معه إلى ناحية سليمان بن جامع ليجتمعا على حرب أبي العباس. فصح عزم أبي أحمد على الشخوص إلى واسط و حضور الحرب بنفسه فخرج عن بغداد في صفر من هذه السنة و عسكر بالفرك و أقام بها أياما حتى تلاحق به عسكره و من أراد المسير معه و قد أعد آلة الماء و رحل من الفرك إلى المدائن ثم إلى دير العاقول ثم إلى جرجرايا ثم قنى ثم جبل ثم نزل الصلح ثم نزل على فرسخ من واسط. و تلقاه ابنه أبو العباس في جريدة خيل فيها وجوه قواده فسأله أبوه عن خبرهم فوصف له بلاءهم و نصحهم فخلع أبو أحمد على أبي العباس ثم على القواد الذين كانوا معه و انصرف أبو العباس إلى معسكره بالعمر فبات به فلما كان صبيحة الغد رجل أبو أحمد منحدرا في الماء و تلقاه ابنه أبو العباس في آلات الماء بجميع العسكر في هيئة الحرب على الوضع الذي كانوا يحاربون الزنج عليه فاستحسن أبو أحمد هيئتهم و سر بذلك و سار أبو أحمد حتى نزل بإزاء القرية المعروفة بقرية عبد الله و وضع العطاء فأعطى الجيش كله أرزاقهم و قدم ابنه أبا العباس أمامه في السفن و سار وراءه فتلقاه(9/142)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 171أبو العباس برءوس و أسرى من أصحاب الشعراني و كان لقيهم فأمر أبو أحمد بالأسرى فضربت أعناقهم و رحل يريد المدينة التي بناها الشعراني بسوق الخميس و سماها المنيعة. و إنما بدأ أبو أحمد بحرب الشعراني قبل حرب سليمان بن جامع لأن الشعري كان وراءه فخاف إن بدأ بابن جامع أن يأتيه الشعراني من ورائه فيشغله عمن هو أمامه فلما قرب من المدينة خرج إليه الزنج فحاربوه حربا ضعيفة و انهزموا فعلا أصحاب أبي العباس السور و وضعوا السيف فيمن لقيهم و تفرق الزنج و دخل أبو العباس المدينة فقتلوا و أسروا و حووا ما كان فيها و أفلت الشعراني هاربا و معه خواصه فأتبعهم أصحاب أبي العباس حتى وافوا بهم البطائح فغرق منهم خلق كثير و لجأ الباقون إلى الآجام و انصرف الناس و قد استنقذ من المسلمات اللواتي كن بأيدي الزنج في هذه المدينة خاصة خمسة آلاف امرأة سوى من ظفر به من الزنجيات. فأمر أبو أحمد بحمل النساء اللواتي سباهن الزنج إلى واسط و أن يدفعن إلى أوليائهن و بات أبو أحمد بحيال المدينة ثم باكرها و أذن للناس في نهب ما فيها من أمتعة الزنج فدخلت و نهب كل ما كان بها و أمر بهدم سورها و طم خندقها و إحراق ما كان بقي منها و ظفر في تلك القرى التي كانت في يد الشعراني بما لا يحصى من الأرز و الحنطة و الشعير و قد كان الشعراني استولى على ذلك كله و قتل أصحابه فأمر أبو أحمد ببيعه و صرف ثمنه في أعطيات مواليه و غلمانه و جنده. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 172و أما الشعراني فإنه التحق هو و أخوه بمذار و كتب إلى الناجم يعرفه ذلك و أنه معتصم بالمذار. قال أبو جعفر فحدثني محمد بن الحسن بن سهل قال حدثني محمد بن هشام الكرنبائي المعروف بأبي واثلة قال كنت بين يدي الناجم ذلك اليوم و هو يتحدث إذ ورد عليه كتاب سليمان بخبر الواقعة و ما نزل به و انهزامه إلى المذار فما كان إلا أن فض الكتاب و وقعت عينه على ذكر الهزيمة حتى انحل(9/143)
وكاء بطنه فنهض لحاجته ثم عاد. فلما استوى به مجلسه أخذ الكتاب و تأمله فوقعت عينه على الموضع الذي أنهضه أولا فنهض لحاجته حتى فعل ذلك مرارا فلم أشك في عظم المصيبة و كرهت أن أسأله فلما طال الأمر تجاسرت فقلت أ ليس هذا كتاب سليمان بن موسى قال بلى ورد بقاصمة الظهر ذكر أن الذين أناخوا عليه أوقعوا به وقعة لم تبق منه و لم تذر فكتب كتابه هذا و هو بالمذار و لم يسلم بشي ء غير نفسه قال فأكبرت ذلك و الله يعلم ما أخفي من السرور الذي وصل إلى قلبي قال و صبر عي بن محمد على مكروه ما وصل إليه و جعل يظهر الجلد و كتب إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني و يأمره بالتيقظ في أمره و حفظ ما قبله. قال أبو جعفر ثم لم يكن لأبي أحمد بعد ذلك هم إلا في طلب سليمان بن جامع فأتته طلائعه فأخبرته أنه بالحوانيت فقدم أمامه ابنه أبا العباس في عشرة آلاف فانتهى إلى الحوانيت فلم يجد سليمان بن جامع بها و ألفى هناك من قواد السودان المشتهرين بالبأس و النجدة القائدين المعروف أحدهما بشبل و الآخر بأبي الندى و هما من قدماء(9/144)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 173أصحاب الناجم الذين كان قودهم في بدء مخرجه و كان سليمان قد خلف هذين القائدين بالحوانيت لحفظ غلات كثيرة كانوا قد أخذوها فحاربهما أبو العباس فقتل من رجالهما و جرح بالسهام خلقا كثيرا و كانوا أجلد رجال سليمان بن جامع و نخبتهم الذ يعتمد عليهم و دامت الحرب بين أبي العباس و بينهم ذلك اليوم إلى أن حجز الليل بين الفريقين و رمى أبو العباس في ذلك اليوم كركيا طائرا فوقع بين الزنج و السهم فيه فقالوا هذا سهم أبي العباس و أصابهم منه ذعر و استأمن في هذا اليوم بعضهم إلى أبي العباس فسأله عن الموضع الذي فيه سليمان بن جامع فأخبره أنه مقيم بمدينته التي بناها بطهيثا فانصرف أبو العباس حينئذ إلى أبيه بحقيقة مقام سليمان و أن معه هنالك جميع أصحابه إلا شبلا و أبا الندى فإنهما بالحوانيت لحفظ الغلات التي حووها فأمر حينئذ أبو أحمد أصحابه بالتوجه إلى طهيثا و وضع العطاء فأعطى عسكره و شخص مصاعدا إلى بردودا ليخرج منها إلى طهيثا إذ كان لا سبيل له إليها إلا بذلك فظن عسكره أنه هارب و كادوا ينفضون لو لا أنهم عرفوا حقيقة الحال فانتهى إلى القرية بالحوذية و عقد جسرا على النهر المعروف بمهروذ و عبر عليه الخيل و سار إلى أن صار بينه و بين مدينة سليمان التي سماها المنصورة بطهيثا ميلان فأقام هناك بعسكره و مطرت السماء مطرا جودا و اشتد البرد أيام مقامه هنالك فشغل بالمطر و البرد عن الحرب فلم يحارب فلما فتر ركب في نفر من قواده و مواليه لارتياد موضع لمجال الخيل فانتهى إلى قريب من سور تلك المدينة فتلقاه منهم خلق كثير و خرج عليه كمناء من مواضع شتى و نشبت الحرب و اشتدت فترجل جماعة من الفرسان و دافعوا حتى خرجوا عن المضايق التي كانوا أوغلوها و أسر من غلمان أبي أحمد غلام يقال له وصيف العلمدار و عدة من قواد زيرك و قتل في هذا اليوم أحمد بن مهدي الجبائي أحد القواد العظماء من الزنج رماه أبو العباس بسهم(9/145)
فأصاب أحد منخريه حتى خالط دماغه فخر صريعا و حمل من المعركة و هو حي فسأل أن يحمل شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 174إلى الناجم فحمل من هناك إلى نهر أبي الخصيب إلى مدينة الناجم التي سماها المختارة فو بين يديه و هو على ما به فعظمت المصيبة عليه به إذ كان من أعظم أصحابه غناء و أشدهم تصبرا لإطاعته فمكث الجبائي يعالج هنالك أياما ثم هلك فاشتد جزع الناجم عليه و صار إليه فولي غسله و تكفينه و الصلاة عليه و الوقوف على قبره إلى أن دفن ثم أقبل على أصحابه فوعظهم و ذكر موت الجبائي و كانت وفاته في ليلة ذات رعود و بروق. فقال فيما ذكر عنه لقد سمعت وقت قبض روحه زجل الملائكة بالدعاء له و الترحم عليه و انصرف من دفنه منكسرا عليه الكآبة. قال أبو جعفر فلما انصرف أبو أحمد ذلك اليوم من الوقعة غاداهم بكرة الغد و عبأ أصحابه كتائب فرسانا و رجالة و أمر بالشذا و السميريات أن يسار بها معه في النهر الذي يشق مدينة طهيثا و هو النهر المعروف بنهر المنذر و سار نحو الزنج حتى انتهى إلى سور المدينة قريب قواد غلمانه في المواضع التي يخاف خروج الزنج عليه منها و قدم الرجالة أمام الفرسان و نزل فصلى أربع ركعات و ابتهل إلى الله تعالى في النصر و الدعاء للمسلمين ثم دعا بسلاحه فلبسه و أمر ابنه أبا العباس أن يتقدم إلى السور و يحض الغلمان على الحرب ففعل و قد كان سليمان بن جامع أعد أمام سور المدينة التي سماها المنصورة خندقا فلما انتهى الغلمان إليه تهيبوا عبوره و أحجموا عنه فحرضهم قوادهم و ترجلوا معهم فاقتحموه متجاسرين عليه فعبروه و انتهوا إلى الزنج و هم مشرفون من سور مدينتهم فوضعوا السلاح فيهم و عبرت شرذمة من الفرسان الخندق خوضا فلما رأى الزنج خبر هؤلاء الذين لقوهم و جرأتهم عليهم ولوا منهزمين و اتبعهم أصحاب أبي أحمد و دخلوا(9/146)