رجلان من أهل عبادان فأخبراه فأظهر أن ذلك من صنع الله تعالى له و نصره على أعدائه و أنه دعا الله على أبي أحمد و جيشه فنزلت نار من السماء فأحرقتهم. و عاد إلى العبث و اشتد طغيانه و عتوه و أنهض علي بن أبان المهلبي و ضم إليه أكثر الجيش و جعل على مقدمته سليمان بن جامع و أضاف إليه الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد البحراني و سليمان بن موسى الشعراني و أمرهم بأن يقصدوا الأهواز و بها حينئذ أصغجون التركي و معه نيزك القائد فالتقى العسكران بصحراء تعرف بدشت ميسان و اقتتلوا فظهرت الزنج و قتل نيزك في كثير من أصحابه و غرق أصغجون التركي و أسر كثير من قواد السلطان منهم الحسن بن هرثمة المعروف بالشاري و الحسن بن جعفر و كتب علي بن أبان بالخبر إلى الناجم و حمل إليه أعلاما و رءوسا كثيرة و أسرى و دخل علي بن أبان الأهواز و أقام بها بزنوجه يعيث و ينهب القرى و السواد إلى أن ندب المعتمد على الله موسى بن بغا لحربه فشخص عن سامراء في ذي القعدة من هذه السنة و شيعه المعتمد بنفسه إلى خلف الحائطين و خلع عليه هنالك فقدم أمامه عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز و إسحاق بن كنداخ إلى البصرة و إبراهيم بن سيما إلى الباذاورد. قال أبو جعفر فلما ورد عبد الرحمن بن مفلح على الأهواز أناخ بقنطرة أريق عشرة أيام ثم مضى إلى علي بن أبان المهلبي فواقعه فهزمه علي بن أبان فانصرف فاستعد(9/132)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 161ثم عاد لمحاربته فأوقع به وقعة عظيمة و قتل من الزنج قتلا ذريعا و أسر أسرى كثيرة و انهزم علي بن أبان و من معه من الزنج حتى أتوا الموضع المعروف ببيان فأراد الناجم ردهم فلم يرجعوا للذعر الذي خالط قلوبهم فلما رأى ذلك أذن لهم في دل عسكره فدخلوا جميعا فأقاموا معه بالمدينة التي كان بناها و وافى عبد الرحمن بن مفلح حصن مهدي ليعسكر به فوجه إليه الناجم علي بن أبان فواقعه فلم يقدر عليه و مضى علي بن أبان إلى قريب من الباذاورد و هناك إبراهيم بن سيما فواقعه إبراهيم فهزم علي بن أبان فعاوده فهزمه إبراهيم فمضى في الليل و سلك الأدغال و الآجام حتى وافى نهر يحيى فانتهى خبره إلى عبد الرحمن بن مفلح فوجه إليه طاشتمر التركي في جمع من الموالي فلم يصل إلى علي بن أبان و من معه لوعورة الموضع الذي كانوا فيه و امتناعه بالقصب و الحلافي فأضرمه عليهم نارا فخرجوا منه هاربين و أسر منهم أسرى و انصرف إلى عبد الرحمن بن مفلح بالأسرى و الظفر و مضى علي بن أبان فأقام بأصحابه في الموضع المسمى بنسوخا و انتهى الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن مفلح فصار إلى العمود فأقام به و صار علي بن أبان إلى نهر السدرة و كتب إلى الناجم يستمده و يسأله التوجيه إليه بالشذا فوجه إليه ثلاث عشرة شذاة فيها جمع كثير من أصحابه فسار علي بن أبان و من معه في الشذا و وافى عبد الرحمن بمن معه فلم يكن بينهما قتال و تواقف الجيشان يومهما ذلك. فلما كان الليل انتخب علي بن أبان من أصحابه جماعة يثق بجلدهم و صبرهم و مضى و معه سليمان بن موسى المعروف بالشعراني و ترك سائر عسكره مكانه ليخفى أمره فصار من وراء عبد الرحمن ثم بيته و عسكره فنال منه و من أصحابه نيلا ما و انحاز شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 162عبد الرحمن عنه و ترك أربع شذوات من شذواته فغنمها علي بن أبان و انصرف و ى عبد الرحمن لوجهه حتى وافى دولاب فأقام بها و أعد رجالا من رجاله و(9/133)


ولى عليهم طاشتمر التركي و أنفذهم إلى علي بن أبان فوافوه و هو في الموضع المعروف بباب آزر فأوقعوا به وقعة انهزم منها إلى نهر السدرة و كتب طاشتمر إلى عبد الرحمن بانهزامه عنه فأقبل عبد الرحمن بجيشه حتى وافى العمود فأقام به و استعد أصحابه للحرب و هيأ شذواته و ولى عليها طاشتمر و سار إلى فوهة نهر السدرة فواقع علي بن أبان وقعة عظيمة انهزم منها علي بن أبان و أخذ منه عشر شذوات و رجع علي بن أبان إلى الناجم مفلولا مهزوما و سار عبد الرحمن من فوره فعسكر ببيان فكان عبد الرحمن بن مفلح و إبراهيم بن سيما يتناوبان المصير إلى عسكر الناجم فيوقعان به و يخيفان من فيه و إسحاق بن كنداجيق يومئذ بالبصرة و قد قطع الميرة عن عسكر الناجم فكان الناجم يجمع أصحابه في اليوم الذي يخاف فيه موافاة عبد الرحمن بن مفلح و إبراهيم بن سيما حتى ينقضي الحرب ثم يصرف فريقا منهم إلى ناحية البصرة فيواقع بهم إسحاق بن كنداجيق فأقاموا على هذه الحال بضعة عشر شهرا إلى أن صرف موسى بن بغا عن حرب الزنج. قال أبو جعفر و سبب ذلك أن المعتمد رد أمر فارس و الأهواز و البصرة و غيرها من(9/134)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 163النواحي و الأقطار إلى أخيه أبي أحمد بعد فراغه من حرب يعقوب بن الليث الصفار و هزيمته له فاستخلف أبو أحمد على حرب صاحب الزنج مسرورا البلخي و صرف موسى بن بغا عن ذلك و اتفق أن ابن واصل حارب عبد الرحمن بن مفلح فأسره و قتله و قتل شتمر التركي أيضا و ذلك بناحية رامهرمز فاستخلف مسرور البلخي على الحرب أبا الساج و ولي الأهواز فكانت بينه و بين علي بن أبان المهلبي وقعة بناحية دولاب قتل فيها عبد الرحمن صهر أبي الساج و انحاز أبو الساج إلى عسكر مكرم و دخل الزنج الأهواز فقتلوا أهلها و سبوا و أحرقوا دورها. قال أبو جعفر ثم وجه صاحب الزنج جيوشه بعد هزيمة أبي الساج إلى ناحية البطيحة و الحوانيت و دستميسان قال و ذلك لأن واسطا خلت من أكثر الجند في وقعة أبي أحمد و يعقوب بن الليث التي كانت عند دير العاقول فطمع الزنج فيها فتوجه إليها سليمان بن جامع في عسكر من الزنج و أردفه الناجم بجيش آخر مع أحمد بن مهدي في سميريات فيها رماة من أصحابه أنفذه إلى نهر المرأة و أنفذ عسكرا آخر فيه سليمان بن موسى فأمره أن يعسكر بالنهر المعروف باليهودي فكانت بين هؤلاء و بين من تخلف بهذه الأعمال من عساكر السلطان حروب شديدة و كانت سجالا لهم و عليهم حتى ملكوا البطيحة و الحوانيت و شارفوا واسطا و بها يومئذ محمد المولد من قبل السلطان فكانت بينه و بين سليمان بن جامع حروب كثيرة يطول شرحها و تعداده و أمده الناجم بالخليل بن أبان أخي علي بن أبان المهلبي في ألف و خمسمائة فارس و معه أبو عبد الله الزنجي المعروف بالمذوب أحد قوادهم المشهورين فقوى سليمان بهم و أوقع بمحمد المولد فهزمه و دخل واسطا في ذي الحجة سنة أربع و ستين و مائتين بزنوجه و قواده فقتل منها خلقا كثيرا و نهبها و أحرق دورها و أسواقها و أخرب كثيرا من منازل أهلها شرح نهج البلاغة ج : ص : 164و ثبت للمحاماة عنها قائد كان بها من جانب محمد بن المولد(9/135)


يقال له كنجور البخاري فحامى يومه ذلك إلى العصر ثم قتل و كان الذي يقود الخيل يومئذ في عسكر سليمان بن جامع الخليل بن أبان و عبد الله المعروف بالمذوب و كان أحمد بن مهدي الجبائي في السميريات و كان مهربان الزنجي في الشذوات و كان سليمان بن موسى الشعراني و أخوه في ميمنته و ميسرته و كان سليمان بن جامع و هو الأمير على الجماعة في قواده السودان و رجالته منهم و كان الجميع يدا واحدة فلما قضوا وطرهم من نهب واسط و قتل أهلها خرجوا بأجمعهم عنها فمضوا إلى جنبلاء و أقاموا هناك يعيثون و يخربون. و في أوائل سنة خمس و ستين دخلوا إلى النعمانية و جرجرايا و جبل فنهبوا و أخربوا و قتلوا و أحرقوا و هرب منهم أهل السواد فدخلوا إلى بغداد. قال أبو جعفر فأما علي بن أبان المهلبي فإنه استولى على معظم أعمال الأهواز و عاث هناك و أخرب و أحرق و كانت بينه و بين عمال السلطان و قواده مثل أحمد بن ليثويه و محمد بن عبد الله الكردي و تكين البخاري و مطر بن جامع و أغرتمش التركي و غيرهم و بينه و بين عمال يعقوب بن الليث الصفار مثل خضر بن العنبر و غيره حروب عظيمة و وقعات كثيرة و كانت سجالا تارة له و تارة عليه و هو في أكثرها المستظهر عليهم و كثرت أموال الزنج و الغنائم التي حووها من البلاد و النواحي و عظم أمرهم و أهم الناس شأنهم و عظم على المعتمد و أخيه أبي أحمد خطبهم و اقتسموا الدنيا فكان علي بن محمد الناجم صاحب الزنج و إمامهم مقيما بنهر أبي الخصيب قد بنى مدينة عظيمة سماها المختارة و حصنها بالخنادق و اجتمع إليه فيها من الناس ما لا ينتهي العد و الحصر إليه رغبة و رهبة و صارت مدينة تضاهي سامراء و بغداد و تزيد عليهما و أمراؤه و قواده(9/136)

131 / 149
ع
En
A+
A-