و قد خرج بعد هذين جماعة من الخوارج بأعمال كرمان و جماعة أخرى من أهل عمان لا نباهة لهم و قد ذكرهم أبو إسحاق الصابي في الكتاب التاجي و كلهم بمعزل عن طرائق سلفهم و إنما وكدهم و قصدهم إخافة السبيل و الفساد في الأرض و اكتساب الأموال من غير حلها و لا حاجة لنا إلى الإطالة بذكرهم و من المشهورين برأي الخوارج الذين تم بهم صدق قول أمير المؤمنين ع إنهم نطف في أصلاب الرجال و قرارات النساء عكرمة مولى ابن عباس و مالك بن أنس الأصبحي الفقيه يروى عنه أنه كان يذكر عليا ع و عثمان و طلحة و الزبير فيقول و الله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر. و منهم المنذر بن الجارود العبدي و منهم يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج. و روي أن الحجاج أتي بامرأة من الخوارج و بحضرته مولاه يزيد بن أبي مسلم و كان يستسر برأي الخوارج فكلم الحجاج المرأة فأعرضت عنه فقال لها يزيد الأمير ويلك يكلمك فقالت بل الويل لك أيها الفاسق الردي ء و الردي ء عند الخوارج هو الذي يعلم الحق من قولهم و يكتمه. و منهم صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق. و ممن ينسب إلى هذا الرأي من السلف جابر بن زيد و عمرو بن دينار و مجاهد. و ممن ينسب إليه بعد هذه الطبقة أبو عبيدة معمر بن المثنى تيمي يقال إنه كان يرى رأي الصفرية. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 77و منهم اليمان بن رباب و كان على رأي البيهسية و عبد الله بن يزيد و محمد بن حرب و يحيى بن كامل و هؤلاء إباضية. و قد نسب إلى هذا المذهب أيضا من قبل أبو هارون العبدي و أبو الشعثاء و إسماعيل بن سم و هبيرة بن بريم. و زعم ابن قتيبة أن ابن هبيرة كان من غلاة الشيعة. و نسب أبو العباس محمد بن يزيد المبرد إلى رأي الخوارج لإطنابه في كتاب المعروف ب الكامل في ذكرهم و ظهور الميل منه إليهم(6/50)
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 6078- و قال ع في الخوارجلَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ
قال الرضي رحمه الله يعني معاوية و أصحابه
مراده أن الخوارج ضلوا بشبهة دخلت عليهم و كانوا يطلبون الحق و لهم في الجملة تمسك بالدين و محاماة عن عقيدة اعتقدوها و إن أخطئوا فيها و أما معاوية فلم يكن يطلب الحق و إنما كان ذا باطل لا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة و أحواله كانت تدل على ذلك فإنه لم يكن من أرباب الدين و لا ظهر عنه نسك و لا صلاح حال و كان مترفا يذهب مال الفي ء في مآربه و تمهيد ملكه و يصانع به عن سلطانه و كانت أحواله كلها مؤذنة بانسلاخه عن العدالة و إصراره على الباطل و إذا كان كذلك لم يجز أن ينصر المسلمون سلطانه و تحارب الخوارج عليه و إن كاوا أهل ضلال لأنهم أحسن حالا منه فإنهم كانوا ينهون عن المنكر و يرون الخروج على أئمة الجور واجبا. و عند أصحابنا أن الخروج على أئمة الجور واجب و عند أصحابنا أيضا أن الفاسق المتغلب شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 79بغير شبهة يعتمد عليها لا يجوز أن ينصر على من يخرجليه ممن ينتمي إلى الدين و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر بل يجب أن ينصر الخارجون عليه و إن كانوا ضالين في عقيدة اعتقدوها بشبهة دينية دخلت عليهم لأنهم أعدل منه و أقرب إلى الحق و لا ريب في تلزم الخوارج بالدين كما لا ريب في أن معاوية لم يظهر عنه مثل ذلك شرح هج البلاغة ج : 5 ص : 80عود إلى أخبار الخوارج و ذكر رجالهم و حروبهم(6/51)
ذكر أبو العباس المبرد في الكتاب الكامل أن عروة بن أدية أحد بني ربيعة بن حنظلة و يقال إنه أول من حكم حضر حرب النهروان و نجا فيها فيمن نجا فلم يزل باقيا مدة من خلافة معاوية ثم أخذ فأتي به زياد و معه مولى له فسأله عن أبي بكر و عمر فقال خيرا فقال له فما تقول في عثمان و في أبي تراب فتولي عثمان ست سنين من خلافته ثم شهد عليه بالكفر و فعل في أمر علي ع مثل ذلك إلى أن حكم ثم شهد عليه بالكفر ثم سأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال أولك لريبة و آخرك لدعوة و أنت بعد عاص ربك فأمر فضربت عنقه ثم دعا مولاه فقال صف لي أموره فقال أ أطنب أم أختصر قال بل اختصر قال ما أتيته بطعام في نهار قط و لا فرشت له فراشا في ليل قط. قال و حدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة فأحسوا بالخوارج فقال واصل لأهل الرفقة إن هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا و دعوني و إياهم و قد كانوا قد أشرفوا على العطب فقالوا شأنك فخرج إليهم فقالوا ما أنت و أصحابك فقال قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله و يفهموا حدوده فقالوا قد أجرناكم قال فعلمونا فجعلوا يعلمونهم أحكامهم و واصل يقول قد قبلت أنا و من معي قالوا فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا فقال ليس ذاك إليكم قال الله و عز و جل وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 81فأبلغونا مأمننا فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا ذاك لكم فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهالمأمن. و قال أبو العباس أتي عبد الملك بن مروان برجل من الخوارج فبحثه فرأى منه ما شاء فهما و علما ثم بحثه فرأى منه ما شاء أدبا و ذهنا فرغب فيه فاستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه فرآه مستبصرا محققا فزاده في الاستدعاء فقال تغنيك الأولى عن الثانية و قد قلت و سمعت فاسمع أقل قال قل فجعل يبسط من قول الخوارج و يزين له من مذهبهم(6/52)
بلسان طلق و ألفاظ بينة و معان قريبة فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته و فضله لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة إنما خلقت لهم و أني أولى العباد بالجهاد منهم ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة و قرر في قلبي من الحق فقلت له الدنيا و الآخرة لله و قد سلطنا الله في الدنيا و مكن لنا فيها و أراك لست تجيبنا إلى ما نقول و الله لأقتلنك إن لم تطع فأنا في ذلك إذ دخل علي بابني مروان. قال أبو العباس و كان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لأمه أمهما عاتكة بنت يزيد بن معاوية و كان أبيا عزيز النفس فدخل به على أبيه في هذا الوقت باكيا شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 82لضرب المؤدب إياه فشق ذلك على عبد الملك فأقبل عليه الخارجي و قال له دعه يبك فإنه أرحب لشدقه و أصح لدماغه و أذهب لصوته و أحرى ألا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة و اسعى عبرتها. فأعجب ذلك من قوله عبد الملك و قال له متعجبا أ ما يشغلك ما أنت فيه و يعرضك عن هذا فقال ما ينبغي أن يشغل المؤمن عن قول الحق شي ء فأمر بحبسه و صفح عن قتله و قال بعد معتذرا إليه لو لا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك ثم قال عبد الملك لقد شككني ووهمني حتى مالت بي عصمة الله و غير بعيد أن يستهوي من بعدي
مرداس بن حدير(6/53)
قال أبو العباس و كان من المجتهدين من الخوارج البلجاء و هي امرأة من بني حرام بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. و كان مرداس بن حدير أبو بلال أحد بني ربيعة بن حنظلة ناسكا تعظمه الخوارج و كان كثير الصواب في لفظه مجتهدا فلقيه غيلان بن خرشة الضبي فقال يا أبا بلال إني سمعت الأمير البارحة يعني عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء و أحسبها ستؤخذ فمضى إليها أبو بلال فقال إن الله قد وسع على المؤمنين في التقية فاستتري فإن هذا شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 83المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك قالت إن يأخذني فهو قى به فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي فوجه إليها عبيد الله بن زياد فأتي بها فقطع يديها و رجليها و رمى بها في السوق فمر بها أبو بلال و الناس مجتمعون فقال ما هذا قالوا البلجاء فعرج إليها فنظر ثم عض على لحيته و قال لنفسه لهذه أطيب نفسا من بقية الدنيا منك يا مرداس. قال ثم إن عبيد الله أخذ مرداسا فحبسه فرأى صاحب السجن منه شدة اجتهاده و حلاوة منطقه فقال له إني أرى لك مذهبا حسنا و إني لأحب أن أوليك معروفا أ فرأيتك إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أ تدلج إلي قال نعم فكان يفعل ذلك به. و لج عبيد الله في حبس الخوارج و قتلهم و كلم في بعضهم فأبى و قال أقمع النفاق قبل أن ينجم لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع. فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشرطة فقال ابن زياد ما أدري ما أصنع بهؤلاء كلما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله لأقتلن من في حبسي منهم و أخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل فأتى مرداسا الخبر فلما كان في السحر تهيأ للرجوع إلى السجن فقال له أهله اتق الله في نفسك فإنك إذا رجعت قتلت فأبى و قال و الله ما كنت لألقى الله غادرا فرجع إلى السجان فقال إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك قال أعلمت ثم جئت. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 84قال أبو العباس و يروى أن(6/54)