شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 167أنا المرابط دون الناس فاجف و صل و اقبل و عاقب و حاسب لست انهزم إن المحب إذا صحت محبته فما لوقع المواضي عنده ألم و حق فضلك ما استيأست من نعم تسري إلي و إن حلت بي النقم و لا أمنت نكالا منك أرهبه و إن ترادفت الآلاء و النعم تعرض عمن في حشاشته نار لحبك طول الدهر تضطرم أ لم تقل إن من يدنو إلي قدر الذراع أدنو له باعا و أبتسم و الله و الله لو عاقبتني حقبا بالنار تأكلني حطما و تلتهم ما حلت عن حبك الباقي فليس على حال بمنصرم و الدهر ينص شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 65168- و من كلام له ع كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفينمَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ وَ تَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ وَ أَكْمِلُوا اللَّامَةَ وَ قَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا وَ الْحَظُوا الْخَزْرَ وَ اطْعُنُوا الشَّزْرَ وَ نَافِحُوا بِالظُّبَى وَ صِلُوا السُّيُوفَ بِالْخُطَا وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللَّهِ وَ مَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ فَعَاوِدُوا الْكَرَّ وَ اسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأَعْقَابِ وَ نَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ وَ طِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً وَ امْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً وَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَ الرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ وَ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً وَ أَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رَجُلًا فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(6/130)
قوله استشعروا الخشية أي اجعلوا الخوف من الله تعالى من شعاركم و الشعار من الثياب ما يكون دون الدثار و هو يلي الجلد و هو ألصق ثياب الجسد و هذه استعارة حسنة و المراد بذلك أمرهم بملازمة الخشية و التقوى كما أن الجلد يلازم الشعار. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 169له و تجلببوا السكينة أي اجعلوا السكينة و الحلم و الوقار جلبابا لكم و الجلباب الثوب المشتمل على البدن. قوله و عضوا على النواجذ جمع ناجذ و هو أقصى الأضراس و للإنسان أربعة نواجذ في كل شق و النواجذ بعد الأرحاء و يسمى الناجذ ضرس الحلم لأنه ينبت بعد البلوغ و كمال العقل و يقال إن العاض على نواجذه ينبو السيف عن هامته نبوا ما و هذا مما يساعد التعليل الطبيعي عليه و ذلك أنه إذا عض على نواجذه تصلبت الأعصاب و العضلات المتصلة بدماغه و زال عنها الاسترخاء فكانت على مقاومة السيف أقدر و كان تأثير السيف فيها أقل. و قوله فإنه أنبى الضمير راجع إلى المصدر الذي دل الفعل عليه تقديره فإن العض أنبى كقولهم من فعل خيرا كان له خيرا أي كان فعله خيرا و أنبى أفعل من نبا السيف إذا لم يقطع. قال الراوندي هذا كلام ليس على حقيقته بل هو كناية عن الأمر بتسكين القلب و ترك اضطرابه و استيلاء الرعدة عليه إلى أن قال ذلك أشد إبعادا لسيف العدو عن هامتكم. قوله و أكملوا اللأمة اللأمة بالهمزة الدرع و الهمزة ساكنة على فعلة مثل النأمة للصوت و إكمالها أن يزاد عليها البيضة و السواعد و نحوها و يجوز أن يعبر باللأمة عن جميع أداة الحرب كالدرع و الرمح و السيف يريد أكملوا السلاح الذي تحاربون العدو به. قوله و قلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها يوم الحرب لئلا يدوم مكثها في الأجفان فتلحج فيها فيستصعب سلها وقت الحاجة إليها. و قوله و الحظوا الخزر الخزر أن ينظر الإنسان بعينه و كأنه ينظر بمؤخرها و هي أمارة الغضب و الذي أعرفه الخزر بالتحريك قال الشاعر شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 17إذا تخازرت(6/131)
و ما بي من خزر ثم كسرت العين و ما بي من عورألفيتني ألوى بعيد المستمر أحمل ما حملت من خير و شر
فإن كان قد جاء مسكنا فتسكينه جائز للسجعة الثانية و هي قوله و اطعنوا الشزر و الطعن شزرا هو الطعن عن اليمين و الشمال و لا يسمى الطعن تجاه الإنسان شزرا و أكثر ما تستعمل لفظة الشزر في الطعن لما كان عن اليمين خاصة و كذلك إدارة الرحى و خزرا و شزرا صفتان لمصدرين محذوفين تقديره الحظوا لحظا خزرا و اطعنوا طعنا شزرا و عين اطعنوا مضمومة يقال طعنت بالرمح اطعن بالضم و طعنت في نسبه أطعن بالفتح أي قدحت قال
يطوف بي عكب في معد و يطعن بالصملة في قفيا
قوله نافحوا بالظبى أي ضاربوا نفحة بالسيف أي ضربة و نفحت الناقة برجلها أي ضربت و الظبى جمع ظبة و هي طرف السيف. قوله و صلوا السيوف بالخطا مثل قول الشاعر
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب
قالوا بكسر نضارب لأنه معطوف على موضع جزاء الشرط الذي هو إذا. و قال آخر
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا يوما و نلحقها إذا لم تلحق
و أنشدني شيخنا أبو القاسم الحسين بن عبد الله العكبري و لم يسم قائله و وجدته بعد لنابغة بني الحارث بن كعب
إن تسألي عنا سمي فإنه يسمو إلى قحم العلا أدنانا
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 171و تبيت جارتنا حصانا عفة ترضى و يأخذ حقه مولاناو نقوم إن رق المنون بسحرة لوصاة والدنا الذي أوصاناألا نفر إذا الكتيبة أقبلت حتى تدور رحاهم و رحاناو تعيش في أحلامنا أشياخنا مردا و ما وصل الوجوه لحاناو إذا السيوف قصرن طولها لنا ى تناول ما نريد خطانا
و قال حميد بن ثور الهلالي
إلى أن نزلنا بالفضاء و ما لنابه معقل إلا الرماح الشواجرو وصل الخطا بالسيف و السيف بالخطاإذا ظن أن المرء ذا السيف قاصر
و هذه الأبيات من قطعة لحميد جيدة و من جملتها(6/132)
قضى الله في بعض المكاره للفتى برشد و في بعض الهوى ما يحاذرأ لم تعلمي أني إذا الإلف قادني إلى الجور لا انقاد و الإلف جائرو قد كنت في بعض الصباوة أتقي أمورا و أخشى أن تدور الدوائرو أعلم أني أن تغطيت مرة من الدهر مكشوف غطائي فناظر
و من المعنى الذي نحن في ذكره ما روي أن رجلا من الأزد رفع إلى المهلب سيفا له فقال يا عم كيف ترى سيفي هذا فقال إنه لجيد لو لا أنه قصير قال أطوله يا عم بخطوتي فقال و الله يا ابن أخي أن المشي إلى الصين أو إلى آذربيجان على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخطوة و لم يقل المهلب ذلك جبنا بل قال ما توجبه الصورة إذ كانت شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 172تلك الخطوة قريبة للموت قال أبو سعد المخزومي في هذا المعنىرب نار رفعتها و دجى الليل على الأرض مسبل الطيلسان و أمون نحرتها لضيوف و ألوف نقدتهن لجاني و حروب شهدتها جامع القلب فلم تنكر الكمأة مكاني و إذا ما الحسام كان قصيرا طولته إلى العدو بنامن الناس من يرويها في ديوانه لجاني بالجيم أي حملت الحمالة عنه و منهم من يرويها بالحاء يعني الخمار. و من المعنى المذكور أولا قول بعض الشعراء يمدح صخر بن عمرو بن الشريد الأسلمي
إن ابن عمرو بن الشريد له فخار لا يرام و حجا إذا عدم الحجا و ندى إذا بخل الغمام يصل الحسام بخطوة في الروع إن قصر الحساو مثله قول الراجز
يخطو إذا ما قصر العضب الذكر خطوا ترى منه المنايا تبتدر
و مثله
و إنا لقوم ما نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر و سلول يقصر ذكر الموت آجالنا لنا و تكرهه آجالهم فتطولو منها
و إن قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فتطول
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 173و مثله قول وداك بن ثميل المازنيمقاديم وصالون في الروع خطوهم بكل رقيق الشفرتين يماني إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية حرب أم بأي مكانو قال آخر
إذا الكمأة تنحوا أن يصيبهم حد السيوف وصلناها بأيدينا
و قال آخر(6/133)
وصلنا الرقاق المرهفات بخطونا على الهول حتى أمكنتنا المضارب
و قال بعض الرجاز
الطاعنون في النحور و الكلى و الواصلون للسيوف بالخطا
قوله ع و اعلموا أنكم بعين الله أي يراكم و يعلم أعمالكم و الباء هاهنا كالباء في قوله أنت بمرأى مني و مسمع. قوله فعاودوا الكر أي إذا كررتم على العدو كره فلا تقتصروا عليها بل كروا كرة أخرى بعدها ثم قال لهم و استحيوا من الفرار فإنه عار في الأعقاب أي في الأولاد فإن الأبناء يعيرون بفرار الآباء و يجوز أن يريد بالأعقاب جمع عقب و هو العاقبة و ما يئول إليه الأمر قال سبحانه خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً أي خير عاقبة فيعنى على هذا الوجه أن الفرار عار في عاقبة أمركم و ما يتحدث به الناس في مستقبل الزمان عنكم. ثم قال و نار يوم الحساب لأن الفرار من الزحف ذنب عظيم و هو عند شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 174أصحابنا المعتزلة من الكبائر قال الله تعالى وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ و الجهاد بين يدي الإمام كالجهاد بين يدي الرسول ع. قوله ع و طيبوا عن أنفسكم نفسا لما نصب نفسا على التمييز وحده لأن التمييز لا يكون إلا واحدا و إن كان في معنى الجمع تقول انعموا بالا و لا تضيقوا ذرعا و أبقى الأنفس على جمعها لما لم يكن به حاجة إلى توحيدها يقول وطنوا أنفسكم على الموت و لا تكرهوه و هونوه عليكم تقول طبت عن مالي نفسا إذا هونت ذهابه. و قوله و امشوا إلى الموت مشيا سجحا أي سهلا و السجاحة السهولة يقال في أخلاق فلان سجاحة و من رواه سمحا أراد سهلا أيضا. و السواد الأعظم يعني به جمهور أهل الشام. قوله و الرواق المطنب يريد به مضرب معاوية ذا الأطناب و كان معاوية في مضرب عليه قبة عالية و حوله صناديد أهل الشام و ثبجه وسطه و ثبج الإنسان ما بين كاهله إلى ظهره. و الكسر جانب(6/134)