مفلح فلما لم ير أحدا ينتحل رميه ادعى أنه كان الرامي له قال فسمعته يقول سقط بين يدي سهم من السماء فأتاني به واح خادمي فدفعه إلي فرميت به فأصاب مفلحا فقتله قال محمد و كذب في ذلك لأني كنت حاضرا معه ذلك المشهد ما زال عن فرسه حتى أتاه خبر الهزيمة. قال أبو جعفر ثم إن الله تعالى أصاب صاحب الزنج بمصيبة تعادل فرحه و سروره بقتل مفلح عقيب قتل مفلح و ذلك أن قائده الجليل يحيى بن محمد البحراني أسر و قتل و صورة ذلك أن صاحب الزنج كان قد كتب إلى يحيى بن محمد يعلمه ورود هذا الجيش عليه و يأمره بالقدوم و التحرر في منصرفه من أن يلقاه أحد منهم و قد كان يحيى غنم سفنا فيها متاع و أموال لتجار الأهواز جليلة و حامى عنها أصحاب أصغجون التركي فلم يغن و هزمهم يحيى و مضى الزنج بالسفن المذكورة يمدونها متوجهين نحو معسكر صاحب الزنج على سمت البطيحة المعروفة ببطيحة الصحناة و هي طريقة متعسقة وعرة(9/127)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 156فيها مشاق متعبة و إنما سلكها يحيى و أصحابه و تركوا الطريق الواضح للتحاسد الذي كان بين يحيى بن محمد و علي بن أبان فإن أصحاب يحيى أشاروا عليه ألا يسلك الطريق التي يمر فيها على أصحاب علي بن أبان فأصغى إلى مشورتهم فشرعوا له الطر المؤدي إلى البطيحة المذكورة فسلكها و هذه البطيحة ينتهي السائر فيها إلى نهر أبي الأسد و قد كان أبو أحمد انحاز إليه لأن أهل القرى و السواد كاتبوه يعرفونه خبر يحيى بن محمد البحراني و شدة بأسه و كثرة جمعه و أنه ربما خرج من البطيحة إلى نهر أبي الأسد فعسكر به و منع أبا أحمد الميرة و حال بينه و بين من يأتيه من الأعراب و غيرهم فسبقه أبو أحمد إلى نهر أبي الأسد و سار يحيى حتى إذا قرب من نهر أبي الأسد وافته طلائعه فأخبرته بالجيش و عظمت أمره و خوفته منه فرجع من الطريق الذي كان سلكه بمشقة شديدة نالته و نالت أصحابه و أصابهم مرض لترددهم في تلك البطيحة و جعل يحيى على مقدمته سليمان بن جامع و سار حتى وقف على قنطرة فورج نهر العباس في موضع ضيق تشتد فيه جرية الماء و هو مشرف ينظر أصحابه الزنج كيف يجرون تلك السفن التي فيها الغنائم فمنها ما يغرق و ما يسلم. قال أبو جعفر فحدثني محمد بن سمعان قال كنت في تلك الحال واقفا مع يحيى على القنطرة و قد أقبل علي متعجبا من شدة جرية الماء و شدة ما يلقى أصحابه من تلقيه بالسفن فقال أ رأيت لو هجم علينا عدو في هذه الحال من كان يكون أسوأ حالا منا فو الله ما انقضى كلامه حتى وافى كاشهم التركي في جيش قد أنفذه معه أبو أحمد عند رجوعه من الأبلة إلى نهر أبي الأسد يتلقى به يحيى فوقعت الصيحة و اضطربت الزنج فنهضت متشوفا للنظر فإذا الأعلام الحمر قد أقبلت في الجانب الغربي من نهر العباس و يحيى به فلما رآها الزنج ألقوا أنفسهم جملة في الماء فعبروا إلى الجانب الشرقي(9/128)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 157و خلا الموضع الذي فيه يحيى فلم يبق معه إلا بضعة عشر رجلا منهم فنهض عند ذلك فأخذ درقته و سيفه و احتزم بمنديل ثم تلقى القوم في النفر الذين تخلفوا معه فرشقهم أصحاب كاشهم التركي بالسهام حتى كثر فيهم الجراح و جرح يحيى بأسهم ثلاثةي عضده اليمنى و ساقه اليسرى فلما رآه أصحابه جريحا تفرقوا عنه و لم يعرف فيقصد له فرجع حتى دخل بعض تلك السفن و عبر به إلى الجانب الشرقي من النهر و ذلك وقت الضحى و أثقلته الجراحات التي أصابته فلما رأت الزنج شدة ما نزل به اشتد جزعهم و ضعفت قلوبهم فتركوا القتال و كانت همتهم النجاة بأنفسهم و حاز أصحاب السلطان تلك الغنائم التي كانت في السفن في الجانب الغربي من النهر و انفض الزنج بالجانب الشرقي عن يحيى فجعلوا يتسللون بقية نهارهم بعد قتل ذريع فيهم و أسر كثير فلما أمسوا و أسدف الليل طاروا على وجوههم فلما رأى يحيى تفرق أصحابه ركب سميرية كانت هناك و أقعد معه فيها متطببا يقال له عباد و طمع في الخلاص إلى عسكر صاحب الزنج فسار حتى قرب من فوهة النهر فأبصر سميريات و شذايات لأصحاب السلطان في فوهة النهر فخاف أن تعترض سميريته و جزع من المرور بها فعبر به الملاح إلى الجانب الغربي من النهر فألقاه و طبيبه على الأرض في زرع هناك فخرج يمشي و هو مثقل حتى ألقى نفسه في بعض تلك المواضع فأقام هناك ليلته تلك فلما أصبح نزفه الدم و نهض عباد الطبيب فجعل يمشي متشوفا أن يرى إنسانا فرأى بعض أصحاب السلطان فأشار لهم إلى موضع يحيى فجاءوا حتى وقفوا عليه فأخذوه و انتهى خبره إلى الخبيث صاحب الزنج فجزع عليه جزعا شديدا و عظم عليه توجعه. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 158ثم حمل يحيى إلى أبي أحمد فحمله أبو أحمد إلى المعتمد فأدخل إلى سامراء راكب جمل و الناس مجتمعون ينظرونه ثم أمر المعتمد ببناء دكة عالية بحضرة مجرالحلية فبنيت و رفع للناس عليها حتى أبصره الخلائق كافة ثم ضرب بين(9/129)


يدي المعتمد و قد جلس له مائتي سوط بثمارها ثم قطعت يداه و رجلاه من خلاف ثم خبط بالسيوف ثم ذبح و أحرق. قال أبو جعفر فحدثني محمد بن الحسن قال لما قتل يحيى البحراني فانتهى خبره إلى صاحب الزنج قال لأصحابه لما عظم علي قتله و اشتد اهتمامي به خوطبت فقيل لي قتله خير لك إنه كان شرها ثم أقبل على جماعة أنا فيهم فقال من شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنا نغنمه و كان فيها عقدان فوقعا في يد يحيى فأخفى عني أعظمهما خطرا و عرض علي أخسهما ثم استوهبه فوهبته له فرفع إلي العقد الذي أخفاه حتى رأيته فدعوته فقلت أحضر لي العقد الذي أخفيته فأتاني بالعقد الذي وهبته له و جحد أن يكون أخذ غيره فرفع إلي العقد ثانية فجعلت أصفه له و أنا أراه و هو لا يراه فبهت و ذهب فأتاني ثم استوهبنيه فوهبته له و أمرته بالاستغفار. قال أبو جعفر و ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن سمعان حدثه أن صاحب الزنج قال في بعض أيامه لقد عرضت علي النبوة فأبيتها فقيل له و لم ذاك قال إن لها أعباء خفت ألا أطيق حملها.(9/130)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 159قال أبو جعفر فأما الأمير أبو أحمد فإنه لما صار إلى نهر أبي الأسد و أقام به كثرت العلل في من معه من جنده و غيرهم و فشا فيهم الموت فلم يزل مقيما هنالك حتى أبل من نجا منهم من علته ثم انصرف راجعا إلى باذاورد فعسكر به و أمر بتجديالآلات و إصلاح الشذوات و السميريات و إعطاء الجند أرزاقهم و شحن السفن بقواده و مواليه و غلمانه و نهض نحو عسكر الناجم و أمر جماعة من قواده بقصد مواضع سماها لهم من نهر أبي الخصيب و غيره و أمر الباقين بملازمته و المحاربة معه في الموضع الذي يكون فيه و هم الأقلون و عرف الزنج تفرق أصحاب أبي أحمد عنه فكثروا في جهته و استعرت الحرب بينه و بينهم و كثرت القتلى و الجراح بين الفريقين و أحرق أصحاب أبي أحمد قصورا و منازل كان الزنج ابتنوها و استنقذوا من نساء أهل البصرة جمعا كثيرا ثم صرف الزنج سورتهم و شدة حملتهم إلى الموضع الذي به أبو أحمد فجاءه منهم جمع لا يقاوم بمثل العدة اليسيرة التي كان فيها فرأى أن الحزم في محاجزتهم فأمر أصحابه بالرجوع إلى سفنهم على تؤدة و تمهل ففعلوا و بقيت طائفة من جنده و لجوا تلك الأدغال و المضايق فخرج عليهم كمين للزنج فأوقعوا بهم فحاموا عن أنفسهم و قتلوا عددا كثيرا من الزنج إلى أن قتلوا بأجمعهم و حملت رءوسهم إلى الناجم فزاد ذلك في قوته و عتوه و عجبه بنفسه و انصرف أبو أحمد بالجيش إلى باذاورد و أقام يعبئ أصحابه للرجوع إلى الزنج فوقعت نار في طرف من أطراف عسكره و ذلك في أيام عصوف الرياح فاحترق العسكر و رحل أبو أحمد منصرفا و ذلك في شعبان من هذه السنة إلى واسط. فأقام بها إلى ربيع الأول ثم انصرف عنها إلى سامراء و ذلك أن المعتمد كاتبه و استقدمه شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 160لحرب يعقوب بن الليث الصفار أمير خراسان فاستخلف على حرب الناجم محمد المولد و أما الناجفإنه لم يعلم خبر الحريق الذي وقع في عسكر أبي أحمد حتى ورد عليه(9/131)

130 / 149
ع
En
A+
A-