في الدين لكني سمعت الله يقول يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا فإنها فرقة تظاهرت بكتاب الله و آثرت الفرقة على الله لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن و لا عقل بالغ في الفقه و لا تفتيش عن حقيقة الثواب قد قلدوا أمورهم أهواءهم و جعلوا دينهم العصبية لحزب لزموه و أطاعوه في جميع ما يقوله لهم غيا كان أو رشدا ضلالة كان أو هدى ينتظرون الدول في رجعة الموتى و يؤمنون بالبعث قبل الساعة و يدعون علم الغيب لمخلوقين لا يعلم واحدهم ما في بيته بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه ينقمون المعاصي على أهلها و يعملون بها و لا يعلمون المخرج منها جفاة في دينهم قليلة عقولهم قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم و زعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة و تنجيهم من عقاب الأعمال السيئة قاتلهم الله أنى يؤفكون. فأي الفرق يا أهل المدينة تتبعون أم بأي مذاهبهم تقتدون و لقد بلغني مقالكم في أصحابي و ما عبتموه من حداثة أسنانهم ويحكم و هل كان أصحاب رسول الله ص إلا أحداثا نعم إنهم لشباب مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم ثقيلة في الباطل أرجلهم أنضاء عبادة قد نظر الله إليهم في جوف الليل محنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا و كلما مر بآية فيها ذكر النار شهق خوفا كأن زفير جهنم بين أذنيه قد أكلت الأرض جباههم و ركبهم(6/85)


شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 120و وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم مصفرة ألوانهم ناحلة أبدانهم من طول القيام و كثرة الصيام يوفون بعهد الله منجزون لوعد الله قد شروا أنفسهم في طاعة الله حتى إذا التقت الكتيبتان و أبرقت سيوفهما و فوقت سهامهما و أشرعت رماحهما لقوابا الأسنة و زجاج السهام و ظبى السيوف بنحورهم و وجوههم و صدورهم فمضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه و اختضبت محاسن وجهه بالدماء و عفر جبينه بالتراب و الثرى و انحطت عليه الطير من السماء و مزقته سباع الأرض فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله و كم من وجه رقيق و جبين عتيق قد فلق بعمد الحديد. ثم بكى فقال آه آه على فراق الإخوان رحمة الله تعالى على تلك الأبدان اللهم أدخل أرواحها الجنان. قال أبو الفرج و سار أبو حمزة و خلف بالمدينة المفضل الأزدي في جماعة من أصحابه و بعث مروان بن محمد عبد الملك بن عطية السعدي في أربعة آلاف من أهل الشام فيهم فرسان عسكره و وجهوهم لحرب أبي حمزة و عبد الله بن يحيى طالب الحق و أمر ابن عطية بالجد في المسير و أعطى كل رجل من الجيش مائة دينار و فرسا عربيا و بغلا لثقله فخرج ابن عطية حتى إذا كان بالمعلى فكان رجل من أهل وادي القرى يقال له العلاء شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 121بن أفلح أبي الغيث يقول لقيني في ذلك اليوم و أنا غلام رجل من أصحاب ابن عطية فقال لي ما اسمك يا غلام فقلت العلاء فقال ابن من قلت ابن أفلح قال أ عربي أم مولى فقلت مولى قال مولى منلت مولى أبي الغيث قال فأين نحن قلت بالمعلى قال فأين نحن غدا قلت بغالب قال فما كلمني حتى أردفني خلفه و مضى حتى أدخلني على ابن عطية و قال له أيها الأمير سل الغلام ما اسمه فسأل و أنا أرد عليه القول فسر بذلك و وهب لي دراهم. قال أبو الفرج و قدم أبو حمزة و أمامه بلج بن عقبة في ستمائة رجل ليقاتل عبد الملك بن عطية فلقيه بوادي(6/86)


القرى لأيام خلت من جمادى الأولى سنة ثلاثين و مائة فتواقفوا و دعاهم بلج إلى الكتاب و السنة و ذكر بني أمية و ظلمهم فشتمه أهل الشام و قالوا يا أعداء الله أنتم أحق بهذا ممن ذكرتم فحمل بلج و أصحابه عليهم و انكشفت طائفة من أهل الشام و ثبت ابن عطية في عصبة صبروا معه فناداهم يا أهل الشام يا أهل الحفاظ ناضلوا عن دينكم و أميركم و اصبروا و قاتلوا قتالا شديدا فقتل بلج و أكثر أصحابه و انحازت قطعة من أصحابه نحو المائة إلى جبل اعتصموا به فقاتلهم ابن عطية ثلاثة أيام فقتل منهم سبعين رجلا و نجا منهم ثلاثون. فرجعوا إلى أبي حمزة و هو بالمدينة و قد اغتموا و جزعوا من ذلك الخبر و قالوا فررنا من الزحف فقال لهم أبو حمزة لا تجزعوا فإنا لكم فئة و إلي تحيزتم. و خرج أبو حمزة إلى مكة فدعا عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أهل المدينة إلى قتال المفضل خليفة أبي حمزة على المدينة فلم يجد أحدا لأن القتل قد كان أسرع في الناس و خرج وجوه أهل البلد عنه فاجتمع إلى عمر البربر و الزنوج و أهل السوق و العبيد شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 122فقاتل بهم الشراة فقتل المفضل و عامة أصحابه و هرب ااقون فلم يبق منهم أحد فقال في ذلك سهيل مولى زينب بنت الحكم بن أبي العاص
ليت مروان رآنا يوم الإثنين عشيةإذ غسلنا العار عنا و انتضينا المشرفية(6/87)


قال فلما قدم ابن عطية أتاه عمر بن عبد الرحمن فقال له أصلحك الله إني جمعت قضي و قضيضي فقاتلت هؤلاء الشراة فلقبه أهل المدينة قضي و قضيضي. قال أبو الفرج و أقام ابن عطية بالمدينة شهرا و أبو حمزة مقيم بمكة ثم توجه إليه فقال علي بن الحصين العبدي لأبي حمزة إني كنت أشرت عليك يوم قديد و قبله أن تقتل الأسرى فلم تفعل حتى قتلوا المفضل و أصحابنا المقيمين معه بالمدينة و أنا أشير عليك الآن أن تضع السيف في أهل مكة فإنهم كفرة فجرة و لو قد قدم ابن عطية لكانوا أشد عليك من أهل المدينة فقال لا أرى ذلك لأنهم قد دخلوا في الطاعة و أقروا بالحكم و وجب لهم حق الولاية. فقال إنهم سيغدرون فقال فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ. و قدم ابن عطية مكة فصير أصحابه فرقتين و لقي الخوارج من وجهين فكان هو بإزاء أبي حمزة في أسفل مكة و جعل طائفة أخرى بالأبطح بإزاء أبرهة بن الصباح فقتل أبرهة كمن له ابن هبار و هو على خيل دمشق فقتله عند بئر ميمون و التقى ابن عطية بأبي حمزة فخرج أهل مكة بأجمعهم مع ابن عطية و تكاثر الناس على أبي حمزة فقتل على فم الشعب و قتلت معه امرأته و هي ترتجز
أنا الجديعاء و بنت الأعلم من سأل عن اسمي فاسمي مريم(6/88)


شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 123بعت سواري بعضب مخذو قتلت الخوارج قتلا ذريعا و أسر منهم أربعمائة فقال لهم ابن عطية ويلكم ما دعاكم إلى الخروج مع هذا فقالوا ضمن لنا الكنة يريدون الجنة فقتلهم كلهم و صلب أبا حمزة و أبرهة بن الصباح على شعب الخيف و دخل علي بن الحصين دارا من دور قريش فأحدق أهل الشام بها فأحرقوها فرمى بنفسه عليهم و قاتل فأسر و قتل و صلب مع أبي حمزة فلم يزالوا مصلوبين حتى أفضى الأمر إلى بني هاشم فأنزلوا في خلافة أبي العباس. قال أبو الفرج و ذكر ابن الماجشون أن ابن عطية لما التقى بأبي حمزة قال أبو حمزة لأصحابه لا تقاتلوهم حتى تختبروهم فصاحوا فقالوا يا أهل الشام ما تقولون في القرآن و العمل به فقال ابن عطية نضعه في جوف الجوالق قالوا فما تقولون في اليتيم قالوا نأكل ماله و نفجر بأمه في أشياء بلغني أنهم سئلوا عنها فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم حتى أمسوا فصاحت الشراة ويحك يا ابن عطية إن الله جل و عز قد جعل الليل سكنا فاسكن و نسكن فأبى و قاتلهم حتى أفناهم. قال و لما خرج أبو حمزة من المدينة خطب فقال يا أهل المدينة إنا خارجون لحرب مروان فإن نظهر عليه نعدل في أحكامكم و نحملكم على سنة نبيكم و إن يكن ما تمنيتم لنا فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون شرح نهج البلاغة ج 5 ص : 124قال و قد كان اتبعه على رأيه قوم من أهل المدينة و بايعوه منهم بشكست النحوي فلما جاءهم قتله وثب الناس على أصحابه فقتلوهم و كان ممن قتلوه بشكست النحوي طلبوه فرقي في درجة دار فلحقوه فأنزلوه و قتلوه و هو يصيح يا عباد الله فيم تقتلونني فقيل فيه
لقد كان بشكست عبد العزيز من أهل القراءة و المسجدفبعدا لبشكست عبد العزيز و أما القرآن فلا تبعد(6/89)

88 / 148
ع
En
A+
A-