قتلت المرادي الذي كان باغيا ينادي و قد ثار العجاج نزال يقول أنا عوف بن مجزاة و المنى لقاء ابن مجزاة بيوم قتال فقلت له لما علا القوم صوته منيت بمشبوح اليدين طوال فأوجرته في ملتقى الحرب صعدة ملأت بها رعبا صدور رج شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 91فغادرته يكبو صريعا لوجهه ينوء مرارا في مكر مجال و قدمت مهري راكضا نحو صفهم أصرفه في جريه بشمالي أريد به التل الذي فوق رأسه معاوية الجاني لكل خبال فقام رجال دونه بسيوفهم و قام رجال دونه بعوالي فلو نلته نلت التي ليس بعدها وذكر صالح و فعال و لو مت في نيل المنى ألف موتة لقلت إذا ما مت لست أباليقال فانكسر أهل الشام لقتل عوف المرادي و هدر معاوية دم العكبر فقال العكبر يد الله فوق يده فأين الله جل جلاله و دفاعه عن المؤمنين. قال نصر و روى عمر بن سعد عن الحارث بن حصين عن أبي الكنود قال جزع أهل الشام على قتلاهم جزعا شديدا و قال معاوية بن خديج قبح الله ملكا يملكه المرء بعد حوشب و ذي الكلاع و الله لو ظفرنا بأهل الدنيا بعد قتلهما بغير مئونة ما كان ظفرا و قال يزيد بن أسد لمعاوية لا خير في أمر لا يشبه آخره أوله لا يدمى جريح و لا يبكى قتيل حتى تنجلي هذه الفتنة فإن يكن الأمر لك أدميت شرح نهج البلاغة ج : 8 ص 92و بكيت على قرار و إن يكن لغيرك فما أصبت به أعظم فقال معاوية يا أهل الشام ما جعلكم أحق بالجزع على قتلاكم من أهل العراق على قتلاهم و الله ما ذو الكلاع فيكم بأعظم من عمار بن ياسر فيهم و لا حوشب فيكم بأعظم من هاشم فيهم و ما عبيد الله بن عمر فيكم بأعظم من ابن بديل فيهم و ما الرجال إلا أشباه و ما التمحيص إلا من عند الله فأبشروا فإن الله قد قتل من القوم ثلاثة قتل عمارا و كان فتاهم و قتل هاشما و كان حمزتهم و قتل ابن بديل و هو الذي فعل الأفاعيل و بقي الأشتر و الأشعث و عدي بن حاتم فأما الأشعث فإنما حمى عنه مصره و أما الأشتر و عدي فغضبا و الله للفتنة أقاتلهما(9/72)
غدا إن شاء الله تعالى فقال معاوية بن خديج إن يكن الرجال عندك أشباها فليست عندنا كذلك و غضب و قال شاعر اليمن يرثي ذا الكلاع و حوشبا
معاوي قد نلنا و نيلت سراتنا و جدع أحياء الكلاع و يحصب فذو كلع لا يبعد الله داره و كل يمان قد أصيب بحوشب هما ما هما كانا معاوي عصمة متى قلت كانا عصمة لا أكذب و لو قبلت في هالك بذل فدية فديتهما بالنفس و الأم و الو روى نصر عن عمر بن سعد عن عبيد الرحمن بن كعب قال لما قتل عبد الله بن بديل يوم صفين مر به الأسود بن طهمان الخزاعي و هو بآخر رمق فقال له عز علي و الله مصرعك أما و الله لو شهدتك لآسيتك و لدافعت عنك و لو رأيت الذي أشعرك شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 93لأحببت ألأزايله و لا يزايلني حتى أقتله أو يلحقني بك ثم نزل إليه فقال رحمك الله يا عبد الله و الله إن كان جارك ليأمن بوائقك و إن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا أوصني رحمك الله قال أوصيك بتقوى الله و أن تناصح أمير المؤمنين و تقاتل معه حتى يظهر الحق أو تلحق بالله و أبلغ أمير المؤمنين عني السلام و قل له قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فإنه من أصبح و المعركة خلف ظهره كان الغالب. ثم لم يلبث أن مات فأقبل أبو الأسود إلى علي ع فأخبره فقال رحمه الله جاهد معنا عدونا في الحياة و نصح لنا في الوفاة. قال نصر و قد روي نحو هذا عن عبد الرحمن بن كلدة حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بحر عن عبد الرحمن بن حاطب قال خرجت التمس أخي سويدا في قتلى صفين فإذا رجل صريع في القتلى قد أخذ بثوبي فالتفت فإذا هو عبد الرحمن بن كلدة فقلت إنا لله و إنا إليه راجعون هل لك في الماء و معي إداوة فقال لا حاجة لي فيه قد أنفذ في السلاح و خرقني فلست أقدر على الشراب هل أنت مبلغ عني أمير المؤمنين رسالة أرسلك بها قلت نعم قال إذا رأيته فاقرأ عليه السلام و قل له يا أمير المؤمنين احمل جرحاك إلى عسكرك حتى تجعلهم من وراء ظهرك فإن الغلبة لمن(9/73)
فعل ذلك ثم لم أبرح حتى مات فخرجت حتى أتيت أمير المؤمنين ع فقلت له إن عبد الرحمن بن كلدة يقرأ عليك السلام قال و أين هو قلت وجدته و قد أنفذه السلاح و خرقه فلم يستطع شرب الماء و لم أبرح حتى مات فاسترجع ع فقلت قد أرسلني إليك برسالة قال و ما هي قلت إنه يقول احمل جرحاك
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 94إلى عسكرك و اجعلهم وراء ظهرك فإن الغلبة لمن فعل ذلك فقال صدق فنادى مناديه في العسكر أن احملوا جرحاكم من بين القتلى إلى معسكركم ففعلوا. قال نصر و حدثني عمرو بن شمر عن جابر عن عامر عن صعصعة بن صوحان أن أبرهة بن الصباح الحميري ق بصفين فقال ويحكم يا معشر أهل اليمن إني لأظن الله قد أذن بفنائكم ويحكم خلوا بين الرجلين فليقتتلا فأيهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا و كان أبرهة من رؤساء أصحاب معاوية فبلغ قوله عليا ع فقال صدق أبرهة و الله ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشد سرورا مني بهذه الخطبة قال و بلغ معاوية كلام أبرهة فتأخر آخر الصفوف و قال لمن حوله إني لأظن أبرهة مصابا في عقله فأقبل أهل الشام يقولون و الله إن أبرهة لأكملنا دينا و عقلا و رأيا و بأسا و لكن الأمير كره مبارزة علي و سمع ما دار من الكلام أبو داود عروة بن داود العامري و كان من فرسان معاوية فقال إن كان معاوية كره مبارزة أبي حسن فأنا أبارزه ثم خرج بين الصفين فنادى أنا أبو داود فابرز إلي يا أبا حسن فتقدم علي ع نحوه فناداه الناس ارجع يا أمير المؤمنين عن هذا الكلب فليس لك بخطر فقال و الله ما معاوية اليوم بأغيظ لي منه دعوني و إياه ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين سقطت إحداهما يمنية و الأخرى شامية فارتج العسكران لهول الضربة و صرخ ابن عم لأبي داود وا سوء صباحاه و قبح الله البقاء بعد أبي داود و حمل على علي ع فطعنه فضرب الرمح فبرأه ثم قنعه ضربة فألحقه بأبي داود و معاوية شرح نهج البلاغج : 8 ص : 95واقف على التل يبصر و يشاهد فقال تبا لهذه(9/74)
الرجال و قبحا أ ما فيهم من يقتل هذا مبارزة أو غيلة أو في اختلاط الفيلق و ثوران النقع فقال الوليد بن عقبة ابرز إليه أنت فإنك أولى الناس بمبارزته فقال و الله لقد دعاني إلى البراز حتى لقد استحييت من قريش و إني و الله لا أبرز إليه ما جعل العسكر بين يدي الرئيس إلا وقاية له فقال عتبة بن أبي سفيان الهوا عن هذا كأنكم لم تسمعوا نداءه فقد علمتم أنه قتل حريثا و فضح عمرا و لا أرى أحدا يتحكك به إلا قتله فقال معاوية لبسر بن أرطاة أ تقوم لمبارزته فقال ما أحد أحق بها منك أما إذ بيتموه فأنا له قال معاوية إنك ستلقاه غدا في أول الخيل و كان عند بسر ابن عم له قدم من الحجاز يخطب ابنته فأتى بسرا فقال له إني سمعت أنك وعدت من نفسك أن تبارز عليا أ ما تعلم أن الوالي من بعد معاوية عتبة ثم بعده محمد أخوه و كل من هؤلاء قرن علي فما يدعوك إلى ما أرى قال الحياء خرج مني كلام فأنا أستحيي أن أرجع عنه فضحك الغلام و قال(9/75)
تنازله يا بسر إن كنت مثله و إلا فإن الليث للشاء آكل كأنك يا بسر بن أرطاة جاهل بآثاره في الحرب أو متجاهل معاوية الوالي و صنواه بعده و ليس سواء مستعار و ثاكل أولئك هم أولى به منك إنه علي فلا تقربه أمك هابل متى تلقه فالموت في رأس رمحه و في سيفه شغل لنفسك و ما بعده في آخر الخيل عاطف و لا قبله في أول الخيل حاملفقال بسر هل هو إلا الموت لا بد من لقاء الله فغدا علي ع منقطعا من خيله و يده في يد الأشتر و هما يتسايران رويدا يطلبان التل ليقفا عليه إذ برز له بسر مقنعا في الحديد لا يعرف فناداه أبرز إلي أبا حسن فانحدر إليه على تؤدة غير مكترث به شرح نهج البلاغة ج : 8 ص :6حتى إذا قاربه طعنه و هو دارع فألقاه إلى الأرض و منع الدرع السنان أن يصل إليه فاتقاه بسر بعورته و قصد أن يكشفها يستدفع بأسه فانصرف عنه ع مستدبرا له فعرفه الأشتر حين سقط فقال يا أمير المؤمنين هذا بسر بن أرطاة هذا عدو الله و عدوك فقال دعه عليه لعنة الله أ بعد أن فعلها فحمل ابن عم بسر من أهل الشام شاب على علي ع و قال
أرديت بسرا و الغلام ثائره أرديت شيخا غاب عنه ناصره و كلنا حام لبسر واترهفلم يلتفت إليه علي ع و تلقاه الأشتر فقال له
في كل يوم رجل شيخ شاغره و عورة وسط العجاج ظاهره تبرزها طعنة كف واتره عمرو و بسر منيا بالفاقرهفطعنه الأشتر فكسر صلبه و قام بسر من طعنة علي ع موليا و فرت خيله و ناداه علي ع يا بسر معاوية كان أحق بها منك فرجع بسر إلى معاوية فقال له معاوية ارفع طرفك فقد أدال الله عمرا منك قال الشاعر في ذلك(9/76)