يمكن أن يفيد في التعريض أنا عزب كما قد ذكره هو في أمثلة التعريض فإن قال أردت أنه قد يقال اللمس يصلح أن يكنى به عن الجماع و اللمس لفظ مفرد قيل له و قد يقال التعزب يصلح أن يعرض به في طلب النكاح. فأما قوله إن بيت نصر بن سيار إذا نظر إليه لمفرده صلح أن يكون كناية و إنما يخرجه عن كونه كناية ضم الأبيات التي بعده إليه و يدخله في باب الاستعارة فلزم عليه أن يخرج قول عمر حولت رحلي عن باب الكناية بما انضم إليه من قوله هلكت
و بما أجابه رسول الله ص من قوله أقبل و أدبر و اتق الدبر و الحيضة
و بقرينة الحال و كان يجب إلا تذكر هذه اللفظة في أمثلة الكنايات. فأما بيت إمرئ القيس فلا وجه لإسقاطه من باب الكناية و إدخاله في باب شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 71التعريض إلا فيما اعتمد عليه من أن من شرط الكناية أن يتجاذبها جانبا حقيقة و مجاز و قد بينا بطلانشتراط ذلك فبطل ما يتفرع عليه. و أما قول بديل بن ورقاء معها العوذ المطافيل فإنه ليس بكناية عن النساء و الأولاد كما زعم بل أراد به الإبل و نتاجها فإن كتب السير كلها متفقة على أن قريشا لم يخرج معها في سنة الحديبية نساؤها و أولادها و لم يحارب رسول الله ص قوما أحضروا معهم نساءهم و أولادهم إلا هوازن يوم حنين و إذا لم يكن لهذا الوجه حقيقة و لا وجود فقد بطل حمل اللفظ عليه. فأما ما زرى به على الرضي رحمه الله تعالى من قوله
إن لم تكن نصلا فغمد نصول(6/45)


و قوله هذا مما يسبق الوهم فيه إلى ما يستقبح و استحسانه شعر الفرزدق و قوله إن الرضي أخذه منه فأساء الأخذ فالوهم الذي يسبق إلى بيت الرضي يسبق مثله إلى بيت الفرزدق لأنه قد جعل هذه المرأة جفن السلاح فإن كان الوهم يسبق هناك إلى قبيح فهاهنا أيضا يسبق إلى مثله. و أما الآية التي مثل بها على التعريض فإنه قال إن قوله تعالى ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه و لم يبين ذلك و إنما قال فحوى الكلام أنهم قالوا له هب إنك واحد من الملإ و موازيهم في المنزلة فما جعلك أحق بالنبوة منهم أ لا ترى إلى قوله وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ و هذا الكلام لا يقتضي ما ادعاه أولا من التعريض لأنه ادعى أن قوله ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه و ما قرره به يقتضي مساواته لهم و لا يقتضي كونهم أحق بالنبوة منه فبطل دعوى الأحقية التي زعم أن التعريض إنما كان بها. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 72فأما قوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً و قوله إن هذا من باب الكناية و إنه تعالى كنى به عن العلم و الضلال و قلوب البشر فبعيد و الحكيسبحانه لا يجوز أن يخاطب قوما بلغتهم فيعمي عليهم و أن يصطلح هو نفسه على ألفاظ لا يفهمون المراد بها و إنما يعلمها هو وحده أ لا ترى أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ على أنه أراد أنا زينا رءوس البشر بالحواس الباطنة و الظاهرة المجعولة فيها و جعلناها بالقوى الفكرية و الخيالية المركبة في الدماغ راجمة و طاردة للشبه المضلة و إن من حمل كلام الحكيم سبحانه على ذلك فقد نسبه إلى الإلغاز و التعمية و ذلك يقدح في حكمته تعالى و المراد بالآية المقدم ذكرها ظاهرها و المتكلف لحملها على غيرها سخيف العقل و(6/46)


يؤكد ذلك قوله تعالى وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ أ فترى الحكيم سبحانه يقول إن للذهب و الفضة زبدا مثل الجهل و الضلال و يبين ذلك قوله كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ فضرب سبحانه الماء الذي يبقى في الأرض فينتفع به الناس و الزبد الذي يعلو فوق الماء فيذهب جفاء مثلا للحق و الباطل كما صرح به سبحانه فقال كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ و لو كانت هذه الآية من باب الكنايات و قد كنى سبحانه بالأودية عن القلوب و بالماء الذي أنزله من السماء عن العلم و بالزبد عن الضلال لما جعل تعالى هذه الألفاظ أمثالا فإن الكناية خارجة عن باب المثل و لهذا لا تقول إن قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ من باب المثل و لهذا أفرد هذا الرجل في كتابه بابا آخر غير باب الكناية سماه باب المثل و جعلهما قسمين متغايرين في علم البيان و الأمر في هذا شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 73الموضع واضح و لكن هذا الرجل كان يحب هذه الترهات و يذهب وقته فيها و قد استقصينا في مناقضته و الرد عليه في كتابنا الذي أشرنا إليه. فأما قه ع كلما نجم منهم قرن قطع فاستعارة حسنة يريد كلما ظهر منهم قوم استؤصلوا فعبر عن ذلك بلفظة قرن كما يقطع قرن الشاة إذا نجم و قد صح إخباره ع عنهم أنهم لم يهلكوا بأجمعهم في وقعة النهروان و أنها دعوة سيدعو إليها قوم لم يخلقوا بعد و هكذا وقع و صح إخباره ع أيضا أنه سيكون آخرهم لصوصا سلابين فإن دعوة الخوارج اضمحلت و رجالها فنيت حتى أفضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطاع طريق متظاهرين بالفسوق و الفساد في الأرض
مقتل الوليد بن طريف الخارجي و رثاء أخته له(6/47)


فممن انتهى أمره منهم إلى ذلك الوليد بن طريف الشيباني في أيام الرشيد بن المهدي فأشخص إليه يزيد بن مزيد الشيباني فقتله و حمل رأسه إلى الرشيد و قالت أخته ترثيه و تذكر أنه كان من أهل التقى و الدين على قاعدة شعراء الخوارج و لم يكن الوليد كما زعمت
أيا شجر الخابور ما لك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى و لا المال إلا من قنا و سيوف شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 74و لا الذخر إلا كل جرداء شطبة و كل رقيق الشفرتين خفيف فقدناك فقدان الربيع و ليتنا فديناك من ساداتنا بألو قال مسلم بن الوليد يمدح يزيد بن مزيد و يذكر قتله الوليد
و المارق ابن طريف قد دلفت له بعارض للمنايا مسبل هطل لو أن شيئا بكى مما أطاف به فاز الوليد بقدح الناضل الخصل ما كان جمعهم لما لقيتهم إلا كرجل جراد ريع منجفل فاسلم يزيد فما في الملك من أود إذا سلمت و لا في الدين من خخروج ابن عمرو الخثعمي و أمره مع محمد بن يوسف الطائي
ثم خرج في أيام المتوكل ابن عمرو الخثعمي بالجزيرة فقطع الطريق و أخاف السبيل و تسمى بالخلافة فحاربه أبو سعيد محمد بن يوسف الطائي الثغري الصامتي فقتل كثيرا من أصحابه و أسر كثيرا منهم و نجا بنفسه هاربا فمدحه أبو عبادة البحتري و ذكر ذلك فقال
كنا نكفر من أمية عصبة طلبوا الخلافة فجرة و فسوقاو نلوم طلحة و الزبير كليهما و نعنف الصديق و الفاروقاو نقول تيم أقربت و عديها أمرا بعيدا حيث كان سحيقاو هم قريش الأبطحون إذا انتموا طابوا أصولا في العلا و عروقا(6/48)


شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 75حتى غدت جشم بن بكر تبتغي إرث النبي و تدعيه حقوقاجاءوا براعيهم ليتخذوا به عمدا إلى قطع الطريق طريقاعقدوا عمامته برأس قناته و رأوه برا فاستحال عقوقاو أقام ينفذ في الجزيرة حكمه و يظن وعد الكاذبين صدوقاحتى إذا ما الحية الذكر انكفمن أرزن حربا يمج حريقاغضبان يلقى الشمس منه بهامة يعشى العيون تألقا و بروقاأوفى عليه فظل من دهش يظن البر بحرا و الفضاء مضيقاغدرت أمانيه به و تمزقت عنه غيابة سكره تمزيقاطلعت جيادك من ربا الجودي قد حملن من دفع المنون وسوقافدعا فريقا من سيوفك حتفهم و شددت في عقد الحديد فريقاو مضى ابن عمرو قد أساء بعمره ظنا ينزق مهره تنزيقافاجتاز دجلة خائضا و كأنها قعب على باب الكحيل أريقالو خاضها عمليق أو عوج إذا ما جوزت عوجا و لا عمليقالو لا اضطراب الخوف في أحشائه رسب العباب به فمات غريقالو نفسته الخيل لفتة ناظر ملأ البلاد زلازلا و فتوقالثنى صدور الخيل تكشف كربة و لوى رماح الخط تفرج ضيقاو لبكرت بكر و راحت تغلب في نصر دعوته إليه طروقاحتى يعود الذئب ليثا ضيغما و الغصن ساقا و القرارة نيقا
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 76هيهات مارس فليقا متيقظا قلقا إذا سكن البليد رشيقامستسلفا جعل الغبوق صبوحه و مرى صبوح غد فكان غبوقو هذه القصيدة من ناصع شعر البحتري و مختاره
ذكر جماعة ممن كان يرى رأي الخوارج(6/49)

80 / 148
ع
En
A+
A-