قتال صفين مشيا قال فلما أتيناهم هربوا و انتشروا انتشار الجراد فذكرت قوله و فروا كاليعافير ثم رجعنا إلى أصحابنا و قد نشب القتال بينهم و بين أهل الشام و قد اقتطع أهل الشام طائفة من أهل العراق بعضها من ربيعة فأحاطوا بها فلم نصل إليها حتى حملنا على أهل الشام فعلوناهم بالأسياف حتى انفرجوا لنا فأفضينا إلى أصحابنا فاستنقذناهم و عرفناهم تحت النقع بسيماهم و علامتهم و كانت علامة أهل العراق بصفين الصوف الأبيض قد جعلوه في رءوسهم و على شرح نهج البلاغة ج : 8 : 16أكتافهم و شعارهم يا الله يا الله يا أحد يا صمد يا رب محمد يا رحمان يا رحيم و كانت علامة أهل الشام خرقا صفرا قد جعلوها على رءوسهم و أكتافهم و شعارهم
نحن عباد الله حقا حقا(9/12)
يا لثارات عثمان قال نصر فاجتلدوا بالسيوف و عمد الحديد فلم يتحاجزوا حتى حجز بينهم الليل و ما يرى رجل من هؤلاء و من هؤلاء موليا. قال نصر حدثنا عمر بن سعد قال كانوا عربا يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية و إنهم لحديثو عهد بها فالتقوا في الإسلام و فيهم بقايا تلك الحمية و عند بعضهم بصيرة الدين و الإسلام فتضاربوا و استحيوا من الفرار حتى كادت الحرب تبيدهم و كانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء عسكر هؤلاء فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم. قال نصر فحدثنا عمر بن سعد قال فبينا علي ع واقفا بين جماعة من همدان و حمير و غيرهم من أفناء قحطان إذ نادى رجل من أهل الشام من دل على أبي نوح الحميري فقيل له قد وجدته فما ذا تريد قال فحسر عن لثامة فإذا هو ذو الكلاع الحميري و معه جماعة من أهله و رهطه فقال لأبي نوح سر معي قال إلى أين قال إلى أن نخرج عن الصف قال و ما شأنك قال إن لي إليك لحاجة فقال أبو نوح معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتيبة قال ذو الكلاع بلى فسر فلك ذمة الله و ذمة رسوله شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 17و ذمة ذي الكلاع حتى ترجع إلى خيلك فإنما أريد أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه فسار أبو نوح و سار ذو الكلاع فقال له إنما دعوتك أحدثك حديثا حدثناهمرو بن العاص قديما في خلافة عمر بن الخطاب ثم أذكرناه الآن به فأعاده أنه يزعم أنه سمع رسول الله ص قال يلتقي أهل الشام و أهل العراق و في إحدى الكتيبتين الحق و إمام الهدى و معه عمار بن ياسر فقال أبو نوح نعم و الله إنه لفينا قال نشدتك الله أ جاد هو على قتالنا قال أبو نوح نعم و رب الكعبة لهو أشد على قتالكم مني و لوددت أنكم خلق واحد فذبحته و بدأت بك قبلهم و أنت ابن عمي قال ذو الكلاع ويلك علام تمنى ذلك منا فو الله ما قطعتك فيما بيني و بينك قط و إن رحمك لقريبة و ما يسرني أن أقتلك قال أبو نوح إن الله قطع بالإسلام أرحاما قريبة و وصل به أرحاما متباعدة و إني قاتلك و أصحابك لأنا على(9/13)
الحق و أنتم على الباطل قال ذو الكلاع فهل تستطيع أن تأتي معي صف أهل الشام فأنا لك جار منهم حتى تلقى عمرو بن العاص فتخبره بحال عمار و جده في قتالنا لعله أن يكون صلح بين هذين الجندين. قلت وا عجباه من قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار و لا يعتريهم الشك لمكان علي ع و يستدلون على أن الحق مع أهل العراق بكون عمار بين أظهرهم و لا يعبئون بمكان علي ع و يحذرون من
قول النبي ص تقتلك الفئة الباغية
و يرتاعون لذلك و لا يرتاعون
لقوله ص في علي ع اللهم وال من والاه و عاد من عاداه(9/14)
و لا لقوله لا يحبك إلا مؤمن شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 18و لا يبغضك إلا منافقو هذا يدلك على أن عليا ع اجتهدت قريش كلها من مبدإ الأمر في إخمال ذكره و ستر فضائله و تغطية خصائصه حتى محي فضله و مرتبته من صدور الناس كافة إلا قليلا منهم. قال نصر فقال له أبو نوح إنك رجل غادر و أنت في قوم غدر و إن لم يرد الغدر أغدروك و إني أن أموت أحب إلى من أن أدخل مع معاوية فقال ذو الكلاع أنا جار لك من ذلك ألا تقتل و لا تسلب و لا تكره على بيعة و لا تحبس عن جندك و إنما هي كلمة تبلغها عمرو بن العاص لعل الله أن يصلح بذلك بين هذين الجندين و يضع عنهم الحرب فقال أبو نوح إني أخاف غدراتك و غدرات أصحابك قال ذو الكلاع أنا لك بما قلت زعيم قال أبو نوح اللهم إنك ترى ما أعطاني ذو الكلاع و أنت تعلم ما في نفسي فاعصمني و اختر لي و انصرني و ادفع عني ثم سار مع ذي الكلاع حتى أتى عمرو بن العاص و هو عند معاوية و حوله الناس و عبد الله بن عمر يحرض الناس على الحرب فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو يا أبا عبد الله هل لك في رجل ناصح لبيب مشفق يخبرك عن عمار بن ياسر فلا يكذبك قال و من هو قال هو ابن عمي هذا و هو من أهل الكوفة فقال عمرو أرى عليك سيما أبي تراب فقال أبو نوح على سيما محمد و أصحابه و عليك سيما أبي جهل و سيما فرعون فقام أبو الأعور فسل سيفه و قال لا أرى هذا الكذاب اللئيم يسبنا بين أظهرنا و عليه سيما أبي تراب فقال ذو الكلاع أقسم بالله لئن بسطت يدك إليه لأحطمن أنفك بالسيف ابن عمي و جاري عقدت له ذمتي و جئت به إليكم ليخبركم عما تماريتم فيه فقال له عمرو بن العاص يا أبا نوح أذكرك بالله إلا ما صدقتنا و لم تكذبنا أ فيكم عمار بن ياسر قال أبو نوح ما أنا بمخبرك حتى تخبر لم تسأل عنه و معنا من أصحاب محمد ص عدة غيره و كلهم جاد على قتالكم(9/15)
فقال عمرو سمعت رسول الله ص يقول إن شرح نهج البلاغة ج : 8 ص : 19عمارا تقتله الفئة الباغية و إنه ليس لعمار أن يفارق الحق و لن تأكل النار من عمار شيئافقال أبو نوح لا إله إلا الله و الله أكبر و الله إنه لفينا جاد على قتالكم فقال عمرو الله الذي لا إله إلا هو إنه لجاد على قتالنا قال نعم و الله الذي لا إله إلا هو و لقد حدثني يوم الجمل أنا سنظهر على أهل البصرة و لقد قال لي أمس إنكم لو ضربتمونا حتى تبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق و أنكم على باطل و لكانت قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار قال عمرو فهل تستطيع أن تجمع بيني و بينه قال نعم فركب عمرو بن العاص و ابناه و عتبة بن أبي سفيان و ذو الكلاع و أبو الأعور السلمي و حوشب و الوليد بن عقبة و انطلقوا و سار أبو نوح و معه شرحبيل بن ذي الكلاع يحميه حتى انتهى إلى أصحابه فذهب أبو نوح إلى عمار فوجده قاعدا مع أصحاب له منهم الأشتر و هاشم و ابنا بديل و خالد بن معمر و عبد الله بن حجل و عبد الله بن العباس. فقال لهم أبو نوح إنه دعاني ذو الكلاع و هو ذو رحم فقال أخبرني عن عمار بن ياسر أ فيكم هو فقلت لم تسأل
فقال أخبرني عمرو بن العاص في إمرة عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله ص يقول يلتقي أهل الشام و أهل العراق و عمار مع أهل الحق و تقتله الفئة الباغية
فقلت نعم إن عمارا فينا فسألني أ جاد هو على قتالنا فقلت نعم و الله إنه لأجد مني في ذلك و لوددت أنكم خلق واحد فذبحته و بدأت بك يا ذا الكلاع فضحك عمار و قال أ يسرك ذلك قال نعم
ثم قال أبو نوح أخبرني الساعة عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ص يقول تقتل عمارا الفئة الباغية(9/16)