الحسنى و رقة الكلام لا يدلان على الجماع لا حقيقة و لا مجازا. ثم ذكر أن من باب الكناية قوله سبحانه أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ... الآية قال كنى بالماء عن العلم و بالأودية عن القلوب و بالزبد عن الضلال. قال و قد تحقق ما اخترعناه و قدرناه من هذه الآية لأنه يجوز حملها على جانب الحقيقة كما يجوز حملها على جانب المجاز. قال و قد أخطأ الفراء حيث زعم أن قوله سبحانه و تعالى وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ كناية عن أمر النبي ص و أنه كنى عنه بالجبال قال و وجه الخطأ أنه لا يجوز أن يتجاذب اللفظ هاهنا جانبا الحقيقة و المجاز لأن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال الحقيقية فالآية إذا من باب المجاز لا من باب الكناية. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 65قال و من الكنايات المستحسنة قوله ع للحادي بالنساء يا أنجشة رفقا بالقوارير
و قول امرأة لرجل قعد منها مقعد القابلة لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه. و قول بديل بن ورقاء الخزاعي لرسول الله ص إن قريشا قد نزلت على ماء الحديبية معها العوذ المطافيل و إنهم صادوك عن البيت. قال فهذه كناية عن النساء و الصبيان لأن العوذ المطافيل الإبل الحديثات النتاج و معها أولادها. و من الكناية ما ورد في شهادة الزنا أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة.
و منها قول عمر لرسول الله ص هلكت يا رسول الله قال و ما أهلكك قال حولت رحلي البارحة
قال أشار بذلك إلى الإتيان في غير المأتي. و منها قول ابن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك. قال و من الكنايات المستقبحة قول الرضي يرثي امرأة
إن لم تكن نصلا فغمد نصول
لأن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح و إنما سرقه من قول الفرزدق في امرأته و قد ماتت بجمع(6/40)


و جفن سلاح قد رزئت فلم أنح عليه و لم أبعث عليه البواكيا
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 66و في جوفه من دارم ذو حفيظة لو أن المنايا أخطأته لياليفأخذه الرضي فأفسده و لم يحسن تصريفه. قال فأما أمثلة التعريض فكثيرة منها قوله تعالى فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ فقوله ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا تعريض بأنهم أحق بالنبوة و أن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في واحد من البشر لجعلها فيهم فقالوا هب إنك واحد من الملأ و موازيهم في المنزلة فما جعلك أحق بالنبوة منهم أ لا ترى إلى قوله وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ. هذه خلاصة ما ذكره ابن الأثير في هذا الباب. و اعلم أنا قد تكلمنا عليه في كثير من هذا الموضع في كتابنا الذي أفردناه للنقض عليه و هو الكتاب المسمى بالفلك الدائر على المثل السائر فقلنا أولا أنه اختار حد الكناية و شرع يبرهن على التحديد و الحدود لا يبرهن عليها و لا هي من باب الدعاوي التي تحتاج إلى الأدلة لأن من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص لا يحتاج إلى دليل كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل. ثم يقال له لم قلت إنه لا بد من أن يتردد لفظ الكناية بين محملي حقيقة و مجاز و لم لا يتردد بين مجازين و ما استدللت به على ذلك لا معنى له.... أما أولا فلأنك أردت أن تقول إما أن تكون للفظة الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أو لا يكون لها في الدلالة على الحقيقة شركة لأن كلامك هكذا يقتضي و لا ينتظم إلا إذا قلت هكذا فلم تقله و قلت إما أن يكون للحقيقة شركة في شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 67اللفظ الدال على المجازين و هذا قلب للكلام الصحيح و عكس له. و أما ثانيا فلم قلت إنه لا يكون للفظة(6/41)


الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي أصل لهما فأما قولك ا فيقتضي أن يكون الإنسان متكلما بشي ء و هو يريد شيئين غيره و أصل الوضع أن يتكلم بشي ء و هو يريد غيره فليس معنى قولهم الكناية أن تتكلم بشي ء و أنت تريد غيره أنك تريد شيئا واحدا غيره كلا ليس هذا هو المقصود بل المقصود أن تتكلم بشي ء و أنت تريد ما هو مغايرو إن أردت شيئا واحدا أو شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد فقد أردت ما هو مغاير له لأن كل مغاير لما دل عليه ظاهر لفظك فليس في لفظه غير ما يقتضي الوحدة و الإفراد. و أما ثالثا فلم لا يجوز أن يكون للفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أصلا بل يدل على المجازين فقط فأما قولك إذا خرجت الحقيقة عن أن يكون لها في ذلك شركة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به و هو محال و مرادك بهذا الكلام المقلوب أنه إذا خرجت اللفظة عن أن يكون لها شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي موضوعة لها في الأصل لم يكن ما تكلم به الإنسان دالا على ما تكلم به و هو حقيقة و لا دالا أيضا على ما تكلم به و هو مجاز لأنه إذا لم يدل على الحقيقة و هي الأصل لم يجز أن يدل على المجاز الذي هو الفرع لأن انتفاء الدلالة على الأصل يوجب انتفاء الدلالة على الفرع و هكذا يجب أن يتأول استدلاله و إلا لم يكن له معنى محصل لأن اللفظ هو الدال على مفهوماته و ليس المفهوم دالا على اللفظ و لا له شركة في الدلالة عليه و لا على مفهوم آخر يعترض اللفظ بتقدير انتقال اللفظ اللهم إلا أن يكون دلالة عقلية و كلامنا في الألفاظ و دلالتها.(6/42)


شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 68فإذا أصلحنا كلامه على ما ينبغي قلنا له في الاعتراض عليه لم قلت إنه إذا خرج اللفظ عن أن يكون له شركة في الدلالة على الحقيقة لم يكن ما تكلم به الإنسان دالا على ما تكلم به و لم لا يجوز أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتنسيت تلك الحقيقة فإذا تكلم الإنسان بذلك اللفظ كان دالا به على أحد ذينك المجازين و لا يكون له تعرض ما بتلك الحقيقة فلا يكون الذي تكلم به غير دال على ما تكلم به لأن حقيقة تلك اللفظة قد صارت ملغاة منسية فلا يكون عدم إرادتها موجبا أن يكون اللفظ الذي يتكلم به المتكلم غير دال على ما تكلم به لأنها قد خرجت بترك الاستعمال عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم. ثم يقال إنك منعت أن يكون قولنا زيد أسد كناية و قلت لأنه لا يجوز أن يحمل أحد هذا اللفظ على أن زيدا هو السبع ذو الأنياب و المخالب و منعت من قول الفراء إن الجبال في قوله لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ كناية عن دعوة محمد ص و شريعته لأن أحدا لا يعتقد و لا يتصور أن مكر البشر يزيل الجبال الحقيقية عن أماكنها و منعت من قول من قال إن قول الشاعر
و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب
من باب الكناية لأن أحدا لا يتصور أن الحقائب و هي جمادات تثني و تشكر. و قلت لا بد أن يصح حمل لفظ الكناية على محملي الحقيقة و المجاز ثم قلت إن شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 69قول عبد الله بن سلام لصاحب الثوب المعصفر لو أنك جعلت ثوبك في تنور أهلك كناية و قول الي في امرأة ماتت
إن لم تكن نصلا فغمد نصول
كناية و إن كانت مستقبحة
و قول النبي ص يا أنجشة رفقا بالقوارير(6/43)


و هو يحدو بالنساء كناية فهل يجيز عاقل قط أو يتصور في الأذهان أن تكون المرأة غمدا للسيف و هل يحمل أحد قط قوله للحادي رفقا بالقوارير على أنه يمكن أن يكون نهاه عن العنف بالزجاج أو يحمل أحد قط قول ابن سلام على أنه أراد إحراق الثوب بالنار أو يحمل قط أحد قوله الميل في المكحلة على حقيقتها أو يحمل قط أحد قوله لا يحل لك فض الخاتم على حقيقته و هل يشك عاقل قط في أن هذه الألفاظ ليست دائرة بين المحملين دوران اللمس و الجماع و المصافحة و هذه مناقضة ظاهرة و لا جواب عنها إلا بإخراج هذه المواضع من باب الكناية أو بحذف ذلك الشرط الذي اشترطته في حد الكناية. فأما ما ذكره حكاية عن غيره في حد الكناية بأنها اللفظ الدال على الشي ء بغير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية و المكنى عنه و قوله هذا الحد هو حد التشبيه فلا يجوز أن يكون حد الكناية. فلقائل أن يقول إذا قلنا زيد أسد كان ذلك لظا دالا على غير الوضع الحقيقي و ذلك المدلول هو بعينه الوصف المشترك بين المشبه و المشبه به أ لا ترى أن المدلول هو الشجاعة و هي المشترك بين زيد و الأسد و أصحاب الحد قالوا في حدهم الكناية هي اللفظ الدال على الشي ء بغير الوضع الحقيقي باعتبار وصف جامع بينهما فعلوا المدلول أمرا شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 70و الوصف الجامع أمرا آخر باعتباره وقت الدلالة أ لا ترى أن لفظ لامَسْتُمُ يدل على الجماع الذي لم يوضع لفظ لامَسْتُمُ له و إنما يدل عليه باعتبار أمر آخر هو كون الملامسة مقدمة الجماع و مفضية إليه فقد تغاير إذن حدلتشبيه و حد الكناية و لم يكن أحدهما هو الآخر. فأما قوله إن الكناية قد تكون بالمفردات و التعريض لا يكون بالمفردات فدعوى و ذلك أن اللفظ المفرد لا ينتظم منه فائدة و إنما تفيد الجملة المركبة من مبتدأ و خبر أو من فعل و فاعل و الكناية و التعريض في هذا الباب سواء و أقل ما يمكن أن يقيد في الكناية قولك لامست هندا و كذلك أقل ما(6/44)

79 / 148
ع
En
A+
A-