شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 145قال أبو جعفر ثم كانت بين الزنج و بين أصحاب السلطان بالأهواز وقعات كثيرة توها علي بن أبان المهلبي فقتل شاهين بن بسطام و كان من أكابر أصحاب السلطان و هزم إبراهيم بن سيما و كان أيضا من الأمراء المشهورين و استولى الزنج على عسكره. قال أبو جعفر ثم كانت الواقعة العظمى بالبصرة في هذه السنة و ذلك أن صاحب الزنج قطع الميرة عنهم فأضر ذلك بهم و ألح بجيوشه و زنوجه عليهم بالحرب صباحا و مساء فلما كان في شوال من هذه السنة أزمع على جمع أصحابه للهجوم على البصرة و الجد في خراجها و ذلك لعلمه بضعف أهلها و تفرقهم و إضرار الحصار بهم و خراب ما حولها من القرى و كان قد نظر في حساب النجوم و وقف على انكساف القمر الليلة الرابعة عشرة من هذا الشهر فذكر محمد بن الحسن بن سهل أنه قال سمعته يقول اجتهدت في الدعاء على أهل البصرة و ابتهلت إلى الله تعالى في تعجيل خرابها فخوطبت و قيل لي إنما البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها فإذا انكسر نصف الرغيف خربت البصرة فأولت انكسار نصف الرغيف بانكساف نصف القمر المتوقع في هذه الليالي و ما أخلق أمر أهل البصرة أن يكون بعده قال فكان يحدث بهذا حتى أفاض فيه أصحابه و كثر تردده في أسماعهم و إجالتهم إياه بينهم. ثم ندب محمد بن يزيد الدارمي و هو أحد من كان صحبه بالبحرين للخروج إلى(9/117)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 146الأعراب و استنفار من قدر عليه منهم فأتاه منهم بخلق كثير و وجه إلى البصرة سليمان بن موسى الشعراني فأمره بتطرق البصرة و الإيقاع بأهلها و تقدم إلى سليمان بن موسى بتمرين الأعراب على ذلك فلما وقع الكسوف أنهض إليها علي بن أبان و ضإليه جيشا من الزنج و طائفة من الأعراب و أمره بإتيان البصرة مما يلي بني سعد و كتب إلى يحيى بن محمد البحراني في إتيانها مما يلي نهر عدي و ضم باقي الأعراب إليه فكان أول من واقع أهل البصرة علي بن أبان و بغراج التركي يومئذ بالبصرة في جماعة من الجند فأقام يقاتلهم يومين و أقبل يحيى بن محمد مما يلي قصر أنس قاصدا نحو الجسر فدخل علي بن أبان البلد وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة بقين من شوال فأقبل يقتل الناس و يحرق المنازل و الأسواق بالنار فتلقاه بغراج و إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان الهاشمي المعروف ببريه و كان وجيها مقدما مطاعا في جمع عظيم فرداه فرجع فأقام ليلته تلك ثم غاداهم و قد تفرق جند البصرة فلم يكن في وجهه أحد يدافعه و انحاز بغراج بمن معه و هرب إبراهيم بن محمد الهاشمي المعروف ببريه فوضع علي بن أبان السيف في الناس و جاء إليه إبراهيم بن محمد المهلبي و هو ابن عمه فاستأمنه لأهل البصرة فحضر أهل البصرة قاطبة فأمنهم و نادى مناديه من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم بن محمد المهلبي فحضر أهل البصرة قاطبة حتى ملئوا الأزقة فلما رأى اجتماعهم انتهز الفرصة فأمر بأخذ السكك و الطرق عليهم و غدر بهم و أمر الزنوج بوضع السيف فيهم فقتل كل من شهد ذلك المشهد. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 147ثم انصرف آخر نهار يومه ذلك فأقام بقصر عيسى بن جعفر بالخربية. و روى أبو جعفر قال حدثني محمد بن الحسن بن سهل قال حدثني محمد بن سمعان قال كنت يومئذ بالبصرة فمضيت مبادرا إلى منزلي لأتحصن به و هو فسكة المربد فلقيت أهل البصرة هاربين يدعون بالويل و الثبور و في آخرهم(9/118)
القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي على بغل متقلدا سيفا يصيح بالناس ويحكم تسلمون بلدكم و حرمكم هذا عدوكم قد دخل البلد فلم يلووا عليه و لم يسمعوا منه فمضى هاربا و دخلت أنا منزلي و أغلقت بابي و أشرفت فمر بي الأعراب و رجالة الزنج يقدمهم رجل على حصان كميت بيده رمح و عليه عذبة صفراء فسألت بعد ذلك عنه فقيل لي إنه علي بن أبان. قال و نادى منادي علي بن أبان من كان من آل المهلب فليدخل دار إبراهيم بن يحيى المهلبي فدخلت جماعة قليلة و أغلق الباب دونهم ثم قيل للزنج دونكم الناس فاقتلوهم و لا تبقوا منهم أحدا و خرج إليهم أبو الليث الأصفهاني أحد قود الزنج فقال للزنج كيلوا و هي العلامة التي كانوا يعرفونها فيمن يؤمرون بقتله فأخذ الناس السيف قال فو الله إني لأسمع تشهدهم و ضجيجهم و هم يقتلون و قد ارتفعت أصواتهم بالتشهد حتى سمعت بالطفاوة و هو على بعد من الموضع الذي كانوا فيه. قال ثم انتشر الزنج في سكك البصرة و شوارعها يقتلون من وجدوا و دخل علي بن أبان يومئذ المسجد فأحرقه و بلغ إلى الكلاء فأحرقه إلى الجسر و أخذت النار كل ما مرت به من إنسان و بهيمة و أثاث و متاع ثم ألحوا بالغدو و الرواح على من وجدوه و يسوقونهم إلى يحيى بن محمد البحراني و هو نازل ببعض سكك البصرة فمن كان ذا مال قرره حتى يستخرج ماله ثم يقتله و من كان مختلا قتله معجلا.(9/119)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 148قال أبو جعفر و قد كان علي بن أبان كف بعض الكف عن العيث بناحية بني سعد و راقب قوما من المهلبيين و أتباعهم فانتهى ذلك إلى علي بن محمد صاحب الزنج فصرفه عن البصرة و أقر يحيى بن محمد البحراني بها لموافقته على رأيه في الإثخان في اتل و وقوع ذلك بمحبته و كتب إلى يحيى بن محمد يأمره بإظهار الكف ليسكن الناس و يظهر المستخفي و من قد عرف باليسار و الثروة فإذا ظهر فليؤخذوا بالدلالة على ما دفعوه و أخفوه من أموالهم ففعل يحيى بن محمد ذلك و كان لا يخلو في اليوم من الأيام من جماعة يؤتى بهم فمن عرف منهم باليسار استنزف ما عنده ثم قتله و من ظهرت له خلته عاجله بالقتل حتى لم يدع أحدا ظهر له إلا قتله. قال أبو جعفر و حدثني محمد بن الحسن قال لما انتهى إلى علي بن محمد عظيم ما فعل أصحابه بالبصرة سمعته يقول دعوت على أهل البصرة في غداة اليوم الذي دخل فيه أصحابي إليها و اجتهدت في الدعاء و سجدت و جعلت أدعو في سجودي فرفعت إلى البصرة فرأيتها و رأيت أصحابي يقاتلون فيها و رأيت بين السماء و الأرض رجلا واقفا في صورة جعفر المعلوف المتولي كان للاستخراج في ديوان الخراج بسامراء و هو قائم قد خفض يده اليسرى و رفع يده اليمنى يريد قلب البصرة فعلمت أن الملائكة تولت إخرابها دون أصحابي و لو كان أصحابي تولوا ذلك ما بلغوا هذا الأمر العظيم الذي يحكى عنها و لكن الله تعالى نصرني بالملائكة و أيدني في حروبي و ثبت بهم من ضعف قلبه من أصحابي قال أبو جعفر و انتسب صاحب الزنج في هذه الأيام إلى محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بعد انتسابه الذي كان إلى أحمد بن عيسى بن زيد و ذلك لأنه بعد شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 149إخرابه البصرة جاء إليه جماعة من العلوية الذين كانوا بالبصرة و أتاه فيمن أتاه منهم قوم من ولد أحمد بن عيسى بن زيد في جماعة من ائهم و حرمهم فلما خافهم ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى و انتسب إلى(9/120)
محمد بن محمد بن زيد. قال أبو جعفر فحدثني محمد بن الحسن بن سهل قال كنت حاضرا عنده و قد حضر جماعة من النوفليين فقال له القاسم بن إسحاق النوفلي أنه انتهى إلينا أن الأمير من ولد أحمد بن عيسى بن زيد فقال لست من ولد عيسى أنا من ولد يحيى بن زيد. قال محمد بن الحسن فانتقل من أحمد بن عيسى بن زيد إلى محمد بن محمد بن زيد ثم انتقل من محمد إلى يحيى بن زيد و هو كاذب لأن الإجماع واقع على أن يحيى بن زيد مات و لم يعقب و لم يولد له إلا بنت واحدة ماتت و هي ترضع. فهذا ما ذكره أبو جعفر الطبري في التاريخ الكبير. و ذكر علي بن الحسن المسعودي في مروج الذهب أن هذه الواقعة بالبصرة هلك فيها من أهلها ثلاثمائة ألف إنسان و أن علي بن أبان المهلبي بعد فراغه من الواقعة نصب منبرا في الموضع المعروف ببني يشكر صلى فيه يوم الجمعة و خطب لعلي بن محمد صاحب الزنج و ترحم بعد ذلك على أبي بكر و عمر و لم يذكر عثمان و لا عليا ع في خطبته و لعن أبا موسى الأشعري و عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان قال(9/121)