم سليمان بن جامع و قد أقبل للمدافعة عن تلك الناحية فحاربوه و كشفوه و انتهوا إلى النهر المعروف بابن سمعان و هو نهر سيق بالمدينة و صارت الدار المعروفة بدار ابن سمعان في أيديهم فأحرقوا ما كان فيها و هدموها. فوقفت الزنج على نهر ابن سمعان وقوفا طويلا و دافعوا مدافعة شديدة و شد بعض موالي الموفق على علي بن أبان فأدبر عنه هاربا فقبض على مئزره فحل على المئزر و نبذه إلى الغلام و نجا بعد أن أشرف على الهلكة و حمل أصحاب أبي أحمد على الزنج فكشفوهم(9/164)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 193عن نهر ابن سمعان حتى وافوا بهم طرف المدينة و ركب الناجم بنفسه في جمع من خواصه فتلقاه أصحاب الموفق فعرفوه و حملوا عليه و كشفوا من كان معه حتى أفرد و قرب منه بعض الرجالة حتى ضرب وجه فرسه بترسه و كان ذلك وقت غروب الشمس و حجز الل بينهم و بينه و أظلم و هبت ريح شمال عاصف و قوي الجزر فلصق أكثر سفن الموفق بالطين و حرض الناجم أصحابه فثاب منهم جمع كثير فشدوا على سفن الموفق فنالوا منها نيلا و قتلوا نفرا و صمد بهبوذ الزنجي لمسرور البلخي بنهر الغربي فأوقع به و قتل جماعة من أصحابه و أسر أسرى و صار في يده دواب من دوابهم فكسر ذلك من نشاط أصحاب الموفق و قد كان هرب في هذا اليوم كثير من قواد صاحب الزنج و تفرقوا على وجوههم نحو نهر الأمير و عبادان و غيرهما و كان ممن هرب ذلك اليوم منهم أخو سليمان بن موسى الشعراني و محمد و عيسى فمضيا يؤمان البادية حتى انتهى إليهما رجوع أصحاب الموفق و ما نيل منهم فرجعا و هرب جماعة من العرب الذين كانوا في عسكر الناجم و صاروا إلى البصرة و بعثوا يطلبون الأمان من أبي أحمد فأمنهم و وجه إليهم السفن و حملهم إلى الموفقية و خلع عليهم و أجرى لهم الأرزاق و الأنزال. و كان ممن رغب في الأمان من قواد الناجم القائد المعروف بريحان بن صالح المغربي و كانت له رئاسة و قيادة و كان يتولى حجبة أنكلاني بن الناجم فكتب ريحان يطلب الأمان لنفسه و لجماعة من أصحابه فأجيب إلى ذلك و أنفذ إليه عدد كثير من الشذا و السميريات و المعابر مع لزيرك القائد صاحب مقدمة أبي العباس فسلك نهر اليهودي إلى آخره فألفى به ريحان القائد و من كان معه من أصحابه و قد كان الموعد تقدم منه في موافاة ذلك الموضع فسار لزيرك به و بهم إلى دار الموفق فأمر لريحان بخلع جليلة شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 194و حمل على عدة أفراس بآلتها و حلها و أجيز بجائزة سنية و خلع على أصحابه و أجيزوا على أقدارهم و(9/165)
مراتبهم و ضم ريحان إلى أبي العباس و أمر بحمله و حمل أصحابه و المصير بهم إلى إزاء دار الناجم فوقفوا هنالك في الشذا عليهم الخلع الملونة بصنوف الألوان و الذهب حتى عاينوهم مشاهدة فاستأمن في هذا اليوم من أصحاب ريحان الذين كانوا تخلفوا عنه و من غيرهم جماعة فألحقوا في البر و الإحسان بأصحابهم. ثم استأمن جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان في أول يوم من سنة ثمان و ستين و مائتين و كان أحد ثقات الناجم ففعل به من الخلع و الإحسان ما فعل بريحان و حمل في سميرية حتى وقف بإزاء قصر الناجم حتى يراه أصحابه و كلمهم و أخبرهم أنهم في غرور من صاحبهم و أعلمهم ما وقف عليه من كذبه و فجوره فاستأمن في هذا اليوم خلق كثير من قواد الزنج و غيرهم و تتابع الناس في طلب الأمان و أقام أبو أحمد يجم أصحابه و يداوي جراحهم و لا يحارب و لا يعبر إلى الزنج إلى شهر ربيع الآخر. ثم عبر جيشه في هذا الشهر المذكور مرتبا على ما استصلحه من تفريقه في جهات مختلفة و أمرهم بهدم سور المدينة و تقدم إليهم أن يقتصروا على الهدم و لا يدخلوا المدينة و وكل بكل ناحية من النواحي التي وجه إليها قواده سفنا فيها الرماة و أمرهم أن يحموا بالسهام من يهدم السور من الفعلة فثلمت في هذا اليوم من السور ثلم كثيرة و اقتحم أصحاب أبي أحمد المدينة من جميع تلك الثلم و هزموا من كان عليها من الزنج و أوغلوا في طلبهم و اختلف بهم طرق المدينة و تفرقت بهم السكك و الفجاج(9/166)