أصل تأمروني تأمرونني بنونين فأسكن الأولى و أدغم قال تعالى أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 110و لا أطور به لا أقربه و لا تطر حولنا أي لا تقرب ما حولنا و أصله من طوار الدار و هو ما كان ممتدا معها الفناء. و قوله ما سمر سمير يعني الدهر أي ما أقام الدهر و ما بقي و الأشهر في المثل ما سمر ابنا سمير قالوا السمير الدهر و ابناه الليل و النهار و قيل ابنا سمير الليل و النهار لأنه يسمر فيهما و يقولون لا أفعله السمر و القمر أي ما دام الناس يسمرون في ليلة قمراء و لا أفعله سمير الليالي أي أبدا قال الشنفري
هنالك لا أرجو حياة تسرني سمير الليالي مبسلا بالجرائر(9/87)
قوله و ما أم نجم في السماء نجما أي قصد و تقدم لأن النجوم تتبع بعضها بعضا فلا بد من تقدم و تأخر فلا يزال النجم يقصد نجما غيره و لا يزال النجم يتقدم نجما غيره. و الخدين الصديق يقول ع كيف تأمرونني أن أطلب النصر من الله بأن أجور على قوم وليت عليهم يعني الذين لا سوابق لهم و لا شرف و كان عمر ينقصهم في العطاء عن غيرهم. ثم قال ع لو كان المال لي و أنا أفرقه بينهم لسويت فكيف و إنما هو مال الله و فيئه ثم ذكر أن إعطاء المال في غير حقه تبذير و إسراف و قد نهى الله عنه و أنه يرفع صاحبه عند الناس و يضعه عند الله و أنه لم يسلك أحد هذه المسلك إلا حرمه الله ود الذين يتحبب إليهم بالمال و لو احتاج إليهم يوما عند عثرة يعثرها لم يجدهم. شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 111و اعلم أن هذه مسألة فقهية و رأي علي ع و أبي بكر فيها واحد و هو التسوية بين المسلمين في قسمة الفي ء و الصدقات و إلى ذهب الشافعي رحمه الله و أما عمر فإنه لما ولي الخلافة فضل بعض الناس على بعض ففضل السابقين على غيرهم و فضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين و فضل المهاجرين كافة على الأنصار كافة و فضل العرب على العجم و فضل الصريح على المولى و قد كان أشار على أبي بكر أيام خلافته بذلك فلم يقبل و قال إن لم يفضل أحدا على أحد و لكنه قال إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ و لم يخص قوما دون قوم فلما أفضت إليه الخلافة عمل بما كان أشار به أولا و قد ذهب كثير من فقهاء المسلمين إلى قوله و المسألة محل اجتهاد و للإمام أن يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده و إن كان اتباع علي ع عندنا أولى لا سيما إذا عضده موافقة أبي بكر على المسألة و إن صح الخبر أن رسول الله ص سوى فقد صارت المسألة منصوصا عليها لأن فعله ع كقوله(9/88)
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 127112- و من كلام له ع قاله للخوارج أيضافَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَ ضَلَلْتُ فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص بِضَلَالِي وَ تَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي وَ تُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَ السُّقْمِ وَ تَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ وَ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَ وَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ وَ قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ وَ جَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْ ءِ وَ نَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص بِذُنُوبِهِمْ وَ أَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِمْ وَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ لَمْ يُخْرِج أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ وَ مَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ وَ سَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَ مُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَ خَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالًا النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ وَ الْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَ إِيَّاكُمْ وَ الْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ وَ لَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ فَإِنَّمَا حُكِّمَ شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 113الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ وَ يُمِيتَا مَا(9/89)
أَاتَ الْقُرْآنُ وَ إِحْيَاؤُهُ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ وَ إِمَاتَتُهُ الِافْتِرَاقُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمْ اتَّبَعْنَاهُمْ وَ إِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا فَلَمْ آتِ لَا أَبَا لَكُمْ بُجْراً وَ لَا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ وَ لَا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلَّا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا الْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ وَ قَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَ الصَّمْدِ لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا
ليس لقائل أن يقول له ع معتذرا عن الخوارج إنهم إنما ضللوا عامة أمة محمد ص و حكموا بخطئهم و كفرهم و قتلهم بالسيف خبطا لأنهم وافقوك في تصويب التحكيم و هو عندهم كفر فلم يؤاخذوهم بذنبك كما قلت لهم و ذلك لأن أمير المؤمنين ع ما قال هذه المقالة إلا لمن رأى منهم استعراض العامة و قتل الأطفال حتى البهائم فقد كان منهم قوم فعلوا ذلك و قد سبق منا شرح أفعالهم و وقائعهم بالناس و قالوا إن الدار دار كفر لا يجوز الكف عن أحد من أهلها فهؤلاء هم الذين وجه أمير المؤمنين ع إليهم خطابه و إنكاره دون غيرهم من فرق الخوارج
مذهب الخوارج في تكفير أهل الكبائر(9/90)
و اعلم أن الخوارج كلها تذهب إلى تكفير أهل الكبائر و لذلك كفروا عليا ع و من اتبعه على تصويب التحكيم و هذا الاحتجاج الذي احتج به عليهم شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 114لازم و صحيح لأنه لو كان صاحب الكبيرة كافرا لما صلى عليه رسول الله ص و لا ورثه من المسلم و لاكنه من نكاح المسلمات و لا قسم عليه من الفي ء و لأخرجه عن لفظ الإسلام. و قد احتجت الخوارج لمذهبها بوجوه منها قوله تعالى وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ قالو فجعل تارك الحج كافرا. و الجواب أن هذه الآية مجملة لأنه تعالى لم يبين وَ مَنْ كَفَرَ بما ذا فيحتمل أن يريد تارك الحج و يحتمل أن يريد تارك اعتقاد وجوبه على من استطاع إليه سبيلا فلا بد من الرجوع إلى دلالة و الظاهر أنه أراد لزوم الكفر لمن كفر باعتقاد كون الحج غير واجب أ لا تراه في أول الآية قال وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ فأنبأ عن اللزوم ثم قال وَ مَنْ كَفَرَ بلزوم ذلك و نحن نقول إن من لم يقل لله على الناس حج البيت فهو كافر. و منها قوله تعالى إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ قالوا و الفاسق لفسقه و إصراره عليه آيس من روح الله فكان كافرا. و الجواب أنا لا نسلم أن الفاسق آيس من روح الله مع تجويزه تلافي أمره بالتوبة و الإقلاع و إنما يكون اليأس مع القطع و ليس هذه صفة الفاسق فأما الكافر الذي يجحد الثواب و العقاب فإنه آيس من روح الله لأنه لا تخطر له التوبة و الإقلاع و يقطع على حسن معتقده. و منها قوله تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و كل مرتكب للذنوب فقد حكم بغير ما أنزل الله و لم يحكم بما أنزل الله. شرح نهج البلاغة ج : 8 : 115و الجواب أن هذا مقصور على اليهود لأن ذكرهم هو المقدم في الآية(9/91)