نزلنا بحمد الله في خير منزل نسر بما فيه من الأنس و الخفرنزلنا بقوم يجمع الله شملهم و ليس لهم دعوى سوى المجد يعتصرمن الأزد إن الأزد أكرم أسوة يمانية طابوا إذا انتسب البشرفأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر أتوني فقالوا من ربيعة أو مضرأم الحي قحطان فتلكم سفاهة كما قال لي روح و صاحبه زفرو ما منهما إلا يسر بنسبة تقربني منه و إن كان ذا نفرفنحن عباد الله و الله واحد و أولى عباد الله بالله من شكر
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 96قال أبو العباس و من الخوارج من مشى في الرمح و هو في صدره خارجا من ظهره حتى خالط طاعنه فضربه بالسيف فقتله و هو يقول و عجلت إليك رب لترضى. و منهم الذي سأل عليا ع يوم النهروان المبارزة في قولهأطعنهم و لا أرى عليا و لو بدا أوجرته الخطيا
فخرج إليه علي فضربه بالسيف فقتله فلما خالطه السيف قال يا حبذا الروحة إلى الجنة. و منهم ابن ملجم و قطع الحسن بن علي يديه و رجليه و هو في ذلك يذكر الله ثم عمد إلى لسانه فقطعه فجزع فقيل له في ذلك قال أحببت ألا يزال لساني رطبا من ذكر الله. و منهم القوم الذين وثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فلفظها تورعا. و منهم أبو بلال مرداس الذي ينحله من الفرق لتقشفه و تصرمه و صحة عبادته و صلابة نيته. أما المعتزلة فتنتحله و تقول إنه خرج منكرا لجور السلطان داعيا إلى الحق و إنه من أهل العدل و يحتجون لذلك بقوله لزياد و قد كان قال في خطبته على المنبر و الله لآخذن المحسن بالمسي ء و الحاضر بالغائب و الصحيح بالسقيم فقام إليه مرداس فقال قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان و ما هكذا قال الله تعالى لنبيه إبراهيم إذ يقول شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 97 وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَف أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثم خرج عليه عقيب هذا اليوم. و أما الشيعة فتنتحله و تزعم أنه كتب إلى الحسين بن علي إني و الله لست من الخوارج و لا أرى رأيهم و إني على دين أبيك إبراهيم(6/65)
المستورد السعدي
و منهم المستورد أحد بني سعد بن زيد بن مناة كان ناسكا مجتهدا و هو أحد من ترأس على الخوارج في أيام علي و له الخطبة المشهورة التي أولها أن رسول الله ص أتانا بالعدل تخفق راياته و تلمع معالمه فبلغنا عن ربه و نصح لأمته حتى قبضه الله تعالى مخيرا مختارا. و نجا يوم النخيلة من سيف علي فخرج بعد مدة على المغيرة بن شعبة و هو والي الكوفة فبارزه معقل بن قيس الرياحي فاختلفا ضربتين فخر كل واحد منهما ميتا. و من كلام المستورد لو ملكت الدنيا بحذافيرها ثم دعيت إلى أن أستفيد بها خطيئة ما فعلت. و من كلامه إذا أفضيت بسري إلى صديقي فأفشاه لم ألمه لأني كنت أولى بحفظه. و من كلامه كن أحرص على حفظ سرك منك على حقن دمك. و كان يقول أول ما يدل على عيب عائب الناس معرفته بالعيوب و لا يعيب إلا معيب. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 98و كان يقول المال غير باق عليك فاشتر به من الحمد و الأجر ما يبقى عك
حوثرة الأسدي(6/66)
قال أبو العباس و خرج من الخوارج على معاوية بعد قتل علي حوثرة الأسدي و حابس الطائي خرجا في جمعهما فصارا إلى مواضع أصحاب النخيلة و معاوية يومئذ بالكوفة قد دخلها في عام الجماعة و قد نزل الحسن بن علي و خرج يريد المدينة فوجه إليه معاوية و قد تجاوز في طريقه يسأله أن يكون المتولي لمحاربة الخوارج فكان جواب الحسن و الله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين و ما أحسب ذاك يسعني أ فأقاتل عنك قوما أنت و الله أولى بالقتال منهم. قلت هذا موافق لقول أبيه لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه مثل من طلب الباطل فأدركه و هو الحق الذي لا يعدل عنه و به يقول أصحابنا فإن الخوارج عندهم أعذر من معاوية و أقل ضلالا و معاوية أولى بأن يحارب منهم. قال أبو العباس فلما رجع الجواب إلى معاوية أرسل إلى حوثرة الأسدي أباه و قال له اذهب فاكفني أمر ابنك فصار إليه أبوه فدعاه إلى الرجوع فأبى فماراه فصمم فقال يا بني أجيئك بابنك فلعلك تراه فتحن إليه فقال يا أبت أنا و الله إلى طعنة نافذة أتقلب فيها على كعوب الرمح أشوق مني إلى ابني. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 99فرجع إلى معاوية فأخبره فقال يا أبا حوثرة لقد عتا بحق هذا جدا ثم وجه إليه جيشا أكثره أهل كوفة فلما نظر إليهم حوثرة قال لهم يا أعداء الله أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه و أنتم اليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه فخرج إليه أبوه فدعاه إلى البراز فقال يا أبت لك في غيري مندوحة و لي في غيرك مذهب ثم حمل على القوم و هو يقول
أكرر على هذي الجموع حوثرة فعن قليل ما تنال المغفرة
فحمل عليه رجل من طيئ فقتله فلما رأى أثر السجود قد لوح جبهته ندم على قتله
الرهين المرادي
و قال الرهين المرادي أحد فقهاء الخوارج و نساكها(6/67)
يا نفس قد طال في الدنيا مراوغتي لا تأمنن لصرف الدهر تنغيصاإني لبائع ما يفنى لباقية إن لم يعقني رجاء العيش تربيصاو أسأل الله بيع النفس محتسبا حتى ألاقي في الفردوس حرقوصاو ابن المنيح و مرداسا و إخوته إذ فارقوا هذه الدنيا مخاميصا
قال أبو العباس و أكثرهم لم يكن يبالي بالقتل و شيمتهم استعذاب الموت و الاستهانة بالمنية. و منهم الهازئ بالأمراء و قد قدم إلى السيف ولى زياد شيبان بن عبد الله الأشعري صاحب مقبرة بني شيبان باب عثمان و ما يليه بالبصرة فجد في طلب الخوارج و أخافهم فلم
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 100يزل على ذلك حتى أتاه ليلة و هو متكئ بباب داره رجلان من الخوارج فضرباه بأسيافهما فقتلاه فأتي زياد بعد ذلك برجل من الخوارج فقال اذهبوا به فاقتلوه متكئا كما قتل شيبان متكئا فصاح به الخارجي يا عدلاه يهزأ بهعباد بن أخضر المازني(6/68)
قال و أما عباد بن أخضر قاتل أبي بلال مرداس بن أدية و قد ذكرنا قصته فإنه لم يزل بعد قتله مرداسا محمودا في المصر موصوفا بما كان منه حتى ائتمر جماعة من الخوارج أن يقتلوه فذمر بعضهم بعضا على ذلك فجلسوا له يوم جمعة بعد أن أقبل على بغلته و ابنه رديفه فقام إليه رجل منهم فقال له أسألك عن مسألة قال قل قال رأيت رجلا قتل رجلا بغير حق و للقاتل جاه و قدر و ناحية من السلطان و لم يعد عليه السلطان لجوره أ لولي ذلك المقتول أن يقتل القاتل إن قدر عليه فقال بل يرفعه إلى السلطان قال إن السلطان لا يعدي عليه لمكانه منه و لعظم جاهه عنده قال أخاف عليه إن فتك به فتك به السلطان قال دع ما تخافه من السلطان أ يلحقه تبعة فيما بينه و بين الله قال لا فحكم هو و أصحابه ثم خبطوه بأسيافهم و رمى عباد بابنه فنجا و تنادي الناس قتل عباد فاجتمعوا فأخذوا أفواه الطرق و كان مقتل عباد في سكة بني مازن عند مسجد بني كليب بن يربوع فجاء معبد بن أخضر أخو عباد و هو معبد شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 101بن علقمة و أخضر زوج أمهما في جماعة من بني مازن و صاحوا بالناس دعونا و ثارنا فأحجم الناس فتقدم المازنيون فحاربوا الخوارج حتى قتلوهم جميعا لم يفلت منهم أحد إلا عبيدةن هلال فإنه خرق خصا و نفذ فيه ففي ذلك يقول الفرزدق
لقد أدرك الأوتار غير ذميمة إذا ذم طلاب الترات الأخاضرهم جردوا الأسياف يوم ابن أخضر فنالوا التي ما فوقها نال ثائرأقادوا به أسدا لها في اقتحامها إذا برزت نحو الحروب بصائر
ثم هجا كليب بن يربوع رهط جرير بن الخطفى لأنه قتل بحضرة مسجدهم و لم ينصروه فقال في كلمته هذه
كفعل كليب إذ أخلت بجارها و نصر اللئيم معتم و هو حاضرو ما لكليب حين تذكر أول و ما لكليب حين تذكر آخر(6/69)