فأما صاحب الزنج هذا فإنه ظهر في فرات البصرة في سنة خمس و خمسين و مائتين رجل زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع فتبعه الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ في البصرة. و أكثر الناس يقدحون في نسبه و خصوصا الطالبيين و جمهور النسابين اتفقوا على شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 127أنه من عبد القيس و أنه علي بن محمد بن عبد الرحيم و أمه أسدية من أسد بن خزيمة جدها محمد بن حكيم الأسدي من أهل الكوفة أحد الخارجين مع زيد بن علي بن الحسين ع على هشام بن عبد الملك فلما قتل زيد هرب فلحق باي و جاء إلى القرية التي يقال لها ورزنين فأقام بها مدة و بهذه القرية ولد علي بن محمد صاحب الزنج و بها منشؤه و كان أبو أبيه المسمى عبد الرحيم رجلا من عبد القيس كان مولده بالطالقان فقدم العراق و اشترى جارية سندية فأولدها محمدا أباه. و كان علي هذا متصلا بجماعة من حاشية السلطان و خول بني العباس منهم غانم الشطرنجي و سعيد الصغير و بشير خادم المنتصر و كان منهم معاشه و من قوم من كتاب الدولة يمدحهم و يستمنحهم بشعره و يعلم الصبيان الخط و النحو و النجوم و كان حسن الشعر مطبوعا عليه فصيح اللهجة بعيد الهمة تسمو نفسه إلى معالي الأمور و لا يجد إليها سبيلا و من شعره القصيدة المشهورة التي أولها شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 12رأيت المقام على الاقتصاد قنوعا به ذلة في العباد
و من جملتها
إذا النار ضاق بها زندها ففسحتها في فراق الزنادإذا صارم قر في غمده حوى غيره السبق يوم الجلاد
و من الشعر المنسوب إليه
و أنا لتصبح أسيافنا إذا ما انتضين ليوم سفوك منابرهن بطون الأكف و أغمادهن رءوس الملوكو من شعره في الغزل
و لما تبينت المنازل بالحمى و لم أقض منها حاجة المتوردزفرت إليها زفرة لو حشوتها سرابيل أبدان الحديد المسردلرقت حواشيها و ظلت متونها تلين كما لانت لداود في اليد
و من شعره أيضا(9/102)


و إذا تنازعني أقول لها قري موت يريحك أو صعود المنبرما قد قضى سيكون فاصطبري له و لك الأمان من الذي لم يقدر
و قد ذكر المسعودي في كتابه المسمى مروج الذهب أن أفعال علي بن محمد صاحب الزنج تدل على أنه لم يكن طالبيا و تصدق ما رمي به من دعوته في النسب لأن ظاهر حاله كان ذهابه إلى مذهب الأزارقة في قتل النساء و الأطفال و الشيخ الفاني و المريض شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 9و قد روي أنه خطب مرة فقال في أول خطبته لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر لا حكم إلا لله و كان يرى الذنوب كلها شركا. و من الناس من يطعن في دينه و يرميه بالزندقة و الإلحاد و هذا هو الظاهر من أمره لأنه كان متشاغلا في بدايته بالتنجيم و السحر و الأصطرلابات. و ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري أن علي بن محمد شخص من سامراء و كان يعلم الصبيان بها و يمدح الكتاب و يستميح الناس في سنة تسع و أربعين و مائتين إلى البحرين فادعى بها أنه علي بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب ع و دعا الناس بهجر إلى طاعته فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها و اتبعه جماعة أخرى فكانت بسببه بين الذين اتبعوه و الذين أبوه عصبية قتل فيها بينهم جماعة فانتقل عنهم لما حدث ذلك إلى الأحساء و ضوى إلى حي من بني تميم ثم من بني سعد يقال لهم بنو الشماس فكان بينهم مقامه و قد كان أهل البحرين أحلوه من أنفسهم محل النبي ص فيما ذكر حتى جبي له الخراج هنالك و نفذ حكمه فيهم و قاتلوا أسباب السلطان لأجله و وتر منهم جماعة كثيرة فتنكروا له فتحول عنهم إلى البادية و لما انتقل إلى البادية صحبه جماعة من أهل البحرين منهم رجل كيال من أهل الأحساء يقال له يحيى بن محمد الأزرق مولى بني دارم و يحيى بن أبي شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 130ثعلب و كان تاجرا من أهل هجر و بعض موالي بني حنظلة أسود يقال له سليمان بن جامع و كان قائد جيشه حيث كان بالبحرين. ثم تنقل في البادية من(9/103)


حي إلى حي فذكر عنه أنه كان يقول أوتيت تلك الأيام آيات من آيات إمامتي منها أني لقيت سورا من القرآن لم أكن أحفظها فجرى بها لساني في ساعة واحدة منها سبحان و الكهف و صاد و منها أني ألقيت نفسي على فراشي و جعلت أفكر في الموضع الذي أقصد له و أجعل مقامي به إذا نبت البادية بي و ضقت ذرعا بسوء طاعة أهلها فأظلتني سحابه فبرقت و رعدت و اتصل صوت الرعد منها بسمعي فخوطبت فقيل لي اقصد البصرة فقلت لأصحابي و هم يكتنفونني إني أمرت بصوت من هذا الرعد بالمصير إلى البصرة. و ذكر عنه أنه عند مصيره إلى البادية أوهم أهلها أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة في أيام المستعين فاختدع بذلك قوما منهم حتى اجتمع عليه منهم جماعة فزحف بهم إلى موضع من البحرين يقال له الردم فكانت بينه و بين أهله وقعة عظيمة كانت الدبرة فيها عليه و على أصحابه قتلوا فيها قتلا ذريعا فتفرقت عنه العرب و كرهته و تجنبت صحبته. فلما تفرقت العرب عنه و نبت به البادية شخص عنها إلى البصرة فنزل بها في بني ضبيعة فاتبعه بها جماعة منهم علي بن أبان المعروف بالمهلبي من ولد المهلب بن أبي صفرة و أخواه محمد و الخليل و غيرهم و كان قدومه البصرة في سنة أربع و خمسين و مائتين(9/104)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 131و عامل السلطان بها يومئذ محمد بن رجاء و وافق ذلك فتنة أهل البصرة بالبلالية و السعدية فطمع في أحد الفريقين أن يميل إليه فأرسل أربعة من أصحابه يدعون إليه و هم محمد بن سلم القصاب الهجري و بريش القريعي و علي الضراب و الحسين الصياني و هم الذين كانوا صحبوه بالبحرين فلم يستجب لهم أحد من أهل البلد و ثار عليهم الجند فتفرقوا و خرج علي بن محمد من البصرة هاربا و طلبه ابن رجاء فلم يقدر عليه و أخبر ابن رجاء بميل جماعة من أهل البصرة إليه فأخذهم فحبسهم و حبس معهم زوجة علي بن محمد و ابنه الأكبر و جارية له كانت حاملا و مضى علي بن محمد لوجهه يريد بغداد و معه قوم من خاصته منهم محمد بن سلم و يحيى بن محمد و سليمان بن جامع و بريش القريعي فلما صاروا بالبطيحة نذر بهم بعض موالي الباهليين كان يلي أمر البطيحة فأخذهم و حملهم إلى محمد بن أبي عون و هو عامل السلطان بواسط فاحتال لابن أبي عون حتى تخلص هو و أصحابه من يده ثم صار إلى بغداد فأقام بها سنة و انتسب في هذه السنة إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد و كان يزعم أنه ظهر له أيام مقامه ببغداد في هذه السنة آيات و عرف ما في ضمائر أصحابه و ما يفعله كل واحد منهم و أنه سأل ربه أن يعلمه حقيقة أمور كانت في نفسه فرأى كتابا يكتب له على حائط و لا يرى شخص كاتبه. قال أبو جعفر و استمال ببغداد جماعة منهم جعفر بن محمد الصوحاني من ولد زيد بن صوحان العبدي و محمد بن القاسم و غلامان لبني خاقان و هما مشرق و رفيق فسمى مشرقا حمزة و كناه أبا أحمد و سمى رفيقا جعفرا و كناه أبا الفضل فلما انقضى عامه ذلك ببغداد عزل محمد بن رجاء عن البصرة فوثبت رؤساء الفتنة بها من البلالية و السعدية(9/105)


شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 132ففتحوا المحابس و أطلقوا من كان فيها فتخلص أهله و ولده فيمن تخلص فلما بلغه ذلك شخص عن بغداد فكان رجوعه إلى البصرة في شهر رمضان من سنة خمس و خمسين و مائتين و معه علي بن أبان المهلبي و قد كان لحق به و هو بمدينة السلام مشرق و رف و أربعة أخر من خواصه و هم يحيى بن محمد و محمد بن سلم و سليمان بن جامع و أبو يعقوب المعروف بجربان فساروا جميعا حتى نزلوا بالموضع المعروف ببرنخل من أرض البصرة في قصر هناك يعرف بقصر القرشي على نهر يعرف بعمود بن المنجم كان بنو موسى بن المنجم احتفروه و أظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع ما يملكونه هناك من السباخ. قال أبو جعفر فذكر عن ريحان بن صالح أحد غلمان الشورجيين الزنوج و هو أول من صحبه منهم قال كنت موكلا بغلمان مولاي أنقل الدقيق إليهم فمررت به و هو مقيم بقصر القرشي يظهر الوكالة لأولاد الواثق فأخذني أصحابه و صاروا بي إليه و أمروني بالتسليم عليه بالإمرة ففعلت ذلك فسألني عن الموضع الذي جئت منه فأخبرته أني أقبلت من البصرة فقال هل سمعت لنا بالبصرة خبرا قلت لا قال فخبر البلالية و السعدية قلت لم أسمع لهم خبرا فسألني عن غلمان الشورجيين و ما يجري لكل جماعة منهم من الدقيق و السويق و التمر و عمن يعمل في الشورج من الأحرار و العبيد فأعلمته ذلك فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته فقال لي احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان فأقبل بهم إلي و وعدني أن يقودني على من آتيه به منهم و أن يحسن إلي و استحلفني ألا أعلم أحدا بموضعه و أن أرجع إليه فخلى سبيلي فأتيت بالدقيق الذي معي إلى غلمان مولاي و أخبرتهم خبره و أخذت له البيعة عليهم و وعدتهم عنه بالإحسان و الغنى و رجعت إليه من غد ذلك اليوم و قد وافاه رفيق غلام الخاقانية شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 133و قد كان وجهه إلى البصرة يدعو إليه غلمان الشورج وافى إليه صاحب له آخر يعرف بشبل بن سالم قد كان دعا إليه قوما منهم(9/106)

125 / 149
ع
En
A+
A-