انتصاب الأموال بفعل مقدر دل عليه بذلتموها و كذلك أنفس يقول لم تبذلوا أموالكم في رضا من رزقكم إياها و لم تخاطروا بأنفسكم في رضا الخالق لها و الأولى بكم أن تبذلوا المال في رضا رازقه و النفس في رضا خالقها لأنه ليس أحد أحق منه بالمال و النفس و بذلهما في رضاه. ثم قال من العجب أنكم تطلبون من عباد الله أن يكرموكم و يطيعوكم لأجل الله و انتمائكم إلى طاعته ثم إنكم لا تكرمون الله و لا تطيعونه في نفع عباده و الإحسان إليهم. و محصول هذا القول كيف تسيمون الناس أن يطيعوكم لأجل الله ثم إنكم أنتم لا تطيعون الله الذي تكلفون الناس أن يطيعوكم لأجله ثم أمرهم باعتبارهم بنزولهم منازل من كان قبلهم و هذا مأخوذ من قوله شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 283تعالى وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثال و روي عن أصل إخوانكم و ذلك بموت الأب فإنه ينقطع أصل الأخ الواشج بينه و بين أخيه و الرواية الأولى أظهر
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 117284- و من كلام له عأَنْتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ وَ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ وَ الْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ وَ الْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ وَ أَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ(8/248)


الجنن جمع جنة و هي ما يستر به و بطانة الرجل خواصه و خالصته الذين لا يطوي عنهم سره. فإن قلت أما ضربه بهم المدبر فمعلوم يعني الحرب فما معنى قوله ع و أرجو طاعة المقبل قلت لأن من ينضوي إليه من المخالفين إذا رأى ما عليه شيعته و بطانته من الأخلاق الحميدة و السيرة الحسنة أطاعه بقلبه باطنا بعد أن كان انضوى إليه ظاهرا. و اعلم أن هذا الكلام قاله أمير المؤمنين ع للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل و قد ذكره المدائني و الواقدي في كتابيهما(8/249)


شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 118285- و من كلام له ع و قد جمع الناس و حضهم على الجهاد فسكتوا مليافقال ع مَا بَالُكُمْ أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ فَقَالَ ع مَا بَالُكُمْ لَا سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَ لَا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ أَ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ وَ إِنَّما يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ ذَوِي بَأْسِكُمْ وَ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَ الْمِصْرَ وَ بَيْتَ الْمَالِ وَ جِبَايَةَ الْأَرْضِ وَ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَ النَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِغِ وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وَ أَنَا بِمَكَانِي فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا وَ اضْطَرَبَ ثِفَالُهَا هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ الرَّأْيُ السُّوءُ وَ اللَّهِ لَوْ لَا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ وَ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شَمَالٌ طَعَّانِينَ عَيَّابِينَ حَيَّادِينَ رَوَّاغِينَ إِنَّهُ لَا غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لَا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلَّا هَالِكٌ مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ(8/250)


شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 286سكتوا مليا أي ساعة طويلة و مضى ملي من النار كذلك قال الله تعالى وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا و أقمت عند فلان ملاوة و ملاوة و ملاوة من الدهر بالحركات الثلاث أي حينا و برهة و كذلك أقمت ملوة و ملوة و ملوة بالحركات الثلاث. و قوله أ مخون أنتم اسم المفعول من أخرسه الله و خرس الرجل و الخرس المصدر. و الكتيبة قطعة من الجيش و التقلقل الحركة في اضطراب و القدح السهم و الجفير الكنانة و قيل وعاء للسهام أوسع من الكنانة. و استحار مدارها اضطرب و المدار هاهنا مصدر و الثقال بكسر الثاء جلد يبسط و توضع الرحى فوقه فتطحن باليد ليسقط عليه الدقيق. و حم أي قدر و الركاب الإبل و شخصت عنكم خرجت ثم وصفهم بعيب الناس و الطعن فيهم و أنهم يحيدون عن الحق و عن الحرب أي ينحرفون و يروغون كما يروغ الثعلب. ثم قال إنه لا غناء عندكم و إن اجتمعتم بالأبدان مع تفرقي القلوب و الغناء بالفتح و المد النفع. و انتصب طعانين على الحال من الضمير المنصوب في أطلبكم. شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 287و هذا كلام قاله أمير المؤمنين ع في بعض غارات أهل الشام على أطراف أعماله بالعراق بعد انقضاء أمر صفين و النهروان و قد ذكرنا سببه و وقعته فيما تقدمفإن قلت كيف قال الطريق الواضح فذكره ثم قال لا يهلك فيها فأنثه قلت لأن الطريق يذكر و يؤنث تقول الطريق الأعظم و الطريق العظمى فاستعمل اللغتين معا(8/251)


شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 119288- و من كلام له عتَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالَاتِ وَ إِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ وَ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ وَ اتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَ حِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ. أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ
رواها قوم لقد علمت بالتخفيف و فتح العين و الرواية الأولى أحسن فتبليغ الرسالات تبليغ الشرائع بعد وفاة الرسول ص إلى المكلفين و فيه إشارة إلى قوله تعالى يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ و إلى
قول النبي ص في قصة براءة لا يؤدي عني إلا أنا و رجل مني
شرح نهج البلاغة ج : 7 ص : 289و إتمام العدات إنجازها و فيه إشارة إلى قوله تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ و إلى قول النبي ص في حقه ع قاضي ديني و منجز موعدي
و تمام الكلمات تأويل القرآن و فيه إشارة إلى قوله تعالى وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا و إلى
قول النبي في حقه ع اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه(8/252)

101 / 149
ع
En
A+
A-