أيضا و أحضر معه حريرة كان أمره بابتياعها ليتخذها لواء فكتب فيها بالحمرة إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية و كتب اسمه و اسم أبيه عليها و علقها في رأس مردي و خرج وقت السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان فلما صار إلى مؤخر القصر الذي كان فيه لقيه غلمان رجل من الشورجيين يعرف بالعطار متوجهين إلى أعمالهم فأمر بأخذ وكيلهم فأخذ و كتف و استضم غلمانه إلى غلمانه و كانوا خمسين غلاما ثم صار إلى الموضع المعروف بالسنائي فاتبعه الغلمان الذين كانوا فيه و هم خمسمائة غلام فيهم الغلام المعروف بأبي حديد و أمر بأخذ وكيلهم و كتفه ثم مضى إلى الموضع المعروف بالسيرافي فاتبعه من كان فيه من غلمان و هم مائة و خمسون غلاما منهم زريق و أبو الخنجر ثم صار إلى الموضع المعروف بسبخة ابن عطاء فأخذ طريفا و صبيحا الأعسر و راشد المغربي و راشد القرمطي و كل هؤلاء من وجوه الزنج و أعيانهم الذين صاروا قوادا و أمراء في جيوشهم و أخذ معهم ثمانين غلاما. ثم أتى إلى الموضع المعروف بغلام سهل الطحان فاستضاف من كان به من الغلمان ثم لم يزل يفعل مثل ذلك في يومه حتى اجتمع إليه بشر كثير من الزنج ثم قام فيهم(9/107)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 134آخر الليل خطيبا فمناهم و وعدهم أن يقودهم و يرئسهم و يملكهم الأموال و الضياع و حلف لهم بالأيمان الغليظة ألا يغدر بهم و لا يخذلهم و لا يدع شيئا من الإحسان إلا أتى إليهم. ثم دعا وكلاءهم فقال قد أردت ضرب أعناقكم لما كنتم تأتون إ هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم و قهرتموهم و فعلتم بهم ما حرم الله عليكم أن تفعلوه بهم و كلفتموهم ما لا يطيقونه فكلمني أصحابي فيكم فرأيت إطلاقكم. فقالوا له أصلحك الله إن هؤلاء الغلمان أباق و إنهم سيهربون منك فلا يبقون عليك و لا علينا فخذ من مواليهم مالا و أطلقهم. فأمر الغلمان فأحضروا شطوبا ثم بطح كل قوم وكيلهم فضرب كل رجل منهم خمسمائة شطبة و أحلفهم بطلاق نسائهم ألا يعلموا أحدا بموضعه ثم أطلقهم فمضوا نحو البصرة و مضى رجل منهم حتى عبر دجيل الأهواز فأنذر الشورجيين ليحفظوا غلمانهم و كان هناك خمسة عشر ألف غلام زنجي ثم سار و عبر دجيلا و سار إلى نهر ميمون بأصحابه و اجتمع إليه السودان من كل جهة. فلما كان يوم الفطر جمعهم و خطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال و أن الله تعالى قد استنقذهم من ذلك و أنه يريد أن يرفع أقدارهم و يملكهم العبيد و الأموال و المنازل و يبلغ بهم أعلى الأمور ثم حلف لهم على ذلك فلما فرغ من خطبته شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 135أمر الذين فهموا عنه قوله أن يفهموه من لا فهم له من عجمهم لتطيب بذلك أنفسهم ففعلوا ذلك. قال أبو جعفر فلما كان في اليوم الثالث من شوال وافاه الحميري أحد عمال السلطان بتلالنواحي في عدد كثير فخرج إليه صاحب الزنج في أصحابه فطرده و هزم أصحابه حتى صاروا في بطن دجلة و استأمن إلى صاحب الزنج رجل من رؤساء السودان يعرف بأبي صالح القصير في ثلاثمائة من الزنج فلما كثر من اجتمع إليه من الزنج قود قواده و قال لهم من أتى منكم برجل من السودان فهو مضموم إليه. قال أبو جعفر و انتهى إليه أن قوما من أعوان(9/108)


السلطان هناك منهم خليفة بن أبي عون علي الأبلة و منهم الحميري قد أقبلوا نحوه فأمر أصحابه بالاستعداد لهم فاجتمعوا للحرب و ليس في عسكره يومئذ إلا ثلاثة أسياف سيفه و سيف علي بن أبان و سيف محمد بن سلم و لحقه القوم و نادى الزنج فبدر مفرج النوبي و المكنى بأبي صالح و ريحان بن صالح و فتح الحجام و قد كان فتح حينئذ يأكل و بين يديه طبق فلما نهض تناول ذلك الطبق و تقدم أمام أصحابه فلقيه رجل من عسكر أصحاب السلطان فلما رآه فتح حمل عليه و حذفه بالطبق الذي كان في يده فرمى الرجل سلاحه و ولى هاربا و انهزم القوم كلهم و كانوا أربعة آلاف فذهبوا على وجوههم و قتل من قتل منهم و مات بعضهم عطشا و أسر كثير منهم فأتى بهم صاحب الزنج فأمر بضرب أعناقهم فضربت و حملت الرءوس على بغال كان أخذها من الشورجيين كانت تنقل الشورج. شرح نه البلاغة ج : 8 ص : 136قال أبو جعفر و مر في طريقه بالقرية المعروفة بالمحمدية فخرج منها رجل من موالي الهاشميين فحمل على بعض السودان فقتله و دخل القرية فقال له أصحابه ائذن لنا في انتهاب القرية و طلب قاتل صاحبنا فقال لا سبيل إلى ذلك دون أن نعرف ما عند أهلها وهل فعل القاتل ما فعل عن رأيهم و نسائلهم أن يدفعوه إلينا فإن فعلوا و إلا حل لنا قتالهم و عجل المسير من القرية فتركها و سار. قال أبو جعفر ثم مر على القرية المعروفة بالكرخ فأتاه كبراؤها و أقاموا له الأنزال و بات ليلته تلك عندهم فلما أصبح أهدى له رجل من أهل القرية المسماة جبى فرسا كميتا فلم يجد سرجا و لا لجاما فركبه بحبل و سنفه بحبل ليف. قلت هذا تصديق قول أمير المؤمنين ع كأنه به قد سار في الجيش الذي ليس له غبار و لا لجب و لا قعقعة لجم و لا حمحمة خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنها أقدام النعام. قال أبو جعفر و أول مال صار إليه مائتا دينار و ألف درهم لما نزل القرية المعروفة بالجعفرية أحضر بعض رؤسائها و سأله عن المال فجحد فأمر بضرب عنقه فلما(9/109)


خاف
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 137أحضر له هذا القدر و أحضر له ثلاثة برازين كميتا و أشقر و أشهب فدفع أحدها إلى محمد بن سلم و الآخر إلى يحيى بن محمد و الآخر إلى مشرق غلام الخاقانية و وجدوا في دار لبعض الهاشميين سلاحا فانتهبوه فصار ذلك اليوم بأيدي بعض الزنج سيوو آلات و أتراس. قال أبو جعفر ثم كانت بينه و بين من يليه من أعوان السلطان كالحميري و رميس و عقيل و غيرهم وقعات كان الظفر فيها كلها له و كان يأمر بقتل الأسرى و يجمع الرءوس معه و ينقلها من منزل إلى منزل و ينصبها أمامه إذا نزل و أوقع الهيبة و الرهبة في صدور الناس بكثرة القتلى و قلة العفو و على الخصوص المأسورين فإنه كان يضرب أعناقهم و لا يستبقي منهم أحدا. قال أبو جعفر ثم كان له مع أهل البصرة وقعة بعد ذلك سار يريدها في ستة آلاف زنجي فاتبعه أهل الناحية المعروفة بالجعفرية ليحاربوه فعسكر عليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة أكثر من خمسمائة رجل فلما فرغ منهم صمد نحو البصرة و اجتمع أهلها و من بها من الجند و حاربوه حربا شديدا فكانت الدائرة عليه و انهزم أصحابه و وقع كثير منهم في النهرين المعروفين بنهر كثير و نهر شيطان و جعل يهتف بهم و يردهم و لا يرجعون و غرق من أعيان جنده و قواده جماعة منهم أبو الجون و مبارك البحراني و عطاء البربري و سلام الشامي فلحقه قوم من جند البصرة و هو على قنطرة نهر كثير فرجع إليهم بنفسه و سيفه في يده فرجعوا عنه حتى صاروا إلى الأرض و هو يومئذ في دراعة و عمامة و نعل و سيف و في يده اليسرى ترس و نزل عن القنطرة فصعدها البصريون يطلبونه فرجع إليهم فقتل منهم رجلا بيده على خمس مراق من القنطرة و جعل يهتف بأصحابه و يعرفهم مكانه و لم يكن بقي معه في ذلك الموضع من أصحابه شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 138إلا أبو الشوك و مصلح و رفيق و مشرق غلاما الخاقانية و ضل أصحابه عنه و انح عمامته فبقي على رأسه كور منها أو كوران فجعل يسحبها من ورائه و(9/110)


يعجله المشي عن رفعها و أسرع غلاما الخاقانية في الانصراف و قصر عنهما فغابا عنه فاتبعه رجلان من أهل البصرة بسيفيهما فرجع إليهما فانصرفا عنه و خرج إلى الموضع الذي فيه مجمع أصحابه و قد كانوا تحيروا فلما رأوه سكنوا. قال أبو جعفر ثم سأل عن رجاله و إذا قد هرب كثير منهم و نظر فإذا هو من جميع أصحابه في مقدار خمسمائة رجل فأمر بالنفخ في البوق الذي كانوا يجتمعون لصوته فنفخ فيه فلم يرجع إليه أحد. قال و انتهب أهل البصرة سفنا كانت معه و ظفروا بمتاع من متاعه و كتب من كتبه و أصطرلابات كان معه ثم تلاحق به جماعة ممن كان هرب فأصبح و إذا معه ألف رجل فأرسل محمد بن سلم و سليمان بن جامع و يحيى بن محمد إلى أهل البصرة يعظهم و يعلمهم أنه لم يخرج إلا غضبا لله و للدين و نهيا عن المنكر فعبر محمد بن سلم حتى توسط أهل البصرة و جعل يكلمهم و يخاطبهم فرأوا منه غرة فوثبوا عليه فقتلوه و رجع سليمان و يحيى إلى صاحب الزنج فأخبراه فأمرهما بطي ذلك عن أصحابه حتى يكون هو الذي يخبرهم. فلما صلى بهم العصر نعى إليهم محمد بن سلم و قال لهم إنكم تقتلون به في غد عشرة آلاف من أهل البصرة. قال أبو جعفر و كان الوقعة التي كانت الدبرة عليه فيها يوم الأحد لثلاث عشرة(9/111)

126 / 149
ع
En
A+
A-