شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 165بالبصرة و أعمالها يجبون الخراج على عادة السلطان لما كانت البصرة في يده و كان علي بن أبان المهلبي و هو أكبر أمرائه و قواده قد استولى على الأهواز و أعمالها و دوخ بلادها كرامهرمز و تستر و غيرهما و دان له الناس و جبا الخراج و ملأموالا لا تحصى. و كان سليمان بن جامع و سليمان بن موسى الشعراني و معهما أحمد بن مهدي الجبائي في الأعمال الواسطية قد ملكوها و بنوا بها المدن الحصينة و فازوا بأموالها و ارتفاعها و جبوا خراجها و رتبوا عمالهم و قوادهم فيها إلى أن دخلت سنة سبع و ستين و مائتين و قد عظم الخطب و جل و خيف على ملك بني العباس أن يذهب و ينقرض فلم يجد أبو أحمد الموفق و هو طلحة بن المتوكل على الله بدا من التوجه بنفسه و مباشرته هذا الأمر الجليل برأيه و تدبيره و حضوره معارك الحرب فندب أمامه ابنه أبا العباس و ركب أبو أحمد إلى بستان الهادي ببغداد و عرض أصحاب أبي العباس و ذلك في شهر ربيع الآخر من هذه السنة فكانوا عشرة آلاف فرسانا و رجالة في أحسن زي و أجمل هيئة و أكمل عدة و معهم الشذوات و السميريات و المعابر برسم الرجالة كل ذلك قد أحكمت صنعته فركب أبو العباس من بستان الهادي و ركب أبو أحمد مشيعا له حتى نزل القرية المعروفة بالفرك ثم عاد و أقام أبو العباس بالفرك أياما حتى تكامل عدده و تلاحق به أصحابه. ثم رحل إلى المدائن فأقام بها أياما ثم رحل إلى دير العاقول فورد عليه كتاب نصير المعروف بأبي حمزة و هو من جلة أصحابه و كان صاحب الشذا و السميريات و قد كان قدمه على مقدمته بدجلة يعلمه فيه أن سليمان بن جامع قد وافى لما علم بشخوص أبي العباس و الجبائي يقدمه في خيلهما و رجالهما و سفنهما حتى نزلا الجزيرة التي بحضرة شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 166بردودا فوق واسط بأربعة فراسخ و أن سليمان بن موسى الشعراني قد وافى ر أبان بعسكره عسكر البر و عسكر الماء فرحل أبو العباس لما قرأ هذا(9/137)


الكتاب حتى وافى جرجرايا ثم منها إلى فم الصلح ثم ركب الظهر و سار حتى وافى الصلح و وجه طلائعه ليتعرف الخبر فأتاه منهم من أخبره بموافاة القوم و أن أولهم قريب من الصلح و آخرهم ببستان موسى بن بغا أسفل واسط فلما عرف ذلك عدل عن سنن الطريق و لقي أصحابه أوائل القوم فتطاردوا لهم عن وصية أوصاهم أبو العباس بها حتى طمع الزنج فيهم و اغتروا و أمعنوا في اتباعهم و جعلوا يصيحون بهم اطلبوا أميرا للحرب فإن أميركم مشغول بالصيد فلما قربوا من أبي العباس بالصلح خرج إليهم فيمن معه من الخيل و الرجل و أمر فصيح بأبي حمزة يا نصير إلى أين تتأخر عن هؤلاء الكلاب ارجع إليهم فرجع نصير بشذواته و سميرياته و فيها الرجال و ركب أبو العباس في سميرية و معه محمد بن شعيب و حف أصحابه بالزنج من جميع جهاتهم فانهزموا و منح الله أبا العباس و أصحابه أكتافهم يقتلونهم و يطردونهم إلى أن وافوا قرية عبد الله و هي على ستة فراسخ من الموضع الذي لقوهم فيه و أخذوا منهم خمس شذوات و عشر سميريات و استأمن منهم قوم و أسر منهم أسرى و غرق من سفنهم كثير فكان هذا اليوم أول الفتح على أبي العباس. قال أبو جعفر فلما انقضى هذا اليوم أشار على أبي العباس قواده و أولياؤه أن يجعل معسكره بالموضع الذي كان انتهى إليه إشفاقا عليه من مقاربة القوم فأبى إلا نزول واسط بنفسه و لما انهزم سليمان بن جامع و من معه و ضرب الله وجوههم انهزم سليمان بن(9/138)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 167موسى الشعراني عن نهر أبان حتى وافى سوق الخميس و لحق سليمان بن جامع بنهر الأمير و قد كان القوم حين لقوا أبا العباس أجالوا الرأي بينهم فقالوا هذا فتى حدث لم تطل ممارسته الحرب و تدربه بها و الرأي أن نرميه بحدنا كله و نجتهد في أ لقية نلقاه في إزالته فلعل ذلك أن يروعه فيكون سببا لانصرافه عنا ففعلوا ذلك و حشدوا و اجتهدوا فأوقع الله تعالى بهم بأسه و نقمته و لم يتم لهم ما قدروه و ركب أبو العباس من غد يوم الوقعة حتى دخل واسطا في أحسن زي و كان ذلك يوم جمعة فأقام حتى صلى بها صلاة الجمعة و استأمن إليه خلق كثير من أتباع الزنج و أصحابهم ثم انحدر إلى العمر و هو على فرسخ واحد من واسط فاتخذه معسكرا و قد كان أبو حمزة نصير و غيره أشاروا عليه أن يجعل معسكره فوق واسط حذرا عليه من الزنج فامتنع و قال لست نازلا إلا العمر و أمر أبا حمزة أن ينزل فوهة بردودا فوق واسط و أعرض أبو العباس عن مشاورة أصحابه و استماع شي ء من آرائهم و استبد برأي نفسه فنزل العمر و أخذ في بناء الشذوات و السميريات و جعل يراوح الزنج القتال و يغاديهم و قد رتب خاصة غلمانه و مواليه في سميريات فجعل في كل سميرية أميرا منهم. ثم إن سليماناستعد و حشد و فرق أصحابه فجعلهم في ثلاثة أوجه فرقة أتت من نهر أبان و فرقة من بر تمرتا و فرقة من بردودا فلقيهم أبو العباس فلم يلبثوا أن انهزموا فلحقت طائفة منهم بسوق الخميس و طائفة بمازروان و طائفة ببر تمرتا و سلك آخرون نهر الماذيان و اعتصم قوم منهم ببردودا و تبعهم أصحاب أبي العباس و جعل أبو العباس قصده القوم الذين سلكوا نهر الماذيان فلم يرجع عنهم حتى وافى بهم برمساور ثم انصرف فجعل يقف على القرى و المسالك و يسأل عنها و يتعرفها و معه الأدلاء و أرباب الخبرة حتى عرف جميع تلك الأرض و منافذها و ما ينتهي إليه من شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 168البطائح و الآجام و غيرها و عاد إلى(9/139)


معسكره بالعمر فأقام به أياما مريحا نفسه و أصحابه. ثم أتاه مخبر فأخبره أن الزنج قد اجتمعوا و استعدوا لكبس عسكره و أنهم على إتيانه من ثلاثة أوجه و أنهم قالوا إن أبا العباس غلام يغرر بنفسه و أجمرأيهم على تكمين الكمناء و المصير إليه من الجهات الثلاث فحذر أبو العباس من ذلك و استعد له و أقبلوا إليه و قد كمنوا زهاء عشرة آلاف في بر تمرتا و نحوا من العدة في قس هثا و تقدم منها عشرون سميرية إلى عسكر أبي العباس على أن يخرج إليهم فيهربوا بعد مناوشة يسيرة فيجيزوا أبا العباس و أصحابه إلى أن يجاوزوا الكمناء ثم يخرج الكمين عليهم من ورائهم. فمنع أبو العباس أصحابه من اتباعهم لما واقعوهم و أظهروا الكسرة و العود فعلموا أن كيدهم لم ينفذ فيه و خرج حينئذ سليمان و الجبائي في الشذا و السميريات العظيمة و قد كان أبو العباس أحسن تعبئة أصحابه فأمر أبا حمزة نصيرا أن يخرج إليهم في الشذا و السميريات المرتبة فخرج إليهم و نزل أبو العباس في شذاة من شذوات قد كان سماها الغزال و اختار لها جدافين و أخذ معه محمد بن شعيب الاشتيام و اختار من خاصة أصحابه و غلمانه جماعة دفع إليهم الرماح و أمر الخيالة بالمسير بإزائه على شاطئ النهر و قال لهم لا تدعوا المسير ما أمكنكم إلى أن تقطعكم الأنهار و نشبت الحرب بين الفريقين فكانت معركة القتال من حد قرية الرمل إلى الرصافة حتى أذن الله في هزيمة الزنج فانهزموا و حاز أصحاب أبي العباس منهم أربع عشرة شذاة و أفلت سليمان و الجبائي في ذلك اليوم بعد أن أشفيا على الهلاك راجلين و أخذت دوابهما و مضى جيش الزنج بأجمعه لا ينثني أحد منهم حتى وافوا طهيثا و أسلموا ما كان معهم من أثاث و آلة و رجع(9/140)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 169أبو العباس فأقام بمعسكره بالعمر و أصلح ما كان أخذ منهم من الشذا و السفن و رتب الرجال فيها و أقام الزنج بعد ذلك عشرين يوما لا يظهر منهم أحد. قال أبو جعفر ثم إن الجبائي صار بعد ذلك يجي ء في الطلائع كل ثلاثة أيام و ينصرف و حفر طريق عسكر أبي العباس آبارا و صير فيها سفافيد حديد و غشاها بالبواري و أخفى مواضعها و جعلها على سنن مسير الخيل ليتهور فيها المجتازون بها و جعل بواقي طرف العسكر متعرضا به لتخرج الخيل طالبة له فجاء يوما و طلبته الخيل كما كانت تطلبه فقطر فرس رجل من قواد الفراعنة في بعض تلك الآبار فوقف أصحاب أبي العباس بما ناله من ذلك على ما كان دبره الجبائي فحذروا ذلك و تنكبوا سلوك تلك الطريق. قال أبو جعفر و ألح الزنج في مغاداة العسكر في كل يوم بالحرب و عسكروا بنهر الأمير في جمع كثير و كتب سليمان إلى الناجم يسأله إمداده بسميريات لكل واحدة منهن أربعون مجدافا فوافاه من ذلك في مقدار عشرين يوما أربعون سميرية فيها الرجال و السيوف و التراس و الرماح فكانت لأبي العباس معهم وقعات عظيمة و في أكثرها الظفر لأصحابه و الخذلان على الزنج و لج أبو العباس في دخول الأنهار و المضايق حتى انتهى إلى مدينة سليمان بن موسى الشعراني بنهر الخميس التي بناها و سماها المنيعة و خاطر أبو العباس بنفسه مرارا و سلم بعد أن شارف العطب و استأمن إليه جماعة من قواد الزنج فأمنهم و خلع عليهم و ضمهم إلى عسكره و قتل من قواد شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 170الزنج جماعة و تمادتلأيام بينه و بينهم و اتصل بأبي أحمد الموفق أن سليمان بن موسى الشعراني و الجبائي و من بالأعمال الواسطية من قواد صاحب الزنج كاتبوا صاحبهم و سألوه إمدادهم بعلي بن أبان المهلبي و هو المقيم حينئذ بأعمال الأهواز و المستولي عليها و كان علي بن أبان قائد القواد و أمير الأمراء فيهم فكتب الناجم إلى علي بن أبان يأمره بالمصير بجميع من(9/141)

132 / 149
ع
En
A+
A-