قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر بالإسناد المذكور أن معاوية دعا النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري و مسلمة بن مخلد الأنصاري و لم يكن معه من الأنصار غيرهما فقال يا هذان لقد غمني ما لقيت من الأوس و الخزرج واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى لقد جبنوا أصحابي الشجاع منهم و الجبان و حتى و الله ما أسأل عن شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 85فارس من أهل الشام إلا قيل قتله الأنصار أما و الله لألقينهم بحدي و حديدي و لأعبين لكل فارس منهم فارسا ينشب في حلقه و لأرمينهم بأعدادهم من قريش رجال لم يغذهم التمر و الطفيشل يقولون ن الأنصار قد و الله آووا و نصروا و لكن أفسدوا حقهم بباطلهم فغضب النعمان و قال يا معاوية لا تلومن الأنصار في حب الحرب و السرعة نحوها فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية و أما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع رسول الله ص يفعلون ذلك كثيرا و أما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم قديما فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا فافعل و أما التمر و الطفيشل فإن التمر كان لنا فلما ذقتموه شاركتمونا فيه و أما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناه غلبناهم عليه كما غلبت قريش على السخينة. ثم تكلم مسلمة بن مخلد فقال يا معاوية إن الأنصار لا تعاب أحسابها و لا نجداتها و أما غمهم إياك فقد و الله غمونا و لو رضينا ما فارقونا و لا فارقنا جماعتهم و إن في ذلك ما فيه من مباينة العشيرة و لكنا حملنا ذلك لك و رجونا منك عوضه و أما التمر و الطفيشل فإنهما يجران عليك السخينة و الخرنوب. قال و انتهى هذا الكلام إلى الأنصار فجمع قيس بن سعد الأنصار ثم قام فيهم خطيبا فقال إن معاوية قال ما بلغكم و أجابه عنكم صاحباكم و لعمري إن غظتم شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 86معاوية اليوم لقد غظتموه أمس و إن وترتموه في الإسلام فلقد وترتموه في الشرك و ما لكم إه من ذنب أعظم من نصر هذا الدين فجدوا اليوم جدا تنسونه به ما كان أمس(9/67)
و جدوا غدا جدا تنسونه به ما كان اليوم فأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبريل و عن يساره ميكائيل و القوم مع لواء أبي جهل و الأحزاب فأما التمر فإنا لم نغرسه و لكن غلبنا عليه من غرسه و أما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به كما سميت قريش بسخينة ثم قال سعد في ذلك
يا ابن هند دع التوثب في الحرب إذا نحن بالجياد سرينانحن من قد علمت فادن إذا شئت بمن شئت في العجاج إليناإن تشأ فارس له فارس منا و إن شئت باللفيف التقيناأي هذين ما أردت فخذه ليس منا و ليس منك الهوينى ثم لا نسلخ العجاجة حتى تنجلي حربنا لنا أو عليناليت ما تطلبالغداة أتانا أنعم الله بالشهادة عينا(9/68)
فلما أتى شعره و كلامه معاوية دعا عمرو بن العاص فقال ما ترى في شتم الأنصار قال أرى أن توعدهم و لا تشتمهم ما عسى أن تقول لهم إذا أردت ذمهم فذم أبدانهم و لا تذم أحسابهم فقال إن قيس بن سعد يقوم كل يوم خطيبا و أظنه و الله يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس الفيل فما الرأي قال الصبر و التوكل و أرسل شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 87إلى رءوس الأنصار مع علي فعاتبهم و أمرهم أن يعاتبوه فأرسل معاوية إلى أبي مسعود و البراء بن عازب و خزيمة بن ثابت و الحجاج بن غزية و أبي أيوب فعاتبهم فمشوا إلى قيس بن سعد و قالوا له إن معاوية لاحب الشتم فكف عن شتمه فقال إن مثلي لا يشتم و لكني لا أكف عن حربه حتى ألقى الله قال و تحركت الخيل غدوة فظن قيس أن فيها معاوية فحمل على رجل يشبهه فضربه بالسيف فإذا هو ليس به ثم حمل على آخر يشبهه أيضا فقنعه بالسيف. فلما تحاجز الفريقان شتمه معاوية شتما قبيحا و شتم الأنصار فغضب النعمان و مسلمة فأرضاهما بعد أن هما أن ينصرفا إلى قومهما. ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه و يسأله السلم فخرج النعمان فوقف بين الصفين و نادى يا قيس بن سعد أنا النعمان بن بشير فخرج إليه و قال هيه يا نعمان ما حاجتك قال يا قيس إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه يا معشر الأنصار إنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار و قتلتم أنصاره يوم الجمل و أقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكانت واحدة بواحدة و لكنكم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب و دعوتم شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 88إلى البراز ثم لم ينزل بعلي حطب قط إلا هونتم عليه المصيبة و وعدتموه الظفر و قد أخذت الحرب منا و منكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية. فضحك قيس و قال ما كنت أظنك يا نعمان محتويا على هذه المقالة إنه لا ينصح أخاه منش نفسه و أنت الغاش الضال المضل أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار(9/69)
تكفيك فخذ مني واحدة قتل عثمان من لست خيرا منه و خذله من هو خير منك و أما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث و أما معاوية فو الله لو اجتمعت عليه العرب قاطبة لقاتلته الأنصار و أما قولك إنا لسنا كالناس فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله نتقي السيوف بوجوهنا و الرماح بنحورنا حتى جاء الحق و ظهر أمر الله و هم كارهون و لكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور انظر أين المهاجرون و الأنصار و التابعون لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم و رضوا عنه ثم انظر هل ترى مع معاوية أنصاريا غيرك و غير صويحبك و لستما و الله ببدريين و لا عقبيين و لا أحديين و لا لكما سابقة في الإسلام و لا آية في القرآن و لعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك. قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال كان فارس أهل الشام الذي لا ينازع عوف بن مجزأة المرادي المكنى أبا أحمر و كان فارس أهل الكوفة العكبر بن جدير الأسدي فقام العكبر إلى علي ع و كان شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 89منطيقا فقال يا أمير المؤمنين إن في أيدينا عهدا من الله لا نحتاج ف إلى الناس قد ظننا بأهل الشام الصبر و ظنوا بنا فصبرنا و صبروا و قد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة و صبر أهل الحق على أهل الباطل و رغبة أهل الدنيا ثم قرأت آية من كتاب الله فعلمت أنهم مفتونون الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ فقال له ع خيرا و خرج الناس إلى مصافهم و خرج عوف بن مجزأة المرادي نادرا من الناس و كذا كان يصنع و قد كان قتل نفرا من أهل العراق مبارزة فنادى يا أهل العراق هل من رجل عصاه سيفه يبارزني و لا أغركم من نفسي أنا عوف بن مجزأة فنادى الناس بالعكبر فخرج(9/70)
إليه منقطعا عن أصحابه ليبارزه فقال عوف
بالشام أمن ليس فيه خوف بالشام عدل ليس فيه حيف بالشام جود ليس فيه سوف أنا ابن مجزاة و اسمي عوف هل من عراقي عصاه سيف يبرز لي و كيف لي و كيفقال له العكبر
الشام محل و العراق ممطر بها إمام طاهر مطهرو الشام فيها أعور و معور أنا العراقي و اسمي عكبر
شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 90ابن جدير و أبوه المنذر ادن فإني في البراز قسوفاطعنا فصرعه العكبر و قتله و معاوية على التل في وجوه قريش و نفر قليل من الناس فوجه العكبر فرسه يملأ فروجه ركضا و يضربه بالسوط مسرعا نحو التل فنظر معاوية إليه فقال هذا الرجل مغلوب على عقله أو مستأمن فاسألوه فأتاه رجل و هو في حمو فرسه فناداه فلم يجبه و مضى مبادرا حتى انتهى إلى معاوية فجعل يطعن في أعراض الخيل و رجا أن ينفرد بمعاوية فيقتله فاستقبله رجال قتل منهم قوما و حال الباقون بينه و بين معاوية بسيوفهم و رماحهم فلما لم يصل إليه قال أولى لك يا ابن هند أنا الغلام الأسدي و رجع إلى صف العراق و لم يكلم فقال له علي ع ما دعاك إلى ما صنعت لا تلق نفسك إلى التهلكة قال يا أمير المؤمنين أردت غرة ابن هند فحيل بيني و بينه و كان العكبر شاعرا فقال(9/71)